محمد بن عيسى البلوشي – إعلامي مختص في الشؤون الاقتصادية
قبل عامين من الآن كنت أبحث عن إجابة لسؤال بشأن بورصة مسقط: هل يقتصر دور البورصة على تحويل جزء من الشركات القائمة (الحكومية | العائلية) إلى شركات مساهمة عامة، أم هي منصة بها أدوات تمويلية متعددة يمكن تفعيلها؟ ولهذا أطلقنا تساؤلا حول جوهرية الدور الذي يمكن أن تلعبه البورصة وفق الرؤية المتجددة لاقتصادنا وطموحات عُمان 2040.
ربما وجدت اليوم إجابة صريحة وواضحة في تصريح سعادة الشيخ عبدالله بن سالم السالمي، الرئيس التنفيذي لهيئة الخدمات المالية، عندما أوضح بأن سوق رأس المال نجح في ضخ تمويلات تجاوزت 7 مليارات ريال عُماني خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعلنا نطرح سؤال هذا المقال: كيف استطاع سوق رأس المال العُماني من هندسة التمويل في اقتصادنا المحلي؟ وكيف نجح في كسر التابوهات التقليدية في أن التمويل التقليدي هو السبيل الوحيد في تنفيذ المشاريع؟!
كنت أبحث في دراستي الأكاديمية عن فكرة “هندسة برامج التمويل” للمشروعات الكبرى، وكيف للحكومة أو القطاع الخاص أن يتعاملا مع وسائل تمويلية ذكية يمكن أن تعظم العوائد النقدية من جانب، وتوفر مميزات تختص بإيجاد وظائف جديدة وأعمال للقطاعات الأقل منها، وهنا كانت التوصية بالعودة إلى الوظيفة الحقيقية لأسواق المال كونها ممول ذكي بمميزاته وإمكانياته الكبيرة.
اليوم نقف على علو حقيقة بأن هناك 7 مليارات ريال عُماني تمثل الحصيلة الإجمالية الشاملة لأدوات الدين والصكوك وزيادات رؤوس الأموال خلال السنوات الأخيرة، منها أكثر من 1.5 مليار ريال عُماني ساهمت بها برامج الاكتتاب في السوق الأولية، نجح خلالها جهاز الاستثمار العُماني، عبر بورصة مسقط، في تسييل وجدولة أصول بعض الشركات الاستراتيجية.
وهنا نعتقد بأن على الحكومة أن تستمر في هذا النهج الناجح عبر تأسيس نموذج “شراكات تأسيس المشروعات” عبر الاكتتاب العام لتطوير البنى الأساسية اللوجستية، كإنشاء “ميناء صور التجاري” على سبيل المثال، وتحويل تلك المشاريع إلى أدوات استثمارية جديدة تسهم في رفد الاقتصاد الوطني.
إن تحويل مثل هذه المشروعات الحيوية إلى شركات مساهمة عامة تحت التأسيس لا يقتصر دورها على تأمين السيولة الرأسمالية اللازمة بكلفة تمويلية كفوءة فحسب، بل يسهم بشكل مباشر في تعميق السوق الأولية، ويخفف الضغط الائتماني عن كاهل الجهاز المصرفي والموازنة العامة للدولة، مع تحويل المدخرات الوطنية إلى أصول إنتاجية ذات عوائد تنموية مستدامة.
ويرى البعض بأن “تعميق دور سوق المال عبر ابتكار أدوات تمويلية غير تقليدية يمثل الضامن الأساسي لتخفيف الأعباء الرأسمالية عن كاهل الموازنة العامة للدولة، وتأمين التدفقات النقدية اللازمة للقطاعات الواعدة التي تشكل عصب التحول الاقتصادي العُماني”، ونعتقد بأن استثمار دور هيئة الخدمات المالية خلال المرحلة المقبلة بجعل سوق المال كممول مالي ذكي سوف يسهم في ترسيخ مبدأ الشراكة التنموية بين فائض رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وبين المشروعات الاستراتيجية الكبرى.
وهنا يتأكد لنا أن سوق رأس المال بات يمثل بديلاً استراتيجياً وعمقاً موازياً للتمويل المصرفي التقليدي. وكما أشار سعادة الرئيس التنفيذي لهيئة الخدمات المالية، فإن “الميزة النسبية للسوق تكمن في قدرته الفائقة على توفير حلول تمويلية طويلة الأجل، وهي الحاضنة الأساسية التي تتطلبها المشروعات العملاقة لضمان ديمومتها التشغيلية والمالية، بعيداً عن ضغوط أسعار الفائدة والآجال القصيرة للقروض البنكية”.
من جانب آخر ندعو المنظومة الاقتصادية المشتركة—ممثلة في هيئة الخدمات المالية، وجهاز الاستثمار العُماني، ووزارتي الاقتصاد والمالية—إلى الاستفادة من نتائج الدراسات والأطروحات البحثية الرصينة، وتقديم الدعم الممنهج للباحثين. ونتطلع في ذات الوقت إلى أن يتولى مكتب صاحب السمو السيد نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية رعاية الكفاءات البحثية الاقتصادية الوطنية، بما يضمن مواءمة مخرجاتهم الأكاديمية مع توجهات خطط التنمية الشاملة، واستثمار هذه العقول في صياغة السياسات المالية والنقدية المستندة إلى البيانات والمعرفة المستدامة.
