بدر بن سالم العبري
بعدما أنهينا زيارة معبد جورد زيلاجس سو سني وتسجيل حلقة حول الدّيانة السّيخيّة رجعنا إلى النّزل، وكان الجوّ ماطرا، ولم نتمكن من الخروج ليلا، ولأنّ هذه اللّيلة ليلة السّفر؛ فلابدّ أخذ قسط من الرّاحة، ورحلتنا في اليوم التّالي أي الأربعاء 22 أغسطس الرّابعة عصرا، وكان لدينا والحمد لله متسع من الوقت لشراء بعض الهدايا، وكانت نيتنا ختم الغداء كما بدأنا بالمطعم المكسيكيّ، وتحدّثنا عنه في الحلقة الأولى؛ إلا أننا قررنا التّعجيل إلى المطار.
بعدما صليت الظّهر والعصر في النّزل خرجنا إلى المطار، وبوابتنا رقم (1)، إلا أنّ الّذي أخذنا من سيارة النّزل المجانيّة إلى المطار، وهو أفريقيّ تصرف للأسف تصرفا سيئا، وهذه أول مرة يحدث لنا في هذه السّفرة، إذا أخذنا إلى البوابة الرّابعة، وأخبرناه قال: المسافة قريبة، ومع هذا مشينا مسافة، وهي وإن كانت ليست بعيدة بالمعنى الطّبيعيّ، ولكن حال كونك تحمل أغراضا وأمتعة، والمشي يكون خارج المبنى فليست بالقريبة!!
عموما وصلنا البوابة، وكان المطار مزدحما، وسفرنا هذه المرة سيكون على الطّائرة الألمانيّة، فذهبنا إلى المكان المعدّ لتخليص إجراءات السّفر، وكان مزدحما جدّا، وضيقا في الوقت نفسه، ووقعت معي إشكاليّة، إذ أنّ الوزن المعدّ في الحقيبة محدد ولو أقل من الوزن المسموح، إذ تستخدم حقيبة أخرى، ولعلّ هذا رحمة بالعمال الّذين يقومون برفع وإنزال الحقائب، وهنا الأصل تدفع مبلغا، ولكن تساهلت، وقالت: لا تعدّ مرة ثانية لهذا، وجزاها الله خيرا.
ودعت صاحبي، وذهبتُ إلى البوابة المعدة، وأقلعت الطّائرة من شيكاغو السّاعة الرّابعة عصرا، ووصلنا إلى فرانكفورت في ألمانيا السّاعة السّابعة والرّبع صباحا، حيث استغرقت الرّحلة خمس ساعة وخمس عشرة دقيقة، ومطار فرانكفورت مطار كبير جدّا، ومنظم، ويعتبر ثاني أكبر مطار في أوربا، ومع أنّ التّرانزيت ثلاث ساعات، إلا أنّها لا تكفي، لكي تنتقل مكان إلى آخر، وتستخدم أحيانا المترو، ولما وصلت إلى القاعة كان الوقت قريب الإقلاع، وهنا سنسافر على الطّيران العمانيّ، وتعرفت في هذه اللّحظة من الانتظار السّريعة على أسرة ألمانيّة صغيرة ذاهبة إلى تايلند للسّياحة، فمن فرانكفورت إلى مسقط ترانزيت فتايلند، وجرى بعض الحديث السّريع، والمهم أقلعت الطّائرة السّاعة العاشرة وخمس وثلاثين دقيقة، ووصلنا مسقط السّاعة السّابعة وخمس عشرة دقيقة، حيث استغرقت الرّحلة ست ساعات وأربعين دقيقة.
وبعد هذه الرّحلة يمكن أن نجمل بعض الفوائد في زيارتي الأولى لولاية من الولايات الأمريكيّة، حيث أدركت تماما ما وصلوا إليه لم يكن إلا أنّهم أخذوا بسنن التّقدّم، فكان لهم ذلك، حيث يقوم على بناء الإنسان والحريّة والعدل، فهناك تشعر بقيمة الإنسان، وله كرامته، وتشعر بالحريّة، ولكلّ شأنه، كما تدرك قيمة العدل في استقرار النّاس، وشيكاغو تحوي العصابات المتطرفة، ولكن لا تشعر بذلك، بل تشعر بالأمان والاطمئنان.
ومن خلال زيارتي للمعابد تدرك أنّ الجميع يريد الوصول إلى الله، والكلّ يحبّ الله، ولكن كل يستخدم وسيلته للوصول إليه، وكلّ يعبر عن حبّه لخالقه حسب طقسه وما ورثه، ولكن صقلوا بالمحبة لبعض، فالله قبل أن يكون إلها هو رمز المحبة والجمال، فالله محبة، والأديان طرق لهذه المحبة، ودور العبادة كانت معبدا أو كنسا أو كنيسة أو مسجدا هي تجسيد لهذه المحبة، فتحويل هذه المحبة إلى بغضاء وشقاق بل إلى تفجيرات وقتل إنّما هو كفر برمز المحبة الّذي جسّد محبته في قلوب عباده، وهو أعلم بهم وبحالهم.
تعلّمت أيضا من هذه الرّحلة القصيرة أنّ التّعدد بناء، والأحدية بالنّسبة للبشر فساد، والوحدة في التّعدد إذا أدركنا قيمة التّعددية، فسيعود نفعها على الجميع، وتعطي جمالا وحلاوة كالصّورة المتعددة الألوان مع أنّ الّذي رسمها يد واحدة، فسبحان يد الصّانع الخالق الّذي رسم هذا الكون العظيم، ولله المثل الأعلى.
تعلمت أيضا أننا لما نتصارع في بلدنا نتصارع على وهم، فلمّا تخرج من حدود بلدك ودينك ومذهبك وأعرافك وتقاليدك تدرك سعة العالم والفضاء، وتبدأ في ترتيب أوراقك من جديد، فلا تضيع وقتك وعمرك في صراعات وخلافات وهميّة، العالم أكبر منها بكثير جدا، فأرض الله واسعة للهجرة، وليس القصد من الهجرة ترك البلد الّذي تعيش فيه، وإنّما توسع مداركك لتسبح في فضاء واسع من المعارف والمدارك والحريات وقيمة الإنسان.
تعلمت أيضا أنّ في أمريكا من يقدّر قيمة المعرفة والبحث بلا توجس أو انتظار ثناء من الباحث أو الكاتب، فلمّا تواصلت معهم رأيت التّشجيع والدّعم، فهناك خذ حريتك وانقد وتحدّث، فمدحك لا يزيدهم درجه، ونقدك لن يجعلك في درجة المغضوب عليه والضّالين!!
عموما الحديث ذو شجون، ونحن بحاجة في منطقتنا عموما أن نقترب من الإنسان وحرياته، ونشجعه على البحث والنّظر والكشف، فلا نعمل ذلك لمدحنا، وإن نقد جعلناه في أسفل سافلين.
والقارئ لهذه الرّحلة يدرك ذلك، وفيها يتعرف على الزّرادشتيّة والفيدس والهندوس والبوذيّة والسّيخيّة والمورمن وشهود يهوه والبهائيّة، وبعض ثقافة المجتمع المسلم، كما سيطلع على بعض الجوانب التّأريخيّة والحضاريّة لشيكاغو، حيث أنهيت كتابة الرّحلة في فجر الاثنين 23 من شعبان 1440هـ يوافقه 29 أبريل 2019م في مدينة الغبرة بولاية بوشر، والحمد لله ربّ العالمين.
