أحمد الحضرمي
هَكَذا صَرْفُ اللَّيالِي حُكْــــمُها
تَتْرُكُ المَوْجُـودَ مِنْها مُفْتَــقَدْ
وَأَمُونِ السَّيْرِ أَضحى مَرْكـبِي
في المَسِيرِ المَتْنُ مِنها وَالكَتَدْ*
١١ يناير ٢٠٢٠م، فجرٌ جديد على عّمان وأهلها، طلّ ليُودعنا بعد خمسين عاماً من بشرى الفجر الجديد الأوّل، ولم تَزل دمعة تترى، وقرآنًا يُتلى، وشَعبًا يلتحِم، والعيون والقلوب والأرواح كلها عانقت جثمانًا طاهرًا تعلوه راية الوطن الذي سيٌخلد اسمه، والشعب بايَع سلطانًا كريمًا، وقد أحاط بهم رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله به، والأيادي تلتفُّ في مشهد جنائزي مَهيب، وأخرى تُصافح موكب بيعةٍ أريب، والرحمات والبركات امتدّت خشوعًا للأرض التي ضَمّت أعز الرجال وأنقاهم، وفي المحراب صلوات أدعية ومحبة لأعز الرجال وأوفاهم.
عامٌ طوينا على ارتقاءيْن عظيميْن في تأريخ عُمان المجيدة؛ فإلى بارئها ارتقت روح قابوس، أعظَم وأحكَم مَن على ظهر الأرض إلى حيث روضات الجنان، وفي الأرض كان ارتقاء مقام مولانا جلالة السلطان الوفيّ هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه عرش الحُكم في عُمان، وفي الارتقاءَيْن سجّل العمانيون كعادتهم أبهى المعاني لملحمة الوفاء لهذه الأرض الطيبة والولاء لترابها الطاهر، ارتقى قابوس لربه، فارتقى هيثم بفضل ربه، وعُمان، راسخة الأركان، شعبٌ قوي، وفي المنشط والمَكره أمرها رُشد وصلاح، وحين تضطرب الأمور فإن الفرص تتمحور في تمحيص الأفكار والأشخاص والنُّظم، وفي عُمان رأينا كيف تَسامى ذلك؛ ليس في صباح ذلك اليوم ولكن على مَرِّ التأريخ، وأثبت المواطن الوعي والإدراك الذي يتمتع به، واختُبرت المسؤولية الرؤى، “وأمّا ما يَنفع الناس فيَمكث في الأرض”، لأنها إرادة الله وسُننه الكونية وتتأصّل بعبادٍ شاكرين.
وفي الارتقاءَيْن وذكراهما ما حَمل الألم وفي طياته كل الأمل، وفي عُمق المِحن ما حوى المِنح الجُلّى، وكُلها تشدنا أنْ نستعين بها في التعايش معها وأن نتمسّك بعُروة الثوابت والرموز باعتبارها الجوامع الوُثقى التي يَلتف عليها الوطن، وتصون وِحدته، وتتواءم عليه أطيافه وغاياته، إنها الملاذ الذي نتشبث به عند الشدائد، وهذا هو الذي يحمينا نحن العمانيين؛ فعلى مر التأريخ نُولج المَكره لنتجاوزه بمَنشَطٍ قوامه الوعي والإخلاص والتمسّك بالقيم، والماضي والحاضر لتَكُون المُعِينات للإجابة عن السؤال الكبير “عُمان” أمام الله والوطن والتأريخ.
هكذا تَرَكها لنا الراحل يوم ارتقاءه، وتوسّم لنا هيثم سلطانًا معظمًا ارتقى عَرش قلوب العمانيين ليَمسح عنها الحزن والألم، وسَرَت هيبته في سيماء الوجه، وبياض اللحى، وصوت الأرض المُلهم، فـَ”الكلمات لتَعجَز، والعبارات لتَقصُر عن أن تؤبن سلطانًا عظيمًا مثله، وأنْ تَسرد مناقبه وتُعدد إنجازاته. إن عزاءنا الوحيد وخير ما نُخلّد به إنجازاته هو السير على نهجه القويم والتَّأسِّي بخطاه النيرة”، وتلك كلمات المؤمِن المُستمسِك بعُروة وطنه، فمن حوى تأريخ هذا الوطن العظيم، ونَهل من ثقافته وفِكره، وكانت له الرؤية المُستقبلية لعشرين سنة قادمة حتمًا تتسرب عُمان في وجدانه، ويُترجمها أرضَ وسماءَ الواقع تفانيًا وعَملًا، ومِن خلْفه أبناء عُمان الأوفياء على الطاعة في العُسر واليُسر، والمَنشط والمَكره.
كي يذهب الزبد جفاءً ويمكث ما ينفع الناس بعد الاختبار الوطني الناجح بمراتب الشرف والعَظمة والمجد فإنه حريٌ بِنا أن نستخلص الدروس، أن نتجاوز صعوبات المرحلة، أنْ نتعهد الأرض ليستمِر فيها داعي الخير ومنطق الحكمة وصوت العقل المعهود، أنْ نُمسكُ كما سبقنا الأوّلون بناصيتها ولاءً وتضحية، أنْ نحافظ على طُهر تربتها ونظل نُلقي فيها بذورًا لتُنبِت حدائق ذات بهجة، ومن كل زوجٍ بهيج، أن نملأ إحساس المسؤولية، أن نمسح كعادتنا بلغة الحوار والاعتزاز بما تحقق على النفوس، ونزرع الأمل، أن نكون مع الوطن في المنشط والمكَرَه لأننا عمانيون حيث نَكون، والنشيد فارتقي هام السماء، واملإي الكون الضياء.
غَفر الله لك يا سلطان القلوب، وعلى قبرك حمَامٌ تسجع وزهرة تَتضوّع، وسَفينٌ مُخضّبٌ بِموجِ المُقَل .. تَرُفُّ الروح وتَنسحب يا قابوس السلام من ذِكرك العاطر حُلمًا شفيفًا، وسنظل – حتى نلقاك في جنان الخُلد – على فراقك مَحزونون، ونُجدد بيعتنا الكبرى لمولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظ الله ورعاه على الطاعة في العُسر واليُسر، والمنشَط والمَكرَه، وعُمان كلها له السند المتين، والقلوب لواهج بأن يعينه الله لخير عُمان وأهلها الكرام، وبأن يهبه المولى من البطانة الصالحة ما تُعينه على ارتقاء مسيرته المتجددة نحو الأفق الذي يرجوه كل من يُحب عُمان الأم الرؤوم على أبناءها البَّرَرة.
*الأبيات للشاعر: موسى بن حسين الحسيني “الكيذاوي”
