يعقوب الخنبشي – كاتب وأديب
تتجه أنظار العالم إلى مسقط، لا لِـتُحصي عدد السفن العابرة في مضيق هرمز، بل لترصد عبور الكلمات من نيران الخصومة إلى هدنة العقول.
الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، قوتان يختزنان في مفردتيهما طبقاتٍ من العداء، وطبقاتٍ أعمق من التفاوض الممكن، تجتمعان في كنف السلطنة، ليس فقط لعقد جولة محادثات، بل لإعادة رسم مسارٍ تاريخي يُراد له أن يتجاوز المألوف، نحو اتفاق تتنفس منه المنطقة والعالم قسطًا من استقرار نادر.
ليست هذه المرة الأولى التي تحتضن فيها عُمان الحوارات التي يأنف منها الصخب السياسي، ولا التي تستعصي على الانفعال الآني للدول. بل هي امتدادٌ لدور متجذّر، قائم على مبدأ الحياد الفاعل، الذي لم يكن يومًا حيادًا سلبيا متقوقعًا، بل حيادًا واعيًا متقدمًا، يجعل من مساحات الخلاف منابر حوار، لا ساحات صراع. هذا الحياد، الذي تمارس فيه السلطنة سياسة النفس الطويل، يُعيد تعريف القوة، لا بصوت السلاح، بل بذكاء التوقيت، وهدوء الدبلوماسية.
عُمان، التي تدرك جيدًا طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية، تنطلق في جهودها من عمق حضاري ضارب في التاريخ، حيث الموانئ كانت ملتقى للتجار والرسل، وحيث الجبال كانت شاهدة على عهود المواثيق لا الخيانات. فليست المسألة مجرد دور دبلوماسي مؤقت، بل هوية متأصلة، تتجلى حين تشتد الأزمات، وحين تصبح الدول بحاجة إلى وطنٍ يقف على الحافة دون أن يسقط، يسمع الجميع ولا ينحاز، ويُفسح المجال لمن لا يلتقون أن يلتقوا.
إن استضافة عُمان لهذه المحادثات المرتقبة لا تنبع من طموح استعراضي، بل من إيمان عميق بأن العالم، مهما بلغ من نزق، لا بد له من نقطة التقاء. وهذه النقطة، إن لم تكن في قلب الأرض، فهي في قلبٍ يعرف كيف يُنصت قبل أن يتكلم، وكيف يُدير الزوايا الحادة لتصبح دوائر نقاش.
ومن هنا، فإن عُمان لا تستضيف تفاوضًا بين خصمين فحسب، بل تستضيف احتمالات الغد. تستضيف الأمل حين ينهكه الضجيج، وتُعيد للدبلوماسية معناها النبيل، بعيدًا عن العنتريات، قريبًا من جوهر الدولة: البناء لا الهدم، القرب لا القطيعة، الحضور لا الغياب.
سلامٌ لكم من على أرضٍ جعلت من الصمت حِكمة، ومن الحكمة مبدأ، ومن المبادئ فعلاً تاريخياً يُكتَب لا يُقال.
