محمد جواد أرويلي/ كاتب و صحفي إيراني
مع اقتراب جولة جديدة من المفاوضات النووية مع إيران، يبرز تساؤل محوري حول مدى قبول طهران بحضور دول إقليمية في هذه المحادثات، وكيف ستوازن بين الضغوط الدولية والتوازنات الإقليمية، في ظل واقع يشي بأن بعض الاجتماعات الدبلوماسية الكبرى تتحوّل أحيانًا إلى مسرحيات إعلامية ،أكثر من كونها أدوات فعالة لفرض السلام.
تستند هذه الحذرية الإيرانية إلى خبرة طويلة، حيث تعلمت طهران من الملفات النووية السابقة وتجارب الوساطة الإقليمية أن أي حضور غير متوازن قد يحد من قدرتها على إدارة المفاوضات وفق أولوياتها الوطنية، كما أن التجارب التاريخية أكدت لها أن أي دور إقليمي يجب أن يكون محددًا وموثوقًا، لا أداة للتأثير الخارجي على نتائج الحوار.
من منظور إيراني، أي توسّع لحضور دول إقليمية في المفاوضات يجب أن يُقاس بقدرته على تعزيز أو حماية مصالح إيران الوطنية وأمنها القومي، وليس على قدرته على إنتاج عروض إعلامية لصالح أطراف خارجية. هذا الموقف ينبع من تجربة طويلة، تشمل عدة وساطات، أظهرت لطهران أن بعضها معرضة للضغوط الخارجية، وأن القدرة على حماية مسار الحوار وحياد البيئة التفاوضية هي العامل الحاسم في نجاح أي جولة.
أحدث مثال على هذا الانطباع جاء في قمة شرم الشيخ بشأن غزة، حيث أظهرت الأحداث أن الدول الضامنة لم تتمكن من ممارسة تأثير فعّال لإيقاف التصعيد العسكري الإسرائيلي، بل ركّزت أنشطتها على ترتيبات محددة تتعلق بمطالب إسرائيلية، مثل البحث عن الجثث، بدلًا من التركيز على حماية المدنيين أو الاستجابة لمطالبهم الأساسية. إيران كانت مدعوة رسميًا للحضور والمشاركة في هذه القمة، لكنها اختارت عدم المشاركة، وهو قرار يعكس وعيها بأن حضورها في مثل هذه الفعاليات قد يُستثمر إعلاميًا لصالح أطراف أخرى دون تحقيق أي تأثير ملموس على واقع الأزمات. في المقابل، كانت إيران تحرص عقب كل جولة تفاوضية على إطلاع دول المنطقة على تفاصيل المحادثات مع الولايات المتحدة والسداسية الدولية، بما يعكس حرصها على الشفافية الجزئية مع الأطراف الإقليمية والاستراتيجية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلالية القرار وسيادة مصالحها الوطنية.
في الوقت نفسه، تؤكد إيران أن مشاركة الدول الإقليمية في أي إطار تفاوضي يجب أن تكون محددة وواضحة، بحيث لا تتحوّل إلى آلية لتقييد قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية، أو لتوظيف المحادثات كمنصة لتجميل نتائجها إعلاميًا. بمعنى آخر، تؤكد طهران أن المحادثات النووية ليست مجرد حدث دبلوماسي لصناعة “مبادرات سلام عالمية”، بل هي عملية استراتيجية محكمة، تخدم أهداف الأمن القومي الإيراني وتحمي مصالحه، وليس تعزيز صور قيادات خارجية على الساحة الدولية. تاريخيًا، أظهرت إيران مرونة محدودة في قبول مشاركة الدول الإقليمية، بحيث توازن بين الضغوط الخارجية والحاجة إلى بناء تفاهمات دبلوماسية آمنة، وهو نهج مستمر في حساباتها الحالية.
بناءً على هذا السياق، كان من المتوقع أن يكون موقف إيران من حضور دول المنطقة في المحادثات النووية المقبلة انتقائيًا ومدروسًا، و يرتكز على تقييم قدرة هذه الدول في دعم بيئة تفاوضية مستقرة، وتجنب أي وساطة قد تُستثمر إعلاميًا لتجميل مواقف أطراف أخرى، على حساب جوهر القضية النووية وأمن إيران الإقليمي. هذه الحذرية ليست رفضًا مطلقًا للمشاركة الإقليمية، بل تعبير عن وعي استراتيجي يربط بين مصالح إيران الوطنية وتجاربها مع ديناميكيات المنطقة، بما في ذلك دروس من أحداث مثل قمة شرم الشيخ، التي أبرزت حدود تأثير الدول الضامنة في الملفات الأكثر حساسية. كما يعكس هذا النهج تقدير إيران لدور الوسطاء الموثوقين، الذين يربطون بين الأمن الإقليمي واستمرارية الحوار، بما يمنحها القدرة على إدارة التفاوض دون التخلي عن مصالحها الوطنية أو المساس بسيادتها.
