المحامي أحمد بن حسن البحراني
المقدمة
المولد النبوي الشريف مناسبة دينية عظيمة تحتفل بها الأمة الإسلامية سنويًا، وهي ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل رابط روحي يجدد صلة المسلمين برسولهم الكريم ﷺ. وقد أولت سلطنة عمان لهذه المناسبة اهتمامًا خاصًا، فأعلنتها عطلة رسمية تعكس مكانتها في الضمير الجمعي العماني.
ومع ما قد يُثار من جدل فقهي حول مشروعية الاحتفال بالمولد، يظل السؤال القانوني حاضرًا: هل يحظى المولد النبوي بحماية جزائية؟ وهل التطاول عليه يعد جريمة معاقبًا عليها؟
المولد النبوي بين الفقه والواقع الاجتماعي
عرف المسلمون منذ قرون عادة الاحتفال بالمولد النبوي بمظاهر مختلفة من الذكر والمديح وإطعام الطعام. ورغم اعتراض بعض التيارات السلفية على هذه الممارسة باعتبارها “بدعة”، فإن جمهور الفقهاء رأى فيها وسيلة مباحة لتعظيم النبي ﷺ والتذكير بسيرته.
وبمرور الوقت، تحول المولد النبوي إلى شعيرة اجتماعية لا يمكن فصلها عن الهوية الدينية، خصوصًا في المجتمعات التي ارتبطت بهذه الذكرى ارتباطًا وجدانيًا عميقًا، ومن بينها المجتمع العُماني.
الحماية القانونية في قانون الجزاء العُماني
أولًا: المادة (108)
تجرّم هذه المادة كل ما يثير الفتنة أو النعرات أو الكراهية الدينية، وتقرر عقوبة السجن من (3) إلى (10) سنوات.
وإذا وقعت الجريمة في دور العبادة أو صدرت من شخص ذي صفة دينية، اعتُبر ذلك ظرفًا مشددًا.
ومن هنا، فإن التطاول على المولد النبوي أو السخرية منه على منبر مسجد يمكن تكييفه قانونًا على أنه محاولة لإثارة النعرات والفرقة بين المسلمين، مما يوقع الفعل تحت طائلة هذه المادة.
ثانيًا: المادة (269)
تنص هذه المادة على تجريم الإساءة إلى الدين الإسلامي أو شعائره، وكذلك التطاول على الأنبياء.
وبتفسير واسع لمفهوم “الشعيرة”، يُعتبر المولد مظهرًا من مظاهر تعظيم النبي ﷺ، وبالتالي فإن الانتقاص منه أو السخرية منه يدخل ضمن نطاق الحماية التي وفرتها المادة.
البعد الاجتماعي والقانوني
الإساءة للمولد النبوي لا تُعتبر خلافًا فقهيًا مشروعًا، بل تُعدّ فعلًا يمسّ المشاعر الدينية للجمهور، ويهدد السلم الاجتماعي.
إن القانون لا يتدخل في الخلافات الفقهية العلمية، لكنه يتدخل عندما يتحول “الرأي” إلى خطاب كراهية أو سخرية علنية تمس وحدة المجتمع.
وبذلك، تصبح الحماية الجزائية للمولد النبوي انعكاسًا لحماية أوسع تشمل الدين، والهوية، والوحدة الوطنية.
الخاتمة
المولد النبوي الشريف، بصفته مناسبة دينية وروحية يحتفل بها الملايين، يتمتع بحماية مزدوجة في القانون العُماني:
حماية بموجب المادة (108) التي تمنع إثارة الفتنة والنعرات الدينية.
حماية بموجب المادة (269) التي تجرم الإساءة إلى شعائر الإسلام.
وعليه فإن أي إساءة أو محاولة للنيل من هذه المناسبة لا تُعتبر حرية رأي، وإنما جريمة جزائية مكتملة الأركان، تهدد السلم الأهلي وتستوجب العقاب.
