حمود بن علي الطوقي
تلقيت نبأ رحيل الكاتب والباحث والمفكر العُماني الصديق خميس بن راشد العدوي، الذي غيّبه الموت عن عمر ناهز 56 عامًا، بكثير من الحزن والأسى، ليس فقط لأن الساحة الثقافية في سلطنة عُمان فقدت قامة فكرية كبيرة، بل لأنني فقدت إنسانًا نبيلاً عرفته عن قرب في المجالس الثقافية والأمسيات الفكرية، وظل حاضرًا بابتسامته الهادئة وكلماته المشجعة ومحبته الصادقة للجميع.
لقد جمعتني بالراحل لقاءات كثيرة امتدت لسنوات، وكنا نلتقي باستمرار في الفعاليات الثقافية والفكرية، خاصة تلك التي تنظمها الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء والنادي الثقافي، حيث كان خميس العدوي حاضرًا بروحه الثرية وفكره العميق، يناقش ويحاور ويستمع للجميع بمحبة المثقف الحقيقي الذي يؤمن بأن الثقافة رسالة ومسؤولية.
وكان الراحل من الأسماء التي أسهمت مبكرًا في تأسيس الحراك الثقافي المؤسسي في سلطنة عُمان، حيث شارك في تأسيس الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء والمنتدى الأدبي، وتولى خلال مسيرته رئاسة الجمعية، قبل أن يُنتخب لاحقا نائبًا لرئيس مجلس الإدارة عدة مرات، في دلالة واضحة على المكانة الكبيرة التي حظي بها بين المثقفين والكتّاب العُمانيين.
وتشير مصادر مقربة من الراحل إلى أن خميس العدوي ينتمي إلى بيئة عُمانية ضاربة في التاريخ؛ إذ تمتد جذور أسرته إلى منطقة كدم بين الحمراء وبهلاء، قبل أن تستقر العائلة في بهلاء القديمة، المدينة التي شكّلت جزءًا مهمًا من وعيه الفكري والإنساني. وهناك، بين البيوت الطينية ومشاغل الفخار وأزقة المدينة العتيقة، تشكلت ملامح الطفل الذي كان يرى في المكان ذاكرة حضارية نابضة، لا مجرد حكايات شعبية وأساطير متداولة.
كما تشير المصادر ذاتها إلى أن بداياته التعليمية ارتبطت بالكتاتيب وحفظ القرآن الكريم، وهي المرحلة التي فتحت أمامه أبواب القراءة والتأمل والتساؤل، قبل أن يواصل رحلته العلمية في جامعة السلطان قابوس، حيث درس أصول الدين والفلسفة الإسلامية، وانشغل بالفلسفة الإسلامية واليونانية، وظل طوال حياته الفكرية منحازًا إلى المراجعة المستمرة للأفكار والبحث العميق عن المعنى.
ولم يكن خميس العدوي مفكرًا تقليديًا، بل عُرف بروحه المتجددة وجرأته الفكرية الهادئة؛ فقد كان يؤمن بأن الفكر الحقيقي يقوم على السؤال وإعادة النظر والتطور المستمر. وتُروى عنه قصة تعكس هذه الروح؛ إذ كتب ثلاثة مجلدات كاملة في آرائه الفقهية، ثم قرر إتلافها لاحقًا بعدما تغيّرت بعض قناعاته، في موقف يكشف صدقه الفكري وشجاعته في مراجعة الذات.
وتنقل الراحل بين عدد من المواقع العملية والثقافية، فعمل في مكتب الإفتاء، ثم اتجه إلى العمل القانوني والثقافي، وأسهم في تأسيس “مكتبة الندوة” التي تحولت إلى منصة ثقافية فاعلة نالت جائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي عام 2012.
كما التحق عام 2014 بوزارة التراث والثقافة، وعمل ضمن مشروع تطوير العمل الثقافي والمؤسسي خلال فترة تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله – مسؤولية وزارة التراث والثقافة، حيث كان يؤمن بأهمية بناء مشروع ثقافي عُماني منفتح على المعرفة والإنسان والعالم.
وقد ترك الراحل للمكتبة العُمانية والخليجية والعربية رصيدًا مهمًا من الكتب والدراسات التي اتسمت بالفكر المنير والطرح العميق، وعالجت قضايا الفكر والهوية والتاريخ والثقافة بروح متوازنة ومنفتحة، لذلك عُدّ من الأصوات المجددة في الفكر الإسلامي، نظرًا لاتساع اطلاعه وقدرته على الجمع بين الأصالة ومتغيرات العصر.
ولعل اللقاء المتميز الذي جمعه بالشاعر المبدع مازن الهدابي عبر منصة “بودكاست مصعد” شكّل نافذة مهمة لاكتشاف الكثير من عوالم الأديب الراحل الفكرية والإنسانية، حيث تحدث بشفافية وعمق عن رحلته مع الفكر والمعرفة والأسئلة الوجودية والثقافية. وقد حظيت الحلقة، التي بُثّت عبر منصة يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي، بمتابعة واسعة من مختلف الأوساط الثقافية في العالم العربي، لما حملته من مضامين ثرية كشفت جانبًا مهمًا من شخصية المفكر الراحل وتجربته المتفردة.
ومن المواقف التي لا أنساها دعمه المتواصل لي في رحلة إصدار مجلة “مرشد” للأطفال، فقد كان يدرك حجم التحديات التي تواجه ثقافة وأدب الطفل، وكان دائم التشجيع لي على الاستمرار والمضي قدمًا، مؤمنًا بأهمية بناء وعي الأجيال الجديدة وغرس القيم والمعرفة في نفوس الأطفال. وكانت كلماته تمثل دافعًا معنويًا كبيرًا بالنسبة لي في أوقات كثيرة.
وكان آخر لقاء جمعني به في إحدى الأمسيات الرمضانية العامرة، في ضيافة صاحب السمو السيد نمير بن سالم آل سعيد بمنزله، حيث دار الحديث، كعادته، حول الثقافة والفكر والإنسان، وكان حاضر الذهن، واسع الأفق، يحمل ذات الروح الهادئة التي عرفها الجميع عنه.
كما اعتدت أن أراه عامًا بعد عام في الأمسيات الرمضانية الثقافية التي كان ينظمها معالي السيد علي بن حمود البوسعيدي، وزير ديوان البلاط السلطاني السابق، في مزرعته، حيث كانت تلك اللقاءات تشكل مساحة جميلة للحوار وتبادل الرؤى بين المثقفين والأدباء، وكان خميس العدوي دائم الحضور فيها، بما يمثله من قيمة فكرية وإنسانية رفيعة.
وأثناء متابعتي لخبر وفاته، الذي انتشر مساء الثلاثاء الموافق 19 مايو 2026، قرأت نعيًا مؤثرًا نشره الكاتب والقاص الصديق بدر الشيدي، فبادرت على الفور بالاتصال به للتأكد من حقيقة الخبر، وكلي أمل أن يكون مجرد إشاعة عابرة، غير أن صوت الحزن في حديثه كان كافيًا ليؤكد أن الساحة الثقافية العُمانية قد فقدت بالفعل أحد أبرز رموزها الفكرية.
وبعدها دخلت متلهفًا إلى حساب الراحل في منصة X، وكأنني أبحث عن أثر أخير لصوته وفكره، فوجدت أنه قبل رحيله بثلاث ساعات فقط كان قد نشر الآية الكريمة من سورة الأعراف:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ۙ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
توقفت طويلًا أمام تلك اللحظة المؤثرة، وكأن المفكر الراحل أراد أن يودّع الحياة بكلمة من نور القرآن، بعد رحلة طويلة قضاها منحازًا للحقيقة، ومؤمنًا بأن الفكر رسالة، وأن المعرفة مسؤولية، وأن الإنسان لا يكتمل إلا بالسؤال والتأمل.
رحل خميس العدوي بهدوء العارفين، لكنه ترك أثرًا سيبقى حاضرًا في الذاكرة الثقافية العُمانية والعربية، وسيظل اسمه مرتبطًا بالفكر المستنير والنبل الثقافي الذي لا يغيب.
رحم الله أبا راشد، وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
