محمد عبده الزغير يكتب: سلطنة السلام في عيدها الخمسين

محمد عبده الزغير محمد

خبير شؤون الطفولة بوزارة التنمية الاجتماعية

يحل العيد الوطني الخمسون للنهضة بسلطنة عمان، في الثامن عشر من نوفمبر 2020، وقد حققت السلطنة مستويات متقدمة في التنمية على مختلف المستويات وكذلك الرخاء للإنسان العماني. وبهذه المناسبة تستحضر عمان دور وجهود القائد الراحل جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الذي وضع أسس هذه النهضة المباركة، وقاد مسيرتها بحكمة وبُعد نظر، وجّنبها العديد من التحديات الإقليمية والدولية التي شهدتها المنطقة العربية. وتواصل اليوم السلطنة هذه الرؤية الحكيمة بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه -.


تحددت السياسية السلمية للقيادة السياسية في السلطنة، من خلال توجهات جلالة السلطان قابوس منذ النهضة المباركة في عام 1970، ومن اليوم الأول لتسلمه مقاليد السلطة عكس إيمانه العميق بمفهوم السلام وتطبيقه في السياستين الداخلية والخارجية للحكومة.


وقدمت السلطنة لأول مرة درساً سلمياً وتسامحياً في تاريخ التطور السياسي حين حلت سلمياً الخلاف المسلح الذي كان قائماً في السبعينيات، وأدمجت كل أطياف المجتمع وشاركتها في بناء نظام الدولة. فالسلام الاجتماعي الداخلي الذي تجسد لحل الخلافات بين أبناء الوطن، واستيعاب الآخر المختلف وفق قواسم وطنية، ضمنت العيش الكريم والوئام للجميع والشروع ببناء عمان الحديثة، وهو ما سعى إليه جلالته بكل جهد وثقة حتى تحقق، وإذ بعمان اليوم تجني ثمرة ذلك من أمان وإخاء واستقرار.


واستمراراً للنهج السلمي واعتماده خياراً وطنياً، جسدت الإرادة السياسية هذه التوجه في النظام الأساسي للدولة (دستور البلاد) بعددٍ من الأُسس، حيث أكد النظام الأساسي على أن السلام هدف من أهداف الدولة وركيزة أساسية في بنائها وعلاقاتها، وبهذا الصدد أوردت المادة (14) نصاً واضحاً بأن ” السلام هدف الدولة، وسلامة الوطن أمانة في عنق كل مواطن”. وبيّن النظام الأساسي أسس هذ السلام من خلال السعي لتحقيق ” توثيق عرى التعاون وتأكيد أواصر الصداقة مع جميع الدول والشعوب على اساس من الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومراعاة المواثيق والمعاهدات الدولية والاقليمية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة وبما يؤدي الى إشاعة السلام والأمن بين الدول والشعوب ” (المادة 10).

وتضمنت تلك النصوص في النظام أهم المبادئ السياسية الموجهة لسياسة الدولة الداخلية والخارجية والهادفة بوضوح الى السلام الداخلي كمسؤولية لكل مواطن، وإلى السلام مع العالم الخارجي كممارسة للحكم وحتى للمواطنين.
وعلى الصعيد الدولي عملت السلطنة منذ البداية على إقامة علاقة سلام وصداقة مع الدول الاخرى. فقد انتهجت سياسة حسن الجوار مع الجيران، وحلت المشكلات الخاصة بالحدود، كما عملت على تدعيم علاقاتها مع الدول العربية والاسلامية، وأقامت علاقات ودية مع دول العالم كافة.


وقامت سياسة عمان الخارجية على ثوابت ومبادئ أساسية معروفة تتمثل في مناصرة الحق والعدل والعمل المتواصل مع بقية دول العالم المحبة للسلام وعلى تسوية النزاعات الدولية بطرق الحوار والمفاوضات لكي يعم الأمن والاستقرار على الجميع وتنعم بخيراته كافة شعوب الأرض.

وبفضل تلك السياسات حققت عمان نهضة متكاملة في جوانب التنمية المختلفة، يترافق ويتزامن معها تقدماً ملموساً في الأمان الاجتماعي لمواطنيها والمقيمين فيها، دون تمييز. وتجلى ذلك في عديد من التقارير والمؤشرات الدولية.
وبمراجعة مؤشرات التقارير الدولية، حصلت السلطنة على المركز الخامس عربيا في مؤشر السلام العالمي لعام 2018 الذي أصدره معهد الاقتصاد والسلام بأستراليا في يونيو 2018م. وحازت السلطنة كذلك على المركز 73 عالمياً. وحصلت على 1.984 نقطة وصنفت ضمن قائمة الدول التي تتمتع بدرجة عالية من السلم.


وجاءت السلطنة في المركز الأول عربياً في مؤشر انعدام الصراع الداخلي والخارجي الفرعي. وفي المركز الرابع عربياً في مؤشر الأمن والسلم المجتمعي، حيث يقيس المؤشر حالة السلام باستخدام ثلاثة مجالات هي مستوى الأمن والسلم المجتمعي والصراع الداخلي والدولي الجاري ودرجة العسكرة. وحققت المستوى الأول عربياً في قائمة الدول الخالية من الإرهاب.

من جانب آخر حصلت السلطنة على المركز الأول عربياً في قائمة الدول الأقل تأثراً بالإرهاب وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2017 الذي أصدره معهد الاقتصاد والسلام الأسترالي الذي يتخذ من مدينة سيدني مقرا له ونشره على موقعه الالكتروني في نوفمبر 2017م. وصنفت السلطنة ضمن 30 دولة في العالم لم تشهد حوادث إرهابية في عام 2016.


والمتابع للشأن الدولي والإقليمي يلاحظ خلو السلطنة من أية أعمال إرهابية، أو انخراط أحد مواطنيها في عمليات إرهابية، الأمر الذي يدل على التنشئة السلمية للإنسان العماني، والسياسات الحكيمة المتبعة، ومدى الأمان الاجتماعي والعيش الكريم الذي يعيش فيه الإنسان في عمان، وهي ثمرة السياسات التنموية المستدامة الناجحة، وحكمة القيادة السياسية في كل المراحل.

وفي هذه المناسبة تجدر الإشارة إلى المبادرة الجديدة التي تركها السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – للعُمانيين وللعرب وللإنسانية جمعاء قبل وفاته، وهي “إعلان السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني”، وتم نشرها في مجلة “التفاهم” في يناير 2020م، وهي مبادرة تهدف خير الإنسانية ورُشدها وتقدمها. وبذلك يضيف، رحمه الله، للنهضة العمانية التي هو رائدها بُعداً جديداً خبرناه في سيرته وإنجازاته وسياسته هو هَمُّ نشر السلام والتسامح والتفاهم والمصالحة في المنطقة والعالم، كما أشار إلى ذلك الأستاذ / عبد الرحمن السالمي، رئيس تحرير مجلة التفاهم.
فقد تضمنت المبادرة عدداً من البنود، بالإضافة إلى الاستهلال عن الوضع الإنساني والمشكلات والمعالجات. وتناول الإعلان البنود والأبعاد التالية: البعد الرؤيوي والفلسفي، والبعد القيمي والأخلاقي، والبعد القانوني، والبعد الوطني والثقافي والاجتماعي، والبعد الجيواستراتيجي، والبعد الحواري والتداولي.


وختاماً يشرفني القول كمواطن يمني وعربي، بأنه يحق لي أن أفتخر بعمان ومدرستها السياسية والوطنية التي بنت مجتمعاً متقدماً وقبله إنساناً خلوقاً ومنتجاً، داعياً المولى عز وجل أن يحفظ هذا البلد ويعز أهله، ويحقق كل أمانيه.