مروة بنت سيف العبرية تكتب: مهنة الإعلام في إطار قانوني أخلاقي

مروة بنت سيف العبرية

لا ريب أن العلاقة وطيدة بين قوانين الإعلام والأخلاقيات الإعلامية، كون هذه القوانين تؤطر العمل أيا كان نوعه، سواء كان مرئيا أو مسموعا أو مقروءا أو حتى إلكترونيا، حيث تعمل هذه القوانين على ضبط وسائل الإعلام المختلفة من حيث التعاطي مع مختلف المواضيع سواء الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو غير ذلك.
تدرك المجتمعات أهمية وسائل الإعلام في نقل المشهد، حيث تتغير الكثير من المجريات إذا كانت هذه الوسائل تعمل بمصداقية وشفافية وحيادية دون الابتعاد عن الواقع المعاش، لذا تتطور الدول سريعا وتنمو إذا مضى الإعلام في الطريق الصحيح، لكن إذا حاد وضل طريقه سيحدث ما لا يحمد عقباه.


من جانب آخر، تعمد وسائل الإعلام إلى تطوير أدواتها المهنية، ملتزمة بالأخلاقيات الإعلامية التي تسهم في تكوين التوجهات العامة، حيث تقوم بتدريب كوادرها الإعلامية من محررين ومنفذين ومخرجين وصحفيين ومذيعين وغير ذلك من المهن المختلفة، ويتم صقل مواهبهم وتدريبهم وفق أسس منضبطة أخلاقيا، وهو الأمر الذي يسهم في توجيه بوصلة الوسيلة الإعلامية نحو تكوين حقيقي، يضمن الوصول إلى الجمهور بكل مصداقية وبسقف عال من الحرية، وبالتالي ينعكس ذلك على ثقة الجمهور في كل ما يطرح عبر هذه الوسيلة.

من المعلوم على مستوى العالم، أن هناك الكثير من الأجندات التي تعمل وسائل الإعلام عليها، سواء أكانت حكومية أو خاصة، وبلا شك أن ذلك التوجه ينصب في مصلحة تلك الدول، حيث تعمل على رسم التوجه التنموي والسياسي خارجيا، فيما تعمل أيضا كخط دفاع أول، حاله كحال الجيوش الحربية، فيما تكمن أهميتها في الحفاظ على التوجه الوطني للدول، محافظة على استقرارها بغض النظر عما يحدث من توجيهات حكومية في بعض الأحيان تكون عكس الواقع المعاش.
بعض الحكومات أحيانا ما تفرض سياسات معينة تتحكم في الخطوط العريضة لوسائل الإعلام، هذه السياسات تحول دون نقل المشهد الحقيقي لعموم الناس، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى كوارث ومشاكل اجتماعية، فتصب هذه الوسائل الزيت على النار المشتعلة في المجتمعات، وذلك عندما تكون وسائل الإعلام لا تنظر إلى الواقع، وتكون بمثابة لعبة في يد بعض الأشخاص الذين يديرون الإعلام من خلف الستار، ما يؤدي إلى السقوط في وحل حقيقي من عدم المصداقية، وهو الأمر الذي يثير حفيظة الناس، مؤديا إلى زعزعات حقيقية، وهنا يمكن القول أنه ابتعاد عن أخلاقيات الإعلام.


إن العلاقة ما بين قوانين الإعلام وأخلاقيات الإعلام علاقة مهمة جدا ولابد من وجودها، حيث أن هذه العلاقة تتفق معا إلى دفع الضرر وإلى إرشاد العاملين في المهن الإعلامية إلى ما ينبغي فعله وما ينبغي تركه.
بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود القوانين والتشريعات الإعلامية تشجع وتلزم بوجود أخلاقيات في المهن الإعلامية، حيث أن هذه القوانين تبين ضوابط النشاط الإعلامي والمسؤولية الناجمة عن خرق هذه الضوابط، ونلاحظ أن هناك العديد من القوانين التي ظهرت من أجل ضبط العمل الإعلامي، وشجعت أيضا على وجود أخلاقيات في المهن الإعلامية، وهذه الأخلاقيات تعد قسما فرعيا من الأخلاقيات التطبيقية التي تتعلق بالمبادئ والمعايير الأخلاقية الخاصة بالإعلام، وهذه الأخلاقيات تجعل مهنة الإعلام في مكانة مرموقة، حيث أن هذه الأخلاقيات تأتي أهميتها في أن العامل في المهن الإعلامية يلتزم بمسؤوليته ورسالته أمام المجتمع دون أن ينحاز لطرف ضد طرف آخر، أو أن يغيّب الحقيقة عن الرأي العام، وأن يعمل الإعلامي في إطار القانون وأخلاقيات المهنة للوصول إلى الحقيقة وتقديمها لأفراد المجتمع.


وبما أن أخلاقيات المهن الإعلامية تؤدي إلى رفع مستوى المهنة إلى مكانة عالية ومرموقة، وتقوم بدور مهم وفعال بالمجتمع، فكان لابد من فرض قوانين إعلامية يجب على الإعلاميين الالتزام بها، فعلى سبيل المثال ظهرت قوانين تسمى بقوانين التحريض، وهذه القوانين لها دور مهم في التزام العاملين في المهن الإعلامية بأخلاقيات مهنتهم، حيث أن هذه القوانين جرمت نشر الشائعات، فمثلا إذا قام الصحفي بتحريض الناس على شخص ما سواء في السلطة أو أي جهة من الجهات في مقالاته فإنه يستوجب العقاب.


إن عدم التقيد بأخلاقيات الإعلام في بعض الدول أدى إلى تأخرها كثيرا عن الركب، فالإعلام مهم جدا في تنمية الدول، ونقل المشهد الحضاري يسهم في التقدم، ولا ضير أبدا في نقل بعض الإخفاقات التي قد تحدث من قبل أفراد يكونون في أعلى سلم الهرم الوظيفي، أو إخفاق المؤسسات، بهدف المساهمة في التنمية وتصحيح المسارات، فالرقابة الإعلامية تساهم وتعزز عملية التطور وتحتم على الجميع العمل من أجل المصلحة العليا، والابتعاد عن المصالح الشخصية، والانتقاد البناء يفرض عمليات الإصلاح بما ينعكس إيجابا على أفراد المجتمع.

لذا، على وسائل الإعلام جعل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ناقلة المشهد الحضاري للدول، راسمة كل جميل في الأوطان، وتغيب كل ما من شأنه الإضرار بالدولة، ولكن لا يعني ذلك عدم طرح القضايا المتعلقة بالمجتمعات، فمساهمة الإعلام لابد أن تكون جلية وواضحة، تنقل الحقيقة لتساعد الحكومات في تصحيح المسارات التي من شأنها أن تنعكس على الأفراد، وهو الأمر الذي يضمن عيشهم بكرامة في وطنهم، بل في كثير من الأحيان عندما تنقل همومهم عبر منابر الإعلام وخاصة الحكومية يشعرون بانتماء حقيقي، ويشعرون أن الحكومة تسمعهم وإن لم تستطع حل تلك المعضلة.


الإعلام في السلطنة متزن ويتكئ على قوانين وأخلاقيات استمدت من النظام الأساسي للدولة، الذي ينص في مادته رقم 29 على أن “حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون”، وفي المادة 31 تذكر أن حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون ويحظر ما يؤدي إلى الفتنة أو يمس أمن الدولة أو يسئ إلى كرامة الإنسان وحقوقه”.


من جانب آخر، هناك مسائل يحظر نشرها وهي من ارتكب علانية أو طعنا جرما في حق السلطان وسلطته أو عاب في ذاته، وكذلك كل من سلم أو أفشى على أي وجه وبأي وسيلة، إلى أي دولة أو جهة أجنبية سرا من أسرار الدفاع عن البلاد، كما يمنع النشر ضد رؤساء الدول الأجنبية أو ممثليها المعتمدين لدى الدولة أو ضد أعلامها.


كذلك يمنع القانون نشر كل ما ينال من هيبة الدولة أو إضعافها أو إضعاف مكانتها، ويعاقب أيضا من نشر عن جرائم لم ترتكب، كما يعاقب كل من نشر أو عرض أشياء مخلة بالآداب، ويعاقب كل من نشر أخبارا أو صورا أو تعليقات تسيء إلى الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد ولو كانت صحيحة.


كل ما ورد يأتي في صلب القوانين التي تتعلق بأخلاقيات مهنة الإعلام السامية، بل إن القارئ والمتفحص يدرك تماما أن توجهات السلطنة في هذه القوانين تأتي حفاظا على كل من يعيش على أرض السلطنة المواطن والوافد حيث لا فرق بينهم، وأيضا ما ورد من قوانين مغلظة تحفظ مكانة وهيبة الدولة في المقام الأول، حتى لا تتحول الصحافة في نهاية المطاف إلى أن تكون “صحافة صفراء” تنشر الغث الذي لا طائل منه سوى تحقيق مآرب غير سوية.

قانون النشر والمطبوعات يعطي سقفا مرتفعا من حرية التعبير، وإن كان قديما نوعا ما، حيث صدر في ثمانينيات القرن الماضي، لكن في ذات الوقت هناك مناشدات على المستوى العام من الجمهور والصحفيين بتغيير القانون، لكي يعطي حرية أكبر في التعاطي مع المواضيع، إلا أن جهات الاختصاص ترى أن القانون كاف في الوقت الراهن، وسقف التعاطي مرتفع ولا يقيد الصحفيين أبدا في استقصاء مختلف المواضيع.


ومع ذلك، يرى بعض الصحفيين والجمهور أن الصحفيين أنفسهم يقيدون ذاتهم في طرح المواضيع التي تلامس المجتمع، وهم بأنفسهم من يضعون أدوات رقابية كالسيف على رقابهم، ويتوهمون بشكل مبالغ ويتحسسون أن هناك مقصًا على أعناقهم من قبل الجهات المختصة كوزارة الإعلام أو حتى المؤسسات الأمنية، فيما تؤكد هذه الجهات أن الحرية مفتوحة إلى السماء، ولكن تؤطرها أخلاقيات الإعلام المتعارف عليها وأيضا القوانين التي تحفظ الصحفيين والإعلاميين بشكل عام.
وهناك إشارة في قانون النشر والمطبوعات أن ما يطرح لابد أن يستند على وثائق ومستندات أيا كان نوعها لتؤكد ما طرح من قضية معينة مثل الاختلاسات والسرقات أو غير ذلك، ولكن أن يتم طرح موضوع معين عبارة عن افتراض دون وجود مستند فالقانون يجرم ذلك، وهو الأمر الذي يعمل به في كل العالم وليس السلطنة فحسب، فالحرية متوفرة في حدود القانون.


كما أن قانون النشر والمطبوعات لم يحال من مجلس الوزراء إلى مجلس عمان بشقيه الدولة والشورى، ليتم دراسته ويعدل عليه بحسب ما يراه أعضاء المجلسين، لكن في ذات الوقت هناك مقترحات كثيرة على مدار السنوات الماضية تنادي بأهمية تطور المحتوى الإعلامي أيا كان نوعه سواء كان مرئيا أو مقروءا أو مسموعا أو مواقع التواصل الاجتماعي.
إن أعضاء مجلس الشورى وبالتحديد لجنة الإعلام والثقافة قد رفعوا مقترحات لتطوير المحتوى الإعلامي في قنوات تلفزيون سلطنة عمان، كما أن هناك مقترحا يتحدث عن أهمية إنشاء قناة للأطفال.

المتتبع للإعلام العماني يرى أن هناك التزاما كبيرا بأخلاقيات المهنة، ولا يحيد العاملون عن ذلك إلا في أضيق الحدود، حتى عند طرح القضايا المجتمعية يلاحظ ذلك، وهذا الأمر هو نتاج وعي كبير لدى المؤسسات الإعلامية التي تربت على الالتزام بالقانون الذي يحمي جميع الأطراف، فالحرية متوفرة عند الطرح ولكن لا يعني ذلك الابتعاد عن الأخلاقيات التي هي أساس كل المهن على حد سواء.

من جهة أخرى، هناك محاولات اختراق تظهر بين الفترة والأخرى لمحاولة الظهور الإعلامي عبر مختلف الوسائل لأشخاص يعملون في المهنة، حيث يتم طرح قضايا معينة بدون التزام بأخلاقيات العمل، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تؤدي إلى أروقة المحاكم، وخاصة إذا كان هناك تطاول حقيقي على المؤسسات أو الأفراد دون مستندات تدينهم، حينها يحق لهم مقاضاة المؤسسة الإعلامية.


الصحافة في السلطنة لم تبتعد عن مسارها لتكون صفراء، وإن بدت بعض المشاكسات الصحفية الحميدة التي لا يمكن تسميتها بذلك، وإنما يتم تدوير العناوين لتكون لافتة، وفي كثير من الأحيان تظهر أن المحتوى عبارة عن استطلاع لموضوع معين كقضية الباحثين عن عمل، أو فيما يتعلق برفع الدعم عن الكهرباء والمياه أو غيرها من المواضيع العامة المتداولة محليا، فالسلطنة بطبيعة الحال توجد فيها قضايا ولكن ليس بالشكل الكبير الذي قد يؤدي إلى مشاكل مجتمعية كبيرة.
على أي حال منذ فترة سابقة ما بين عام 2013 إلى 2015، تداولت وسائل الإعلام قضايا النفط والغاز التي دارت رحاها في المحاكم العمانية، وهي قضايا شغلت الرأي العام بشكل كبير كون الاختلاسات والرشاوى كانت كبيرة ووصلت لملايين الريالات، حيث طرح ما يدور في المحاكم في الصحف والتليفزيون والإذاعات مع الالتزام التام بالمهنية، حيث برزت بشكل واضح وجلي علاقة القوانين الإعلامية بأخلاقيات مهنة الإعلام، ومن هنا يمكن التأكد أن السلطنة تتعامل بواقعية تامة مع الطرح في إطار منظم.

وتجدر الإشارة إلى ما تقوم به جمعية الصحفيين العمانية من دور بارز في تمرير أخلاقيات الإعلام للصحفيين عبر حلقات العمل المختلفة، لتؤكد على القوانين الإعلامية وأهمية الالتزام بها من قبل الجهات الإعلامية، فيما تلتقي بشكل مستمر مع رؤساء التحرير ومسؤولي هذه الجهات لمعرفة التحديات التي يواجهها الصحفيون، ومدى السقف في حرية النشر وطرح مختلف المواضيع.


ولكن دائما ما يؤكد الصحفيون أن هناك فجوة بين الجمعية والممتهنين للعمل، في ظل وجود أعضاء ليس لهم علاقة بالإعلام، ولا يدركون القوانين الإعلامية المعمول بها وليس لهم صلة بالقطاع.

وفي سياق متصل، فإن جمعية الصحفيين العمانية لم يكن حضورها لافتا في عدد من المشاكل التي يعاني منها العاملون في القطاع، وإن ساهمت فإن مساهمتها كانت على خجل، فعلى سبيل المثال كان التمثيل من قبل الجمعية في قضية الصحفيين المسرحين من عدد من المؤسسات متواضعا، وهو الأمر الذي كان محل استياء، حيث لم تفعل الجمعية الأدوات والصلاحيات التي تضمن حقوق هؤلاء.


وبخصوص موضوع إغلاق صحيفة الزمن، التزمت الجمعية ببيان يراه الكثير أنه لم يكن منصفا، ولم يحقق العدالة وإن كانت هناك أخطاء ارتكبها الصحفيون المدانون، والذين تمت تبرئة بعضهم في وقت لاحق، فمن هنا الالتزام الأخلاقي يستوجب الحضور دائما، حتى يشعر العاملون أنهم في استقرار مهني يعزز عملهم بصورة قد تغير الكثير من المجريات.


السلطة الرابعة عندما تتقيد بأخلاقيات الإعلام عبر أطر قانونية، ستعمل كأداة ضغط حقيقية على الجهات الحكومية والخاصة لأداء العمل الذي ينعكس على الوطن تنمويا، وسيسرع وتيرة التطور في مختلف مناحي الحياة اجتماعيًا واقتصاديا، كون هذه السلطة إن فُعِّلت بالطريقة الصحيحة ستتغير معها الكثير من المجريات.

السلطنة منذ عام 1970 اعتمدت بشكل كبير على وسائل الإعلام، الأمر الذي حقق نجاحات حقيقية وخاصة في الشأن التنموي، وعمل وفق أسس تنظر إلى المصلحة العليا للوطن، فسُخرت لأجل المواطن ونقلت ما يدور من تطور متسارع، وإن كانت هناك بعض المطالبات لتفعيل دورها بشكل أكبر والابتعاد عن الرقابة الوهمية المبالغ فيها، فالقوانين واضحة تؤطرها أخلاقيات إعلامية.

*الصورة من محرك البحث العالمي (جوجل)