حمد الرشيدي
أحقا رحل الشيخ خميس العدوي احقا رحل الرجل الذي وقف صامدا مخلصا لمبادئه لم يتزحزح عنها قيد أنملة في شجاعة لا يجسر عليها الكثيرون
لقد حورب بسبب افكاره فلم يتراجع وضيق عليه في رزقه فلم يتنهنه وبقي يكتب ويؤلف وينشر ولو كان طالب منصب لناله بكل اقتدار
يكفيك أن ترى ما تريد الجموع فتسير على هواها وتطأ على قناعاتك وتخفيها فتأتيك المناصب والرتب ولكن ليس خميس من يفعل ذلك لقد كان أمة في رجل كنت لا تراه الا معلما او متعلما او مربيا وعلى كثرة ما شنع عليه بسبب خروجه بافكاره عن السائد الا انه كان يحمل هم أمة أضنتها الخرافة وعشعش فيها حرفية النص والاستبداد بالرأي واراد هو لها ان تنفض عنها هذا الغبار وتعود الى مورد القرآن تقرأه بعين البصر والبصيرة مبينا ان الخلاف لا يفسد للود قضية وان في تأويل النص وفق المنطلقات الكبرى التي جاء بها الدين برحابة انسانيته وفضاءات شموليته مندوحة ومخرجا لها مما تعانيه
لقد كان أول ما تعرفت عليه من خلال كتابه (الايمان بين الغيب والخرافة) وكان بالنسبة لي طوق نجاة من كثير من الآصار التي حملناها أيام دراستنا للشريعة فخفف عنا ثقل الوساوس وأرانا من رحابة الدين ما فتح ابصارنا على التدبر والتفكر ثم كان كتابه المشترك مع آخرين حول (السنة الوحي والحكمة) نبراسا يضيء نوافذ العقل المتشظي.
(وما كان قيس هلكه هلك واحد& ولكنه بنيان قوم تهدما)
أسفي على دنيا ليس فيها مثل خميس
لقد كان له من اسمه نصيب (فالخميس الجيش لغة) وكان خميس جيشا وأمة وحدة
كان كريما على قلة ذات يده
فان لم يجد بالمال وقد جاد فجوده بالحال وقد كان دائم السؤال عن اصحابه يتفقدهم ويقف معهم في محنتهم ويتألم لمصابهم وقد مرت بي بعض صروف الحياة واناخت علي كلاكل الدهر وما ان علم خميس بمحنتي حتى بادر من ذات نفسه بكل ما أوتي من شرف وسؤدد للوقوف معي دون سؤال مني وما الحياة ان لم تكن مواقف ومتى يعرف الرجل الا في الشدائد
أواه يا خميس أحقا سنفتقد مجالسك التي لا تمل وحديثك الذي يسري في الأرواح سريان الدم في الاجساد
(لقد كان عذب الروح لا من غضاضة& ولكن كبرا ان يقال به كبر) لا تكاد تجلس معه الا وتخرج وقد استنارت بصيرتك
ويشهد الله على كثرة ما لقي من تشنيع الا انني لم اسمعه يتكلم عن مبغضيه بسوء بل كان يتحاشى الحديث عنهم بل قد يبرر أحيانا افعالهم ذلك لان خميس سبر النفس الانسانية وغاص في دركاتها ودرجاتها ومن كان هذا شأنه كان أعذر للناس كما يقول الشافعي (من كثر علمه قل انكاره) فهو يعلم ان كثيرا من مبغضيه كانوا يؤتون من قلة فهمهم ومن مواقف تشكلت فيهم نتيجة ما يسمعون دون أن يسمعوا منه او يقرأوا له بعين الانصاف
رحمك الله يا خميس لقد كنت شعلة علم وستظل منارة للسالكين ولكل من لم يسلم عقله لغيره ليفكر عنه وستظل في وجداننا ما حيينا ونسأل الله ينزل عليك شآبيب رحمته ويسقي ترابك الطاهر بغيوث مغفرته
