أحمد بن علي الشيزاوي
الموجز:
كون المشرف يملك صلاحية إخراج الأعضاء من المجموعة لا يعني أنه فوق القانون، فإذا تجاوز استعمال هذه الصلاحية حدود تنظيم المجموعة وتحول إلى وسيلة للإضرار أو الإهانة أو التقليل من قدر أحد الأعضاء، حق للمتضرر أن يرفع عليه قضية يطالبه فيها بالتعويض، وأن يشتكيه جزائياً ليُحاسَب، بحسب ما يثبت من خطأ وضرر.
ونفس الحكم ينطبق إذا اضطر العضو للانسحاب من المجموعة بنفسه بسبب معاملة فيها إهانة أو تحقير، ومتى توافرت باقي الشروط.
وفي التفصيل:
أصبحت مجموعات التواصل الاجتماعي مجالاً فاعلاً للاجتماع والتداول والمشاركة والاعتبار، وقد يترتب على الحضور فيها أو الإقصاء منها أثر معنوي لا يجوز إهداره بدعوى أن الأمر وقع في فضاء إلكتروني أو تم بوسيلة تقنية.
وفي العرف قد يكون الإقصاء في بعض صوره رسالة ظاهرة إلى بقية الأعضاء بأن المطرود مستحق للإبعاد أو غير جدير بالبقاء أو واقع في موضع الملامة، وهذا معنى لا يستفاد من الشعور الداخلي وحده وإنما من الملابسات التي تصاحب الفعل وتكشف عن قصده وأثره.
ويكون الطرد إجراءً مشروعاً متى قام على سبب ظاهر ومخالفة ثابتة وغاية تنظيمية مفهومة، ويتحول إلى تعسف إذا خلا من السبب المشروع أو اتصل بباعث شخصي أو قصد إقصائي أو استعمل لإسكات عضو أو تحقيره أو إخراجه أمام الجماعة في موضع المذنب بغير موجب.
وعلة ذلك أن العضو في مثل هذه المجموعات لا يواجه سلطة تأديبية ناشئة عن كيان اعتباري أو لائحة ملزمة، ذلك أن التصرفات داخل هذه المجموعات تنشأ غالباً بموجب سلطة فعلية أحادية يباشرها المتحكم التقني بقناة الاتصال، بصرف النظر عن الجهة التي تنتسب إليها المجموعة، إذ لا تمتد لوائح تلك الجهة إلى إدارة القناة التقنية ذاتها، وهذه السلطة وإن كان أصلها الإباحة الفنية في إدارة المجموعة لا تكون رخصة مطلقة تعصم صاحبها من المساءلة إذا انحرف بها عن غايتها المشروعة.
ويعضد ذلك استعمال الطرد وسيلة للإضرار بعضو أو كسر اعتباره أو إخراجه من محيط جماعي بما يحمل معنى الإهانة أو الازدراء، إذ يغدو في هذه الصورة استعمالاً منحرفاً للحق يقوم على باعث غير مشروع وينتهي إلى ضرر خاص بمن وقع عليه الطرد.
وليس من صحيح النظر أن يقال إن الفعل إذا وقع في بيئة تقنية انقطعت عنه أحكام المسؤولية المدنية أو انفرد به قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات دون غيره، فبيئة التقنية ليست إطاراً قائماً بذاته تنحسر عند حدوده أحكام الفعل الضار والتعسف في استعمال الحق، وإنما هي موضع من مواضع الفعل الإنساني يقع فيه التصرف كما يقع في غيره من المواضع والأماكن.
ومن ثم فإن التكييف المدني الأقرب للطرد التعسفي هو قيام مسؤولية عن التعسف في استعمال حق أو سلطة فعلية متى ثبت الضرر وثبتت علاقة السببية بين الفعل والنتيجة.
وتبقى المسؤولية المدنية في هذه الصورة مردودة إلى أصلها في الفعل الضار والتعسف في استعمال الحق وفق قانون المعاملات المدنية متى ثبت الخطأ والضرر والسببية دون أن يتوقف ذلك على ثبوت الجريمة المعلوماتية.
والأصل أن المسؤولية المدنية باقية لا تزول بالمسؤولية الجزائية ولا تتوقف عليها ولا تستمد وجودها منها لأن لكل من المسؤوليتين مناطها، إذ تتجه الجزائية إلى الفعل المجرم وأثره في الجماعة، وتتجه المدنية إلى الضرر الخاص ووجوب جبره.
ومن ثم لا تصح إقامة الوسيلة التقنية حائلاً دون التعويض، ولا يصح جعل عدم اكتمال الجريمة المعلوماتية سبباً لإهدار الحق المدني، فعدم اكتمال الوصف الجزائي لا يمنع قيام الحق المدني متى ثبت الضرر وفق أحكام المسؤولية المدنية، وعلى هذا الأصل ينزل الطرد التعسفي من المجموعات الرقمية.
أما الوجه الجزائي للطرد التعسفي فلا ينبغي إسقاطه ابتداء ولا يصح إخراجه من البحث لمجرد أن الإهانة لم تصدر في لفظ صريح، ذلك أن الازدراء ليس مقصوراً في دلالته على القول الصريح وحده بل قد يتحقق بالفعل أو بالإشارة أو بالمسلك، وذلك متى كان من شأن أي مما ذكر في ظروفه وملابساته أن يحط من قدر المجني عليه أو يضعه في موضع المهانة بين الناس
والقول بأن الطرد لا يكفي بذاته لإثارة الوجه الجزائي قول لا يستقيم على إطلاقه، لأن الطرد في بعض صوره يتجاوز وصف الإجراء الإداري المحايد متى ظهر في جماعة الاتصال مسلكاً يحمل معنى الإقصاء والتحقير ويضع صاحبه في موضع الازدراء، وهذا المعنى يثبت بمختلف طرق الإثبات متى تعاضدت القرائن من وقائع مادية ظاهرة مثل انتفاء السبب المشروع وغياب المخالفة الثابتة وطريقة الإخراج وتوقيته وأثره في المحيط الجماعي الذي شهد الطرد وفهم رسالته.
ويتعين في هذا الموضع التنبيه إلى أن الوجه الجزائي المتصل بالازدراء أو المساس بالكرامة لا يبنى على أنه جريمة نتيجة مادية يلزم فيها إثبات نتيجة متحققة فعلاً، فهذا الباب أقرب إلى جرائم السلوك التي يكتمل بنيانها متى صدر الفعل أو القول أو الإشارة أو المسلك مستوفياً عناصره الموضوعية ومصحوباً بالقصد المعتبر قانوناً.
ومؤدى ذلك أن العبرة ليست بإثبات أن المجني عليه شعر فعلاً بالإهانة ولا بإثبات أن كل من شهد الواقعة احتقره فعلاً، وإنما العبرة بأن يكون السلوك في ذاته وبحسب ظروفه وملابساته صالحاً موضوعياً لأن يضعه في موضع الازدراء أو أن ينال من كرامته واعتباره.
ومن ينازع في ذلك لا يكفيه مجرد إنكار معنى الإهانة أو الازدراء، بل عليه، بحكم قربه من أسباب قراره وملابساته، أن يطرح من الوقائع ما ينفي دلالة الإقصاء المهين أو الباعث الشخصي، دون أن يغير ذلك من بقاء عبء الإثبات القانوني في موضعه.
وحيث كان ما تقدم، وكانت سلطة المشرف على المجموعة الرقمية، وإن ثبت أصلها من الناحية الفنية، لا تنهض بذاتها سبباً للإعفاء من المسؤولية، إذ العبرة بوجه استعمالها وبالغرض الذي صرفت إليه وبالأثر الذي رتبته.
وكان الطرد متى قام على سبب مشروع وغاية تنظيمية معتبرة بقي في حدود الإباحة، فإذا انصرف عن هذه الغاية واتخذ وسيلة للإضرار أو الإهانة أو الازدراء، قام موجب بحث المسؤولية المدنية، وبقي أمر المساءلة الجزائية موقوفاً على توافر أركانها وشروطها المقررة قانوناً.
ويلحق بالطرد في نطاق المسؤولية المدنية انسحاب العضو من المجموعة متى كان خروجه أثراً مباشراً لتصرفات صادرة من المشرف، أو من أحد الأعضاء بعلم المشرف وسكوته، إذا حملت تلك التصرفات معنى الإهانة أو الازدراء وتوافرت في شأنها شروط المسؤولية.
أما مساءلة المشرف جزائياً في حالة الانسحاب فلا يكفي لقيامها مجرد السكوت أو القدرة الفعلية على التدخل، وإنما ترد إلى قواعد الاشتراك أو المساهمة الجنائية، متى ثبت منه مسلك إيجابي يفيد الرضا أو التحريض أو المعاونة.
