مرتضى بن حسن بن علي يكتب: مواصفات المعلم الذي نحتاجه وكيفية إعداده؟

مرتضى بن حسن بن علي

appleorangeali@gmail.com

التعليم الجيِّد والمتطور بحاجة إلى عناصر عديدة تتكامل مع بعضها البعض، فإضافة إلى المناهج الجيِّدة المتطورة والإدارة التعليمية الكفوءة والبيئة المدرسية المناسبة، فإنَّ التعليم الجيد بحاجة إلى معلم جيد.

إنّ طريقة إعداد مُعلمي المستقبل تستحق التمعن، فعجلة التطور الإنساني والثورة التكنولوجية التي تجتاح العالم بجميع مرافقها جعلت من ثلاثية “العلم- التكنولوجيا- التنمية الشاملة” بصمةً لا غنى عنها، وفرضت على بيئات التعلم تحولات تستدعي إيقاظ الإبداعات الكامنة عند المتعلمين، مما يتطلب التقويم المستمر للتعليم ونظرياته، والسعي الدؤوب إلى جعله يُواكب متغيرات العصر الذي نعيشه وتحدياته، وكل ذلك بحاجة إلى معلم جيد عالي الكفاءة، ومن الصعب الارتقاء بالتعليم من دون الارتقاء بالمعلم أيضًا، وفي جميع المراحل الدراسية ابتداءً من الروضة وصولا إلى التعليم العالي وما بعده، معلم قادر على إيصال  المعلومة بشكل صحيح، سواء أكان ذلك في الفروع الفنية والتقنية أو الفروع الأكاديمية.

من الطبيعي أن يدخل الطلبة الحاصلون على المعدلات العالية إلى كليات الطب والهندسة، ولكن ليس من الطبيعي أن يدخل الطلبة  الحاصلون على أدنى الدرجات في بلداننا إلى كليات التعليم، هذا يدل على قصر نظر كبير عن أهمية دور المعلم، فإذا كان الطبيب والمهندس مسؤولين عن أعداد معينة من الناس، فإن المعلم يكون مسؤولاً عن مصير وحياة المجتمع بأسره، ولذلك تأتي أهمية اختيار المعلم الجيد وإعداده بأحدث الطرق وتزويده بالمؤهلات المختلفة بحيث يكون قادرا على إيصال المعلومة بطريقة صحيحة، ويتمكن أن يتعامل مع الإنسان الصغير بطريقة ناجحة ومؤثرة.

فما هي الصفات التي يجب أن تتوافر في معلم الغد؟

معلم الغد لابُد أن يمتلك شخصية قادرة على فهم الطلبة واستيعابهم وتشجيعهم على إجراء النقاشات الفكرية المختلفة وخصوصا في المراحل العليا من التعليم الثانوي وفي الكليات، ويكون منفتح العقل والفكر على المراحل العمرية المختلفة التي يمر بها الطالب، معلم لا يُفكر إلا بالتعليم، وينال احترام المجتمع الذي يرفع له القبعة، معلم لا يكتفي بالاعتماد على الكتاب المقرر، بل يعتمد أيضًا على عدة كتب، وعلى الوسائل التعليمية والتكنولوجية الأخرى مثل الوسائل الصوتية والمرئية، ويعطي الفرصة للطالب لكي يقوم بالتفكير والاستنباط والتحليل، ويساهم في تقوية النمو الفكري للطالب ويساعده بالبحث عن المعلومة الصحيحة والخاطئة معاً لكي يكون قادرا على التمييز بين الاثنين، وهي وسائل تقرب المعلومة للطالب وتساعده على استيعابها، معلم قادر على أن يفتح مجالا للحوار والنقاش ويكون قادرا على أن يشرح كيف يكون المواطن فاعلا في المجتمع، قادرا على النهوض بالوطن نحو الأفضل، معلم لا يقوم بحشو المعلومات في رأس الطالب والتي ستتساقط فيما بعد كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف، معلم مستوعب للطرق الحديثة للتقويم، قادر على تقويم طريقة الطالب في التعبير عن نفسه وتحسين أدائه وقادر على مزج النظري بالعملي، فلا فائدة من دراسة المواد النظرية من دون ملاحظة الطالب بالعين المجردة عن طريق الدروس العملية.

فلا فائدة من المعادلات المختلفة من دون القدرة على التطبيق العملي لهذه المعادلات، معلم قادر على تأهيل الطالب للحياة العملية وليس تأهيله فقط لحفظ المزيد من المعلومات من دون استيعابها ونسيانها فيما بعد، معلم قادر على تحسين الامتحانات الورقية والشفوية ووضعها بالطريقة الصحيحة لكي يتم من خلالها قياس مدى فهم الطالب للمادة بالشكل الصحيح وليس حفظها مثلما موجود في الكتاب، معلم قادر على إثارة دافعية المتعلم وتحسين تحصيله وأدائه بشتى الوسائل والتقنيات، معلم يسعى دائماً إلى تطوير نفسه ذاتياً والرقي بنموه المهني والعمل على تنمية المُجتمع وينتقل من المزود الوحيد للعملية التعليمية إلى مساعد ومشرف على الطلاب ليبحثوا عن المعلومة بأنفسهم، معلم قادر على تحويل البيئة التعليمية التقليدية إلى بيئة تفاعلية وتعاونية تعمل على إنجاز الأعمال على أكمل وجه، معلم يلعب أدوارا متعددة تربوية واجتماعية، تساير روح العصر، معلم ناقل مهم للمعرفة وليس مجرد موصل للمعلومات الموجودة في الكتاب المدرسي عن طريق التلقين فقط، قادر على مساعدة الطلبة في عملية التعلم الذاتي، ويساهم مع الطلاب في الاستعداد للدروس والبحث والدراسة مستنيرين بإرشاداته وقادرين على مناقشته، معلم يلعب دوراً مهماً في رعاية النمو الشامل للطلاب.

كل هذه الصفات وأكثر تراعيها الدول المتقدمة، وللأسف الشديد أن معظم دولنا لم تراعِ ذلك ولم تكترث له، ولم تعطٍ هذا الملف الأهمية التي يستحقها، أو أليس من حق المعلم والمعلمة على المجتمع ومن حق المجتمع عليهما، أن تكون مهنة التعليم من ضمن المهن الاجتماعية الرفيعة، مكانة وتقديرًا وأكتفاءً ماديًا؟

إن المعلم المتعلم والمثقف والممتهن والملتزم يعتبر عنصرا بالغ الأهمية لإصلاح وتطوير النظام التعليمي، ومن دون وجود هذا النوع من المعلم المؤهل علميا وثقافيا واجتماعيا، لن نتمكن من إصلاح وتطوير التعليم، مهما كانت المقررات والمناهج جيدة، وإذا ما نجحنا في ذلك، فإننا سوف نتمكن من أن نردد قول الشاعر الكبير أحمد شوقي، ذلك القول الذي كان يُردد على مسامعنا عندما كنا صغارًا:

قُم للمعلم وفه التبجيلا

كاد المعلم أن يكون رسولا

ومن أجل الإعداد الجيِّد لمعلمي المُستقبل، فعلينا لَيْس التركيز على أحسن الطلبة في امتحان الدبلوم العام واختيار الحائزين على أعلى الدرجات فقط، وإنما القيام بعد ذلك بإجراء مقابلات شخصية مع كل طالب وطالبة على انفراد من قبل لجنة متخصصة تضم خبراء تربويين إضافة إلى خبراء في علمي النفس والاجتماع، لاختبار قدراتهم الشخصية والنفسية والاجتماعية لمعرفة مدى امتلاكهم لمهارات التواصل والتخاطب، والقدرة على التعامل مع هذا الإنسان الصغير في المدرسة، وغيرها من المتطلبات الأساسية الضرورية لقبولهم في الكلية، وقد تتطلب العملية وضع الحدود الزمنية الأدنى للدراسة الجامعية لمُعلمي المستقبل ودراسة أنواع ومستويات المقررات الأكاديمية والتطبيقية التي يجب أن توفرها الكلية المتخصصة، ومن ضمن ذلك مواد ومقررات في علمي النفس والاجتماع، وتحديد الوسائل ومدة الخبرة العملية التي يجب أن يقضيها المعلم كمتدرب، بعد تخرجه في الكلية أو أثناء وجوده فيها، قبل تعيينه كمعلم، للتأكد على قدراته لتحمل مسؤولية التعليم بكفاءة.

ومن أجل تزويد المعلم بأكبر عدد من المعلومات والمهارات، ربما يكون ضرورياً إعادة النظر في عدد السنوات الدراسية في الكلية “مثلا بين 4 سنوات و6 سنوات”، حسب مستوى المرحلة التعليمية التي يود الطالب التدريس فيها “الروضة، الابتدائية، الثانوية بأقسامها المختلفة، ويشمل التدريب العملي بالنسبة لمعلمي الأقسام الفنية والتقنية”،كما من الضروري أن يتم إلحاقه للتدريب العملي في السنة الأخيرة، ومن أجل أن يكون التعليم مستمرا ويتمكن المعلم من متابعة أحدث التطورات والنظريات والتطبيقات العالمية في الحقل التعليمي، يتم ربط ترقيته بمدى تقدمه في التعلم المستمر.

أما بالنسبة للمعلمين الحاليين، فمن الضروري إيجاد برامج شاملة مُستمرة لإعادة تعليم وتدريب جميع المعلمين وبصورة مستمرة وربط ترقياتهم بمدى تعلمهم واستيعابهم للبرامج المختلفة، هذا إن أردنا تعليماً عصرياً يتواكب بشكل متسارع مع متغيرات المستقبل، وتكون أجيالنا متقدمة ورائدة في كافة المجالات العملية والحياتية.