د. صالح الخالدي
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد طموح للمستقبل، بل أصبح اليوم محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي، والابتكار الحكومي، وزيادة الإنتاجية الصناعية، وتعزيز القدرة التنافسية الرقمية. ومع تسابق الدول لبناء قدراتها في هذا المجال، أصبحت هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزدهر دون بنية تحتية رقمية متقدمة، وفي قلب هذه البنية تأتي مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة لسلطنة عُمان، فإن هذه المرحلة تمثل فرصة استراتيجية استثنائية.
فعلى مدى السنوات الماضية، حققت السلطنة تقدمًا ملحوظًا في مسيرة التحول الرقمي، من خلال الاستثمار في قطاع الاتصالات، والكابلات البحرية، والخدمات السحابية، والأمن السيبراني، والخدمات الحكومية الرقمية. وقد أسهمت هذه الجهود في بناء قاعدة رقمية قوية، إلا أن الخطوة الطبيعية التالية تتمثل في إنشاء مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، قادرة على دعم الاقتصاد الرقمي الوطني وتعزيز مكانة السلطنة إقليميًا.
وتختلف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عن مراكز البيانات التقليدية؛ فهي تعتمد على بنية حوسبة فائقة الأداء، ووحدات معالجة رسومية (GPU)، وأنظمة تبريد متقدمة، وطاقة كهربائية مستقرة وعالية الاعتمادية، بالإضافة إلى شبكات اتصال فائقة السرعة. ولهذا أصبحت هذه المراكز من الأصول الاستراتيجية التي تعتمد عليها الدول لبناء قدراتها الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي وجذب الاستثمارات العالمية.
تمتلك سلطنة عُمان العديد من المقومات التي تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا في هذا المجال.
فموقعها الجغرافي الاستراتيجي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما تتمتع باستقرار سياسي، وبنية اتصالات متطورة، وإمكانات واعدة في مجال الطاقة، وبيئة استثمارية جاذبة. وعند توظيف هذه المزايا بالشكل الصحيح، يمكن للسلطنة أن تصبح وجهة مفضلة للشركات العالمية الباحثة عن بنية تحتية متقدمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنطقة.
ولا تقتصر فوائد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على الجانب التقني فحسب، بل تمتد لتشمل آثارًا اقتصادية واسعة، مثل جذب الاستثمارات الأجنبية، وخلق وظائف نوعية، ونقل المعرفة، وتحفيز الابتكار، ودعم الشركات الناشئة، وتمكين الجامعات ومراكز البحث العلمي من الوصول إلى قدرات حوسبية متقدمة. كما ستستفيد الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص من استضافة تطبيقاتها وبياناتها داخل السلطنة، بما يعزز أمن المعلومات والامتثال للسياسات الوطنية الخاصة بالبيانات.
ومن الجوانب المهمة أيضًا السيادة الرقمية، حيث أصبحت القدرة على الاحتفاظ بالبيانات الحساسة وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل الحدود الوطنية عنصرًا أساسيًا في تعزيز الأمن السيبراني، وتحقيق الاستقلالية الرقمية، وضمان استدامة الخدمات الحيوية.
غير أن بناء مراكز بيانات ناجحة لا يعتمد على البنية التحتية وحدها، بل يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الحكومة، والجهات التنظيمية، وقطاع الطاقة، والمستثمرين، ومزودي التكنولوجيا، والجامعات، والشركاء الدوليين. كما أن وجود رؤية وطنية واضحة، وأطر تنظيمية مرنة، وخطط مستدامة للطاقة، سيشكل الأساس الحقيقي لنجاح هذه المشاريع.
ومن المؤشرات الإيجابية أن سلطنة عُمان بدأت بالفعل في تعزيز شراكاتها الدولية في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع تزايد اهتمام المستثمرين العالميين بمشاريع البنية التحتية الرقمية. وهذا يعكس استعداد السلطنة للمشاركة بفاعلية في المرحلة المقبلة من الثورة الرقمية العالمية.
ولذلك، لم يعد السؤال المطروح هو: هل ينبغي لعُمان الاستثمار في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟
بل أصبح السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن لعُمان أن تستثمر مزاياها التنافسية بسرعة لتصبح مركزًا إقليميًا رائدًا في هذا القطاع؟
فالدول التي تبني اليوم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، هي الدول التي ستقود اقتصاد المستقبل.
إن الوقت المناسب لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان هو الآن.
