مرتضى بن حسن بن علي يكتب: التحديات التي تواجه عُمان(14).. كيف نتمكن من جذب الاستثمار الأجنبي؟

مرتضى بن حسن بن علي

إذا كانت هناك حاجة وأهمية لجذب الاستثمارات؛ فما هي العناصر الضرورية المساعدة لجذبها ودفع الاقتصاد إلى النمو، وخلق فرص عمل جديدة ومُجزية، وتنويع مصادر الدخل، والنهوض بالناتج المحلي الإجمالي؟ صدور قانون للاستثمار الأجنبي في العام 2019م، بقدر ما هو مهم وضروري، لكنه غير كافٍ في حد ذاته لجذب الاستثمارات؛ فالمستثمر لا يتعامل مع جهة واحدة فقط، بل مع جهات متعددة لها قوانينها الخاصة، ومع وزارات مختلفة لها اختصاصاتها، والتي تتداخل بعضها مع اختصاصات وزارات أخرى، وهي في محصلتها قد تُعرقل جذب الاستثمارات.. فما هي السياسات التي يجب اتباعها لجذب الاستثمارات؟ تجارب بعض الدول تُفيد بأنَّ بعضا من السياسات التالية ساعدتها على جذبها:

1- إيجاد محطة واحدة لإنهاء كلِّ مُتطلبات تسجيل الشركات، مع منح الصلاحيات الكافية للهيئة العامة لترويج الاستثمارات وتنمية الصادرات “إثراء”؛ لتتمكن من إصدار جميع الموافقات والتراخيص الخاصة المتعلقة بتسجيل الشركات نيابة عن المستثمرين خلال وقت محدد. تلك كانت واحدة من أهداف الهيئة عند تشكيلها في العام 1996م، وفي ظل ذلك قد يكون ضروريًّا أن تكون الهيئة مرتبطة بجهاز مجلس الوزراء مباشرة، لتتمكن من إصدار جميع الموافقات والتراخيص الخاصة بالاستثمار كمحطة واحدة.

2- إيجاد التنسيق بين الوزارات والجهات الحكومية المختلفة لعلاج أية مشكلة قد تحدُث، واتخاذ القرارات المدروسة والحاسمة والالتزام بها، ووضع نظم للمساءلة والمحاسبة والمتابعة.

3- إيجاد رُؤية واضحة عن المشاريع التي تحتاجها عُمان خلال السنوات العشر المقبلة، وإعداد الجدوى الاقتصادية لكل مشروع، وتكلفته التقريبية من قبل مكاتب تتمتع بالمصداقية، ومناقشة نوعية وأعداد المهارات العمانية المطلوبة لكل مشروع، مع الشركات المعنية وتدريبهم خارج عُمان إن اقتضت الضرورة، واحتساب التكاليف من ضمن تكلفة المشروع؛ بحيث يكُون جميع الموظفين العُمانيين جاهزين وقت اكتمال أي جزء من المشروع.

4- البدء فورًا بتطوير إستراتيجية شاملة لتحسين تنافسية عُمان والارتقاء ببيئة الاستثمار؛ لكي تكون جاذبة للمستثمرين، وتوفير حزمة فعَّالة من الإجراءات، بعد التباحث مع المستثمرين المحتملين؛ لمعرفة نوعية التحسينات المطلوبة التي يرونها جاذبة، ويشمل ذلك حزمة من السياسات لتخفيض الضرائب والرسوم وتطوير قانون الملكية للاجانب؛ بحيث يكون أشمل مما هو عليه الآن.

5- إيجاد نُظم فعَّالة للحوكمة حسب المعايير الدولية.. الدراسات المختلفة تُظهر وجود علاقة طردية بين الحوكمة وتدفق الاستثمارات المباشرة وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وتوفير فرص العمل، أي أنَّ الدول التي يكون ترتيبها مرتفعا في مؤشرات الحوكمة، يكُون ترتيبها أيضا مرتفعا في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والبيئة الجاذبة للاستثمار هي البيئة التي تتوافر فيها نظم المساءلة والمراقبة وجهاز إداري كفوء للدولة، وتدفق الاستثمارات هو بحد ذاته نوع من الثقة تُمنح لأي بلد يتمتع بحكومة رشيقة وتتخذ قرارات مدروسة، وتطبقها بحسم وتتابع تأثيراتها على الواقع.

6- ضرورة توفير الاستقرار المالي الذي يعتبره المستثمرون مهما جدا، ومن الصعب جذب الاستثمارات المطلوبة عندما يكون تصنيف أي بلد ضعيفا من قبل المنظمات الدولية، وعدم تحسين الوضع المالي قد يدفع أيضا لهروب الاستثمارات الموجودة أو خفضها، والذي قد يفاقم مشكلة البطالة.

7- من المهم جدًّا السيطرة على العجز المالي المتفاقم، عن طريق سياسات تهدف إلى ترشيد الإنفاق الاستهلاكي، والتقليل من العجز المتراكم، والحد من اتساع رقعة الائتمان.. فالعجز المالي المستمر يؤدي إلى تخوف المستثمرين من احتمال تعديل سعر صرف العملة الوطنية، وعدم وجود المبالغ الضرورية لتحفيز الاقتصاد، وإلى إرتفاع في نسب الفائدة على القروض، والعجز لفترات طويلة يؤدي لنسب اقتراض مرتفعة وخطرة، خصوصا عندما يكون لتمويل الاستهلاك. لقد تمكنت دول “النمور الآسيوية” -على سبيل المثال- من بناء اقتصاديات قوية بسبب اتباعها سياسات قائمة على عدم السماح بارتفاع العجز عن مستويات معينة، وديون قليلة، وخلق بيئات صديقة للاستثمار وقادرة على جذب استثمارات كبيرة، وتكوين مدخرات مرتفعة وانفتاح على التجارة الدولية.

8- تنويع مصادر الدخل مهم جدًّا للمستثمرين الذين يخشون من البلدان المعتمدة على مصدر ريعي واحد، وهم يتطلعون إلى بلدان تسعى لإعادة هيكلة الاقتصاد؛ لكي يعتمد على مصادر متعددة، وتحرير السوق بما في ذلك إجراء تعديلات جذرية في قانون العمل.

9- ضرورة خصخصة معظم الشركات الحكومية: المستثمرون لا يرتاحون من امتلاك الحكومات لوسائل الإنتاج؛ لذلك من الضروري خصخصة الشركات، لا سيما تلك التي تعاني من تُخمة في العمالة الزائدة على الحاجة، ومن خسائر متتالية، كما لا يرتاحون من تدخل الحكومات في تحديد أسعار السلع والخدمات.

10- تقليل كلفة عناصر الإنتاج، والتي يراها الكثيرون مرتفعة، وتشمل الأرض واليد العاملة والرسوم المختلفة وتكلفة رأس المال العامل والقروض والتسهيلات البنكية التي تعتبر فوائدها عالية ومعيقة للاستثمار، وعُمان تعاني من نقص شديد في العمالة الوطنية الماهرة، وتحتاج جهودًا كبيرة لتدريبها وصقل مهاراتها، وغرس مفاهيم أخلاقيات العمل لديها، إضافة لإجراء إصلاحات جذرية في نظاميْ التعليم والتدريب. المستثمرون يرون أيضا أنَّ قوانين العمل بحاجة لإعادة النظر فيها وتغييرها؛ ومن ضمنها: عدم قدرة الشركات على تسريح الموظفين غير الملتزمين، وسياسات الحد الأدنى من الأجور، والزيادة السنوية المفروضة في الرواتب بغض النظر عن كفاءة الموظف وسياسات التعمين غير الواقعية، والسياسات المتعلقة بمنح مأذونيات جلب العمالة الوافدة المسببة لمشاكل كثيرة لكل الشركات الجادة، والتي تقوم بتوظيف نحو ٩٥% من القوى العاملة الوطنية.

11- ضرورة التزام الوحدات الحكومية بتعهداتها المالية والإدارية واللوجستية في حال وجود تعاقدات مع المستثمرين؛ سواء المحلين أو الدوليين، خاصة المالية لضمان التدفقات المالية والسيولة، وعدم الإخلال بذلك، وعدم فرض الغرامات من طرف واحد، والتعامل مع المستثمر بعقلية الشراكة المبنية على علاقة الصادقة والثقة فيما بين الطرفين.

من المهم الإشارة أيضا إلى أنَّ بيئة الاستثمار، ليست مسؤولية وزارة واحدة بعينها، وإنما مسؤولية كافة الوزارات والجهات الحكومية.

وتنفيذ عدد من النقاط الواردة أعلاه قد لا يتحقق بين ليلة وضحاها؛ فهناك حاجة لاتخاذ قرارات صعبة، المهم هو خلق مناخ من الثقة في رغبة وتصميم الحكومة بالنجاح وتجاوز التحديات، وذلك بحاجة للإعلان عن الخطوات التي سوف تأخذها الحكومة للوصول إلى الهدف، متسلحة بمؤشرات واضحة، وفي ظنِّي سوف يكون مفيدا تشكيل فريق عمل من مجموعة اقتصادية مصغرة داخل مجلس الوزراء الموقر، مكونة من وزراء المالية والتجارة والصناعة والقوى العاملة والمجلس الأعلى للتخطيط، تجتمع بصورة دورية مع غرفة تجارة وصناعة عمان وإثراء؛ لمناقشة مشاكل القطاع الخاص والعوامل التي تعرقل جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية من أجل تذليل الصعوبات والمشاكل؛ لتحسين بيئة الأعمال ومناخ الاستثمار.