عائشة بنت جمعة الفارسية تكتب: شاهد عيان

عائشة بنت جمعة الفارسية


في ليلة من ليالي شهر صفر وتحديدا بعد انتصافه، كانت تجلس على شاطئ البحر مفترشة الحصير على رماله الناعمة، صوت الأمواج بالكاد تسمعه على الرغم أن بحر العرب في هذا الوقت يعج بالضجيج، فلا تلامس الأمواج صخرا ولا رملا إلا وفرضت نفسها بأصوات تباينت نغماتها، فإذا ما شدت على وتر عود لم تكن لتبلغها حتى تتقطع أوتاره.


السماء كحديقة نثرت على سطحها مختلف أنواع الزهور والورود تنتظر فاتنة الحقل، تحمل قفيرها لتجمع من هذه وتلك ما يزيّن رسغها، سلسالا يتراقص مع حركة يدها أو شمروخا يتصدر جبهتها ليتدلى منها نجما كسهيل، يتبعها برؤيته “نواخذة البحر” دليلا لدروب حفروها ببواخرهم، أبوا إلا أن تسطّر على سطحه أمجادهم، وفي أعماقه هَوَتْ جثث البعض منهم ممن قدّر الله أن يكون قاع البحر قبورهم.

بدت هذه الأجواء كإشارة وفرصة لها لزج ذلك الصبي ذو العقد ونيف، وسط بحر رحلة قلّبت منها ما حوته ذاكرتها وتعلّقها بالفلك ليكون أشبه بدرس ظهر في سماها واضحا، مجموعة من الأبراج كالجدي والميزان والجوزاء، كل في مكانه من الجنوب والشمال وما بينهما.


وعطفت بالمرور على نجم سهيل والثريا والمقاييس والأدوات التي كانت تستخدم لدى البحارة في معرفة الاتجاهات والكثير من العلوم والمعارف، ثم أضفت إلى تزامن هذا الوقت من العام بذهابهم إلى شرق أفريقيا واستغلال “الأزيب” ذهابا و”الكوس” عودة، في دفع الشراع إلى أعماق المحيطات للوصول إلى وجهتهم، والكثير الكثير مما تحتفظ به ذاكرتها أو معارفها عن حياة البحر.

وفي المقابل تزاحمت وسائل التواصل بمواضيع عن البحر كل بطريقته، يحاكي معه حالة يمر بها، سطّرها في تغريدة أو بيت شعر على تهادي موجه أو خلفية لبساط فرشت عليه الموائد.
وغاب عن الكثير من تراقص خشبهم على هدير موجه وجلبوا مع مدّه الخيرات وأخذوا من جزره الدعوات، تغّنى فيه ناصر البلال رحمه الله مشيدا بهم حين قال:
يا وثبة الطود في ترسيخ عزته
وثب النيازك رجما للشياطين
ويا أساطيل فلك ساقها قدر
تثري الحضارات في شتى الميادين
ويا قلاعا سرت بالنور تنشره
عبر المحيطات من مصر إلى الصين.


أما آن الأوان لتخليد ذكراهم ولو بحفر أسمائهم في نصب تذكارية على خور البطح الذي انغمست آثار أقدامهم على شاطئه كلما يحبوا عروسا تزف لأمواجه، أو أنزلوا ما جادت به رحلاتهم بعد الضنك شهورا مقرونة بالبقاء أو الفناء.
يحتاج أبناء الألفية إلى شاهد عيان.

إلى حكاية رواتها أبناؤها، أبطالها ربابنة البحر، يشاهدها كل من وقعت قدماه على أرضها، ليتفاخر بها أبناء عمان و يتذاكرون فيما بينهم ذلك الإرث المتجدد بتوارث الأجيال دون نقصان، ليكون حافزا لأجيال قادمة بإعادة الأمجاد البحرية بطريقة تتوافق وعصرهم.
فهنا يباشر موج البحر فرحته.