الكاتب الجزائري مراد غريبي يكتب: سلطنة عُمان عاصمة الإنسان

مراد غريبي


سلطنة عمان تستحق الزيارة مع العرفان، دولة عربية إسلامية  تزهو بجمال تنوعها الأصيل ، كل التفاصيل مثيرة كأنها تستقطب روعتها من طبيعتها المتنوعة ، تمتد من أقصى الشرق إلى أدنى الغرب بثقافتها التي تسحر الزوار في كل بقعة منها بصورتها الحضارية الإنسانية المشرقة كالشمس الدافئة مع كل صباح على جغرافيا العرب والعجم، تبعث في الآفاق البعيدة دفء المحبة و الكلمة الطيبة و التسامح و التعايش و إصلاح ذات البين و التطلع للغد الأمثل بالقيم الصادقة و الأعمال الصالحة و الآثار الطيبة..

خلال رحلة جوية سنة 2011 نحو دوحة الخليج، صاحبني بالجنب مهندس في البتروليات قبلته مسقط المحبة، تبادلنا أطراف الحديث عن السلطنة ، فكانت كلماته تنساب بكل طلاقة و دون تكلف و لا مجاملة، ببساطة عرفان أصيل لهذه الدرة الخليجية الثمينة، وعلى طول حديثه تركيز على الأدب العماني أدب الثقافة و أدب العشرة و أدب الضيافة ، قاطعته مبتسما: لعل كلامك هذا يوحي لي بأن عمان و اليمن توأمان!!، فاستطرد قائلا: أكيد، ليعود و يسرد لي بعض اكتشافاته للثقافة الشعبية العمانية المميزة و النابضة بالعطاء و المحبة و الأصالة العربية الإسلامية، خلال 3 سنوات من العمل بسلطنة عمان، ادرك صاحبي ما لم يتعلمه خلال سنين و استلهم معنى الثقافة الحية و آثارها في الشعوب المنفتحة على آفاق الإنسان و التاريخ و المستقبل بلا حرج و لا قلق، اكتشف التنوع الحاضن للوحدة و التميز المثير للمحبة و التاريخ المتصالح مع الحاضر و المستقبل، لقد استوعب شيفرة معادلة الدولة الرشيدة قيادة و شعبا، لينتهي بعبارة تختصر المسافات و المقالات: عمان درس عربي إسلامي في ثقافة العيش المشترك؟!


انها عمان عاصمة الإنسان، ناصعة البياض كمسقط البيضاء و الرستاق الفيحاء، تستمد رونقها من تاريخ مفعم بالحضارة و الحكمة و السمو و التألق ثقافة ومسيرة وابداع، إنها لمسة من لمسات الرشد العربي، موغلة في القدم لما قبل التاريخ الإسلامي مرورا بالزمن اليعربي وصولا للعهد البوسعيدي الحديث و المعاصر، زمن الدولة العمانية الفريدة بين دول العرب كلها من عدة أوجه أخصها الوجه القيمي البديع و الذي اذهل القاصي والداني بحيويته و تكامله بين أطياف الشعب العماني كلها ، كما عبر جيمس سيلك بكنغهام عن اعجابه بقيم التسامح لدى العمانيين، عند زيارته لعمان 1816م .. و شهادات الرحالة الانجليزي  افنجتون : هؤلاء العرب مهذبون جدا في تصرفاتهم، وفي غاية اللطف مع كل الغرباء، فلا أذى ولا إهانة يمكن أن تصدر منهم لأي أحد، ومع أنهم معجبون بدينهم ومتمسكون بمبادئهم فإنهم لا يفرضونها على أحد”، و لعل سر هذا التميز العربي و الوجاهة القيمية و الرجاحة السلوكية للإنسان العماني، أنها امتداد لتجارب و ثقافات و انصهار تاريخي لكل الصعاب والمشاق و المحن بحكمة حضارية تتراوح بين حضارة مأرب و إشراقة الاسلام المحمدي، لأن الخصوصية الثقافية و التألق الحضاري عندها يتبلور في شكل اجتماعي و انسيابي عفوي يعني أن هناك فلسفة حياة خاصة ترسم معالم الوعي الوجودي لدى أهل حاضرة عمان بكل جغرافيتها كما للبحر سحره ولصناعة السفن  و الصيد و خياطة شبك الصيد، ناهيك عن ازدهار التجارة عامة وتجارة الذهب والفضة خاصة لدى العمانيين عبر التاريخ، كان لها أثرها العميق في التكوين الثقافي و الاجتماعي لأهلنا بسلطنة عمان، مما صقل شخصيتهم الاجتماعية بالرزانة و اللين و اللطف و التسامح و الانفتاح، و هذا ما يميز أهل حواضر البحر كما ذكر ابن خلدون في تاريخه، حيث تجذب الزائر بسلطنة عمان مثل شواطئ صحار وصور ومسقط وصلالة ومطرح.


بينما الفارقة في الظاهرة العمانية تتركز في كونها الأمة التحفة، لا تكاد منطقة من مناطق عمان لا تتزين بمتحف أو معلم تاريخي أثري قديم أو حديث منذ ما قبل الإسلام وصولا لفترة التواجدين البرتغالي او البريطاني..

 لازالت عمان بقلعتها العلم وبعد 50 عامًا على انطلاقة النهضة و التي تتزامن مع  رحيل السلطان قابوس -طيب الله ثراه- رائد التحديث في عمان الحديثة و المعاصرة عهد النهضة المباركة في عام 1970 ، حيث أكد السلطان الراحل رحمه الله طيلة توليه عرش السلطنة  على التنمية البشرية و الرقي بالإنسان العُماني مع رفده بكل ما يحتاج في شتى المجالات الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية و لازالت الدولة العمانية عبر حكومتها تحرص على ضمان حصول المواطن العُماني على كافة حقوقه المستوحاة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف و النظام الأساسي للدولة الذي جاء مؤكداً و مرسخاً لحقوق الإنسان في السلطنة، واستكمالا لمسيرة المجدد السلطان قابوس، أكد صاحب السمو السلطان هيثم بن طارق-سدده الله-  على مواصلة نهج النهضة و تفعيل رؤية 2040 بكل جد و اجتهاد، و احتفاءا بذكرى النهضة مع أشقائنا بسلطنة التسامح و الوحدة و السلام و الحكمة، أيقونة الاصالة العربية والوحدة الاسلامية عمان، هناك العديد من النقاط يجب الإشارة إليها لنستلهم الدرس العماني المتجدد و الخلاق للوعي و النزاهة و الأمانة التاريخية في الضمير العربي والوعي الإسلامي:


1.    منذ عدة عقود  تصنف عمان إحدى البلدان الأكثر سلمية في العالم وفقاً لمؤشر السلام العالمي، و هذا يؤشر لثقافة التسامح الحاضرة في يوميات الناس.

2.     عُمان البلد العربي المجسد لروح التعايش الإسلامي في تفاصيل العلاقات بين التنوعات المذهبية الإسلامية فيه،على الرغم من أنها مركز المذهب الاباضي في العالم الاسلامي و يعتبر المذهب الأساسي في الحكم ، لكن كل المذاهب الاسلامية الاخرى تتمتع بحقوقها و متجانسة مع بعضها البعض بلا أي خلاف، بل التعارف بينها و التعايش يجعلك تستحي من ان تسأل عمانيا عن مذهبه .


3.    عمان بالثقة الحاضرة و المتجذرة عبر تاريخها القديم و الحديث و المعاصر ، بين الحاكم و الشعب، جعلته بلد الحريات و السلام و الطمأنينة، على ربوع أرض عمان تلتقي بكل الثقافات العالمية ليس سياحة فقط بل في كل نشاطات الثقافة و الاعلام و الدبلوماسية و التجارة و الاقتصاد و الفن و الصناعة و العلوم المتعددة التي ينهل منها العماني كل يوم و على مدار السنة.

4.    قد يتساءل القارئ ما خصوصية عمان دون غيرها، ببساطة فلسفة حياة تجسدت لدى الحاكم و شعبه فأفرزت ثقافة حضارية انعكس بريقها في أخلاق الناس و حكمة القادة و تواضع إنساني و نباهة تاريخية و تطلع أصيل، إنها الريادة في مضمار القيم الإنسانية المشتركة المولدة لروح الإحسان في كل تفاصيل الحياة.


5.    مهما تحدثنا عن أيقونة السلام و التسامح في العالم العربي، لا نؤدي حقها لأنها بحاجة للزيارة و التعارف معها و اكتشاف ثقافتها العميقة و استلهام من تاريخها المتجدد، و هنا أستحضر شهادة من صديق كثير السفر و السياحة بحكم عمله في مجال السياحة، حيث ذكر لي ذات يوم، عندما أتينا على ذكر سلطنة عمان: قال دخلت كل قنصليات البلدان عندنا لكنني لم أجد ترحابا و احتراما و ضيافة و آداب استقبال في قنصليات أعرق دول التمدن و التحضر بالعالم مثلما وجدتها في سفارة السلطنة عندنا، حينها عرفت أن الإنسانية و اللباقة  لدى العمانيين أصيلة..

6.    رؤية 2040 العمانية أفق استراتيجي للتنمية بكل أبعادها، رغم كل التحديات و العراقيل التي لا تريد لعمان الريادة لكن من يعرف قيادة و شعب عمان يجزم أن النجاح حليف المخلصين لوطنهم و أمتهم و تاريخهم و روادهم و إنسانهم، مهما كانت المؤشرات الاقتصادية الراهنة إلا  أن العزم السلطاني و العزيمة الوطنية لدى العمانيين توحي بأن مستقبل عمان مشرق بفضل الله و توفيقه..


7.    منذ عقدين من الزمن عرفت عمانيين كثر من أعرق العائلات و من جميع المذاهب، المدهش أن الثقافة واحدة كأنهم صورة واحدة يتقاسمها عدة أشخاص، الحمد لله جميعهم زين لعمان الوطن و العروبة و الإسلام ككل، إنها الحقيقة و لا ريب أن العديد من الاخوة العرب و المسلمين و غيرهم قد التمس ذلك، و بدون مبالغة أو تحيز، أكيد هناك استثناء لكنه لايكاد يذكر عندما يغلب الخير و الصلاح و الإحسان في قوم أو شعب ما..

8.    عمان معامل خليجي استراتيجي و معادلة عربية إسلامية خلاقة، لابد أن تكون جامعة قيم الاجتماع الرشيد، ليعم السلام و التسامح و التعايش و التقدم آفاق الخليج و العالمين العربي و الاسلامي.. إنها “تجربة عمان”.


9.     عودا لبدء،عمان عاصمة التسامح العربي الاسلامي، كانت و لاتزال و ستظل تعمل من أجل الحريات المرتبطة بوجودها العربي و الاسلامي و الإنساني الحضاري، من حرية الصحافة إلى حرية المعتقد الديني، و من أجل التضامن و التسامح و التعاون بين العرب و المسلمين..

10.   أعظم إنجاز يستوحى من العيد الوطني الخمسون أن ميثاق القيادة و الشعب في عمان كرس ثقافة مشتركة للسلام، لأن الاستقلال الحقيقي أن تطرد الشر من نفسك حتى لا يجد له فضاءا في وطنك، ولهذا تسقط كل الفتن و المؤامرات و الرهانات الخبيثة على أعتاب قلاع عمان المجيدة..

كل عام و أنتم بألف ألف نجاح و سلام.. يا أهل التسامح و الوئام..

*الصورة من محرك البحث العالمي (جوجل)