كمال الفهدي
قرأت مقالك في شؤون عمانية المعنون بـ (الصراع مع الآخر) وبمجرد كتابة مقال من هذا النوع أجدني مرتاحاً إلى الحركة الفكرية والحرية الأدبية التي نتنعّم بها في وطننا الحبيب عمان، ومن أجل ذلك أرجو أن تسمح لي بمناقشة ما ورد في مقالك من الصح والغلط، وهنا لابد أن أنطلق من قاعدة: (أنت على حق من وجهة نظرك، وأنا على حق من وجهة نظري) فلا تشنج في عرض الأفكار، بل يجب أن نكون مرتاحين لهذا الحراك الفكري الإيجابي.
أعجبني تطوافك التاريخي على العلاقات العمانية الفرنسية، كما أعجبني اعتزازك بالحضارة العمانية وتاريخها المشرق، وكان هذا المدخل ذكياً منك تحرك به مشاعر العظمة الحضارية عند القارئ العماني، وهذا الأمر من الأمور الصحيحة التي وقعت عليها العين ولا ينبغي تجاهلها.
عند تعريجك على تاريخ الثورة الفرنسية حصرت الحديث على إيجابيات الثورة وغفلت أو تغافلت عن سلبياتها، وهنا أريد أن أحيلك إلى كتاب سيكيولوجية الجماهير الذي كتبه الكاتب والفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون قبل أكثر من 120 سنة وهو يتحدث عن أخطاء الثورة الفرنسية حيث قال: ثارت الجماهير على الظلم والقتل الممارس عليهم من الكنيسة والملك ولكنها وقعت في نفس الأخطاء، حيث قتلت الجماهيرُ كلَّ قسٍ وكل عسكري طالتهم أيديها، وبعد انتهائهم من سجن الباستيل توجهوا إلى السجون الأخرى لسحل كل من كان منتمياً للنظام السابق، وقامت ثورتنا على الظلم والقتل والدماء كما كان النظام السابق، ثم يذكر أن قواعد الثورة كانت صحيحة في البداية (حرية عدالة مساواة) ولكننا انحرفنا تدريجياً عن هذه القواعد وصارت الثورة وبالاً علينا، وليتنا كنا كالثورة الإنجليزية الهادئة التي أبقت على الملك وانتزعت السلطة من الكنيسة وحسب، وكلام من هذا القبيل، فإذا كان هذا الكلام خارجاً من فيلسوف فرنسي عاش في فرنسا ـ وأهل مكة أدرى بشعابها ـ وبعد مئة عام من الثورة الفرنسية فقط، فماذا نقول نحن البعيدون عن فرنسا البعيدون عن الثورة بأكثر من مئتي سنة؟! إذا كانت الثورة الفرنسية قد انحرفت منذ ذلك الوقت فإنها اليوم بعيدة جداً جداً عن قواعدها النبيلة، فلا مجال للحديث عن أن فرنسا اليوم هي بلد الثورة الرائعة والتضحيات العظيمة، فرنسا اليوم يجب النظر إليها بقدر ابتعادها عن قواعد الثورة، وهي في وصفي اليوم نسيت قاعدتين أساسيتين من أهم قواعدها هما (العدالة والمساواة) وبقيت على الحرية، واستعملت هذه القاعدة في كل شيء فجعلت الحرية في التعبير عن الرأي في جانبه الإيجابي والسلبي، واستعمرت الشعوب من هذا المنطلق أيضا واليوم هي تتطاول على رموز الأديان من نفس المنطلق، ثم تكيل بمكيالين، فالحرية ممارسة مشروعة عندما يكون الفرنسي هو من يمارسها، وتكون إرهاباً إذا مارسها أحد غير الفرنسي.
أنا لا أتحدث الآن عن أعمال القتل هنا وهناك، فكل عملية قتل وطعن نحن ضدها كائناً من كان مقترفها، ولكن أتحدث عن جزئية محددة وهي استعمال حق حرية التعبير لنا وللآخر، ولو ركزت على حقيقة الوضع لرأيت أن رئيس فرنسا الحرة يمارس تطرفاً فكرياً عندما يقف بصف إهانة الرموز الدينية لأي شعب، ولا جدال في أن كل شعب حر في اتخاذ مقدساته، وهذا من أبجديات الحرية، يقف رئيس فرنسا بصف الإهانة بثقله السياسي الذي يصور لنا أن الحكومة الفرنسية بهذا الفعل تؤيد إهانة الرموز الدينية، وبما أن الحكومة فعلت ذلك فعليها أن تتوقع ردات الفعل السلمية وغير السلمية، فالعقلاء سينهجون النهج القويم في ممارسة حق حرية التعبير، والمقاطعة هي ممارسة سلمية لحق التعبير عن امتعاضهم من موقف الحكومة الفرنسية، والعقلاء لا ينبغي أن يؤخذوا بأفعال غيرهم ممن يعبر بطريقة غير سلمية.
تحدثت في مقالك عن أن فرنسا فتحت أحضانها للشعوب المقهورة في أوطانها، ونسيت أو تناسيت ما فعلته فرنسا في مدغشقر عندما ثار عليها السكان المحليون فقتلت فرنسا الحرية ستة ملايين إنسان حتى رفع السكان الأصليون الراية البيضاء وقالوا: لا طاقة لنا بفرنسا وجنودها، ونسيت ما تفعله فرنسا في الدول الأفريقية من نهب للثروات وسيطرة على الموارد وتحكم بالسلطات هناك، وليست مالي إلا مثالا حيا لممارسات فرنسا(الحرة)!!!، ونحن لا نقول إن كلامك كله خطأ، ولكن نقول عليك أن لا تندفع كثيراً فوجه فرنسا المشرق الذي تراه ومن حقك ذلك، فمن حق الآخرين أن يروا وجهها المظلم، فإذا كنت ترى الحرية والعدالة والمساواة، فإننا نرى الظلم الفرنسي والاستعمار والقتل ونهب الثروات وإذلال الشعوب وكراهية الأديان، نرى تطرفها الفكري متوازيا مع تطرفها السياسي والعسكري.
ثم تحدثت عن أن المسلمين في فرنسا بخلاف غيرهم من الديانات يقومون بأعمال القتل والإرهاب، وهنا لا يمكن تمرير هذا الكلام من غير مطالبتك بالدليل والأرقام لنقارن بين مرتكبي الجرائم هل كلهم مسلمون فعلا؟! وإلى أن تثبت ذلك ليس لك أن تفرض هذا الافتراض وتتوصل إلى هذه النتيجة (من هناك والدرب) فكما أنك كاتب محترم فعليك أن تحترم عقول القراء.
ليس مثلك من يجهل أن التعميم ليس منهجاً علمياً محترماً، لذلك فإن قولك في المقال إن الدعاة والخطباء راحوا يدعون الناس لارتكاب الجرائم ضد فرنسا، وهذا أمر كذلك لا يمكن أن يمر دون نقاش، فعليك أولا ذكر الدعاة والخطباء الذين حرضوا على ارتكاب القتل، ثم عليك أن تدرك أن التحريض على مقاطعة السلع ليس إرهاباً، بل هو دعوة لممارسة الحرية السلمية، وشتان بين السلمية والإرهاب.
ثم تقول إن فرنسا إذا أرادت معاقبة الجاني اعترضتم!!، إن فرنسا لم تعاقب الجاني حسب القانون الفرنسي، بل عاقبت العالم الإسلامي كله بجريرة لم يرتكبها، ولا ندري تحت أي بند قانوني عاقبت فرنسا العالم الإسلامي كله، وهنا نقول كلمة حق: لو أن فرنسا أخذت الجاني الذي قطع رأس المدرس وحاكمته محاكمة عادلة وأخذ جزاءه، لرفعنا لها القبعات واحترمنا موقفها العظيم هذا، أما وقد أدخلت العالم الإسلامي كله في هذه القضية فعليها أن تثبت للعالم ما دخل العالم الإسلامي في القضية؟!!.
في ثنايا مقالك تحدثت عن أن الخطاب الديني سيؤدي إلى ارتكاب جرائم قتل ضد فرنسا، وتغافلت أن خطاب الكراهية الذي بثه ماكرون قد أدى فعلا إلى أعمال قتل، فتحت برج إيفل قام رجل بطعن امرأتين مسلمتين بعد خطاب ماكرون، فكان ينبغي أن تنظر إلى الأمر من زاويتيه.
تحدثت في مقالك عن جزئية مهمة جداً وهي ما ذنب المصانع التي يملكها الفرنسيون ويعمل فيها مسلمون، وهنا نعيد إليك السؤال: كم هي نسبة المسلمين العاملين في المصالح الفرنسية عبر العالم، ستجد أن الجواب لن يتجاوز ال 10 ٪ صحيح أنهم سيتضررون، ولكن أذكرك بالقاعدة التي أنت ذكرتها في بداية المقال وهي قاعدة التضحيات والتضحيات الفرنسية خاصة لأجل إنجاح الثورة، فلا بد للمسلمين أن يضحوا قليلا لأجل الانتصار لمبادئهم.
ثم تقول: الفرنسيون لن يتراجعوا عن نظام جمهوري صيغ بالتضحيات وبيع من أجله الغالي والنفيس، وهنا علي أن أذكرك مرة أخرى أن ما يفعله ماكرون لا يمت للثورة الفرنسية بصلة، إن ما يفعله هو تطرف فكري وخطاب كراهية عنصري، هكذا يجب أن يوصف، وعلينا تسمية الأشياء بأسمائها.
ولكي نخرج بنتيجة من هذا الحوار المثمر ينبغي لي توضيح وجهة نظري حول الموضوع برمته وهي:
ـ تحديد المشكلة يساعد على الوصول إلى الحل بسرعة، فمشكلتنا ليست مع حرية التعبير التي أتاحها النظام الفرنسي لمواطنيه، بل مشكلتنا هي مع انحياز الحكومة الفرنسية إلى جانب التطرف الفكري، ولو أنها لم تنحز إليه وسكتت أو اتخذت أي إجراء حياله لامتدحنا موقفها البطولي هذا ورأيناه عودة لقواعد الثورة الفرنسية النبيلة التي أسس لها (جان جاك روسو) في كتابه (العقد الاجتماعي) الذي دعا فيه إلى الأخذ بيد المظلوم على الظالم ولا نصرة للظالم على المظلوم، ولو تتذكر ما فعلته رئيسة وزراء نيوزلندا حينما ارتكب أحد المتطرفين ذلك الفعل الإجرامي الشنيع، وكيف قابلها العالم كله بالاحترام والتقدير والحب، لعلمت أن رئيس فرنسا كانت لديه فرصة ليقف ذلك الموقف البطولي.
ـ الإرهاب لا نؤيده كائناً من كان مرتكبه، وبالتالي فنحن لسنا مع الجاني الذي قطع رأس المدرس، ولا مع الجاني الذي طعن امرأتين مسلمتين، ولا مع كل ما سيأتي من الجرائم، ونحن ندعو للسلم والحوار والاحترام المتبادل.
ـ إن الممارسة الخاطئة لأي فكرة صحيحة يتحمل تبعاتها الذي أخطأ في ممارستها، بمعنى أن ماكرون أخطأ عندما ظن أن الحرية تعني كل شيء، وأخطأ حين ظن أن من العدل إدخال العالم الإسلامي كاملا في قضية اقترفها مسلم واحد، كما أن ذلك المسلم أخطأ حين ظن أن الدفاع عن الرموز الدينية لا يكون إلا بالقتل، والصحيح هو أن توزن الأمور بميزان القسط والعدل الذي لا يختلف عليه اثنان.
ـ إذا كانت الحرية هي منطلق ماكرون، فمقاطعة السلع الفرنسية تنطلق من الحرية ذاتها، ولا مبرر لمن يبيح لفرنسا الحرية ويمنعها عن غير فرنسا.
في الختام أدعوك أخي جمال للتعمق في النظر إلى حقيقة فتح الحدود الأوربية للمهاجرين، لكي ترى الجانب الذي أظن أنك لم تره بعد، كما أدعوك لمواصلة الكتابة واستفزاز الأقلام مع الحرص على الدليل وتحري الحقيقة قدر الإمكان، وعليك أن تعلم أنه إذا انحرف قلمك فثمة أقلام مستعدة لتقويمه، لك كل الود والتقدير والاحترام.
** وكانت شؤون عمانية قد نشرت بتاريخ 2 نوفمبر 2020 م مقالا للكاتب جمال النوفلي بعنوان “الصراع مع الآخر (المقاطعة الفرنسية نموذجًا)”، وتجده في هذا الرابط .
