محمد بن عيسى البلوشي يكتب: حرية الصحافة في عُمان.. الواقع والتحديات


 
محمد بن عيسى البلوشي

يأتي إحتفال العالم بحرية الصحافة والذي يصادف الثالث من مايو، في هذا العام وجائحة كورونا التي تجتاح دول العالم أجمع تلقي بظلالها وتداعياتها على مختلف مناحي الحياة الصحية والإجتماعية والإقتصادية، وتمنع حكومات العالم من أهم مطلب وهو “الحرية” التي تحتاجها للعودة إلى حياتها الطبيعية وممارستها التنموية والإقتصادية والإجتماعية، وهذا ما يأخذنا إلى حقيقة كونية وهي أن مفهوم ومساحة “الحرية” تكفلها الظروف العامة التي يعيشها البشر في أماكن العالم.

وبالعودة إلى شعار اليوم العالمي لحرية الصحافة لعام 2021، فنجد أن “المعلومات كمنفعة عامة” هي رأس أولوياتها، وكما قرأت في موقع اليونيسكو فهي “بمثابة دعوة لتأكيد أهمية الاعتزاز بالمعلومات باعتبارها منفعة عامّة، واستكشاف ما يمكننا القيام به عند إنتاج المحتوى وتوزيعه وتلقّيه من أجل تعزيز الصحافة والارتقاء بالشفافية والقدرات التمكينية، مع العمل على عدم تخلف أحد عن الركب”، وهي مسائل تبحث الجهات تحقيقها من خلال “الخطوات الكفيلة بضمان استمرارية وسائل الإعلام من الناحية الاقتصادية، والآليات الكفيلة بضمان شفافية شركات الاتصالات المقدمة لخدمة الانترنت، إلى جانب تعزیز قدرات الدرایة الإعلامیة والمعلوماتیة التي تمكّن الناس من الإقرار بالصحافة وتثمينها والدفاع عنھا والمطالبة بھا كجزء حيويّ من المعلومات كمنفعة عامة”.

في سلطنة عمان وكمثال توضيحي، فإن الحكومة العمانية تعاملت مع جائحة كورونا التي بدأت تظهر في مارس 2020، بدرجة عالية من الشفافية من خلال توفير المعلومات أولا بأول، وبشكل مستمر ودقيق عبر مختلف القنوات والمنصات المحلية والعالمية، بل أخذت المؤسسات الرسمية من خلال اللجنة العليا التي شكلت لإدارة هذه الحالة بتنظيم مؤتمر صحفي إسبوعي تقوم من خلاله بتوفير البيانات اللازمة عن تطورات الجائحة وأيضا توضيح جميع الإستفسارات الواردة في المجال الصحي والإجتماعي والإقتصادي وغيرها من التداعيات التي أثرت على مناحي الحياة العامة، وذلك تحقيقا لمبدأ حق الحصول على المعلومات.

وكشفت الجائحة أحد جوانب الضعف الاقتصادي لدى بعض المؤسسات الصحفية، ليس في عمان فحسب، بل على مستوى الشركات والمؤسسات الصحفية العالمية من خلال تراجع إيراداتها لأسباب تجارية وتسويقية تتعلق بتراجع مبيعاتها الورقية وأيضا تراجع السوق الإعلاني الذي يعد أحد الركائز الأساسية للدخل التجاري والمغذي الإقتصادي، صاحبه دخول المنافس “المرن” وهي الحسابات الاخبارية عبر مواقع التواصل الإجتماعي، على الخط الإخباري والمعلوماتي والذي شكل نسبة عالية من المتابعة لدى الجمهور العام -خصوصا مع توقف طباعة الصحف الورقية العام الماضي- نظرا لما تتمتع به من خصائص تتمثل في سرعة نقل المعلومات وبأشكال وطرق متعددة وسهولة الوصول إليها ومتابعتها وإسترجاعها والتكلفة القليلة، وهذا ما حدا بعض المؤسسات الصحفية عموما إلى أن تعيد النظر حول طرق إنتشارها من خلال إدخال أدوات جديدة مثل الإذعات الرقمية والمتلفزة والصحف الإلكترونية،وإعادة تقديم الأخبار بطرق مشوقة ومبتكرة وجذابة. 

لم تغفر تلك الخطوات السريعة والتحسينات المدخلة على وسائل الإعلام لرفع أعداد المتابعين والمهتمين، فهناك جيل من حملة الهاتف المتنقل الذكي يحصل على الأخبار والمعلومات عبر الحسابات والصحف الإلكترونية ومواقع الإنترنت التي يلج إليها عبر هاتفه الخاص، ومع ذلك قامت وزارة الإعلام بخطوة إيجابية بشأن ضرورة تسجيل الصحف الإلكترونية والحسابات الإخبارية ومنحها ترخيصا لممارسة النشاط الإعلامي بهدف ضمان مهنية أدائها وفق قوانين المطبوعات والنشر إلى حين صدور قانون خاص بالإعلام الإلكتروني الذي نأمل ظهوره في القريب العاجل.

إن مسألة “تعزیز قدرات الدرایة الإعلامیة والمعلوماتیة التي تمكّن الناس من الإقرار بالصحافة وتثمينها والدفاع عنھا والمطالبة بھا كجزء حيويّ من المعلومات كمنفعة عامة” قد يتطلب معها جهود وممارسة عالمية يقودها اليونيسكو مع الإتحاد الدولي للصحفيين، وهذا الأمر يحتم إيجاد حلول عامة لجميع الدول تضمن إعادة دور ومكانة الصحافة الى القيادة ليكون المكان الأول للحصول على المعلومة، وهذا ما يجعلنا أن نؤكد على أهمية قيادة اليونسكو لهذا الملف.

إن بلادي ملتزمة عبر قنواتها الاعلامية الرسمية وجمعياتها الأهلية المتخصصة بشأن تطوير دور الصحافة وتمكينه، وتعمل جمعية الصحفيين العمانية وفق ما يتاح لها من إمكانيات وموارد على توعية العاملين في القطاع الصحفي خاصة والإعلامي عموما بأهمية حرية الصحافة المسؤولة، وتطوير مدارك الاجيال الاعلامية الجديدة وتسهيل أدوارهم، ولدينا مساحة جيدة من الحرية المسؤولة نمارسها بكل مهنية في القضايا التي تخص إهتمام العموم دون إفراط أو تفريط برسالتنا الإعلامية المجتمعية والوطنية، وهذا يدفعنا إلى قول أن لدينا كمية وافرة من البيانات التي يتم التعامل معها حسب التوقيت والحالة المناسبة.

وأود التنوية أيضا إلى أن بلادنا منفتحة على المعلومات بمختلف مصادرها المحلية وتلك العابرة بين القارات من خلال السماح لجميع المواطنين والمقيمين الحصول على الصحف والمجلات والدوريات المختلفة التي تصدر محليا أو دوليا عبر خدمات الإنترنت المتاحة، وفي نفس الوقت هناك وعي نرجو أن يستمر ويتطور دوما بأهمية تنقيح تلك البيانات والمعلومات، وتحقيق الإستفادة من النافع منها.

أعتقد أن إحتفالنا هذا العام بحرية الصحافة يأتي إستثنائيا في ظل التطورات والتغيرات التي شهدتها الساحة الصحفية العالمية جراء كوفيد19، والتي تعد مرجعا لليونسيكو تساعدها على فهم إحتياج شعوب العالم للمعلومة ومدى تدفقها عبر مختلف القنوات الحديثة والكلاسيكية، ولكن الأهم هو دقه تلك المعلومات لتصبح صالحة للنشر ونافعة لعموم البشر.