مرتضى بن حسن بن علي يكتب: التحديات التي تواجه عمان(13)..لماذا أخفقنا في جذب الاستثمار الأجنبي؟

مرتضى بن حسن بن علي

البلدان التي لا تتمكن من خلق مناخ جذاب للاستثمار، لا تتمكن من جذبه، بل ترى أن أموالها أيضاً تهاجر إلى الخارج، كما هو الحال مع بلدان نامية عديدة ومنها البلدان العربية، لا تُوجد أرقام موثقة عن حجم الأموال العربية المهاجرة للخارج، لكن هناك تقديرات متباينة عنها، المؤسسة العربية لضمان الاستثمار قدرتها بنحو 1.4 تريليون دولار أمريكي، بينما قدرتها الأمانة العامة لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية بنحو 2.4 تريليون دولار أمريكي، أما مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية فقد قدرها بنحو 2.8 تريليون دولار أمريكي، منها نحو 1.4 تريليون دولار من الدول الخليجية وحدها، ويصطدم الاستثمار في البلدان العربية عموماً بمعوقات كثيرة، هي ذاتها في النهاية التي تشكل معوقات للتنمية الشاملة.

الدول النامية التي تمكنت من استقطاب الاستثمارات قامت بتهيئة البيئة المناسبة لجذبها، لتساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ورفع معدلات النمو الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة، وحل مشكلة الفقر والبطالة.

 توفير المناخ الجاذب يعد من الأركان المهمة لجذب الاستثمارات، الوطنية منها أو الأجنبية، وهو يتجاوز تماماً مجرد وجود قانون للاستثمار. بغياب عناصر أخرى مكملة، فإنَّ النصوص الجذابة في قانون الاستثمار، تبقى بنودا نظرية على الورق، الأمر يتطلب إصلاحات أكثر راديكالية وجرأة، من مجرد وجود نصوص نظرية لا تنطبق على أرض الواقع. لماذا لم تتمكن الهيئة العامة لترويج الاستثمار وتنمية الصادرات”، والتي أُنشئت في عام 1996، وتم إضافة اسم “إثراء” إليها في عام 2010، من جذب الاستثمارات الكافية؟ فيم نجحت؟ وفيم أخفقت؟ وما هي أسباب ذلك؟ لماذا لم تنجح فكرة المحطة الواحدة والتي كان من المفترض أن تقوم بها الهيئة؟ علماً بأنَّ الهيئة ضمت ممثلين من كافة الوزارات والجهات المعنية بالأمر. السبب على الأرجح هو عدم توفر الإرادة وعدم التنسيق بين الوزارات والجهات المعنية.

استعمال عبارات عامة عن “تحسين مناخ الاستثمار” من دون وجود آليات محددة ومن دون متابعتها، لن تقدر على جلب الاستثمارات، نقدر أن نعيد العبارات العامة، مرات ومرات، من دون أن تساهم في حل أي شيء بمفردها، إذا لم نبدأ بهدم الفجوة الواسعة بين النصوص والحقائق على الأرض. الاكتفاء بسن القوانين فقط، رغم أهميتها لن يُساهم بإيجاد حلول لمشاكل هيكلية متراكمة. إصلاح المشاكل الهيكلية بعمليات تجميلية هنا وهناك، قد تُؤدي إلى نوع من الانبهار المؤقت، ولكنها لن تصنع شيئا جديدا.

وإيجاد بيئة صديقة لجذب الاستثمارات تتطلب القيام بإصلاحات متعددة على أكثر من صعيد، مثل:

١- نقطة البدء، وهو التركيز على دولة القانون، وما يترتب على ذلك من احترام كامل لحقوق وواجبات المستثمر، ووضوح المراكز القانونية، وخضوع الجميع للقانون واستبعاد الاستثناءات.

٢- إيجاد نوع من الاستقرار في التشريعات المنظمة للاستثمار، لخلق الثقة لدى المستثمر، فكثرة التعديلات التشريعية وعدم ثباتها، تجعل المستثمر قلقاً على استثماراته.

٣- ضرورة دعم القوانين بالمذكرات واللوائح التفسيرية، وغيابها تجعل المستثمر في حالة قلق، حيث يكون الباب مفتوحًا لاجتهاد المسؤول في تفسيرها، كما تسبب نوعًا من الإرباك لدى القضاء.

٤- المستثمر يسعى إلى تقليل تكلفة المعاملات بقدر الإمكان، كما ينظر إلى ضرورة توفير قوة عاملة ماهرة ذات إنتاجية معقولة، وإلى رواتب تتناسب مع الإنتاجية والمهارة، وليس حسب الشهادات، وقد ترجع الإنتاجية والمهارة وأخلاقيات العمل إلى نوعية التعليم والتدريب، ولكنها ترجع أيضًا إلى الحماية الزائدة الممنوحة للموظف، والتي تدفعه إلى عدم المبالاة وعدم التقيد بقوانين الشركة أو تحسين مهاراته.

٥- بغياب الحكومة الإلكترونية، أو نظام المحطة الواحدة، يتأثر المستثمر قطعًا بالمناخ العام للروتين الحكومي والبيروقراطية.

٦- المستثمر يتأثر سلباً بوجود قوانين عمل غير مرنة، أو التدخل في شؤون مشروعه، أو فرض الموظفين عليه، هو ليس بحاجة لهم، أو عدم قدرته على التخلص من الموظفين المخالفين لقوانين الشركة وعدم الاهتمام بالإنتاجية وعدم توفر أخلاقيات العمل.

٧-العمل على تقليل المصروفات التي يتكبدها المستثمر لبدء مشروعه، فالمستثمر لا ينظر فقط إلى انخفاض الضرائب، والتي هي على أهميتها غير كافية، بل يهمه التكاليف الأخرى التي قد تفوق أية مزايا ضريبية ممنوحة، فالمؤسسات الدولية – مثل البنك الدولي وغيره-تضع مؤشرات لتكلفة ومصاريف المعاملات الإجمالية، لبدأ المشروع وممارسة النشاط، ولابد لأي بلد يرغب في جذب الاستثمارات من دراستها.

٨- المستثمر يرغب بإنهاء معاملاته من خلال المحطة الواحدة وبيسر وسلاسة، بدلاً من التعامل مع عشرات الجهات لإنهائها.

٩- المستثمر مسؤول عن المصروفات التي تتم داخل مشروعه، فهو يختار الآلات المناسبة، وهو المسؤول عن تصميم المصنع، وهو يضع النظم الداخلية للحسابات وشؤون الموظفين، وهو يختار الموظفين، وهو الذي يضع نظم الرقابة على الجودة، وهو يقوم بالتسويق …. إلخ.. ولكن المشروع مضطر في النهاية أن يتعامل مع البيئة المحيطة به، من جهات حكومية متعددة واستخدام مرافق عامة والتعامل مع الموردين، وفي هذه البيئة يمكن أن ترتفع أو تتدنى تكلفة المعاملات.

١٠- يعتبر الفساد بشكليه المادي والإداري، من أخطر ما يهدد فرص الاستثمار، أجنبيًا أو وطنيا، فالفساد لا يؤدي فقط إلى ارتفاع التكلفة، ولكن خطورته تأتي من أنه ينشئ جوًا من عدم اليقين وعدم تكافؤ الفرص، فالتعامل في الظلام وداخل الغرف المغلقة، يحول دون القدرة على الحساب السليم، لذلك فإنَّ أكثر الشركات الكبيرة والناجحة تبتعد عن مواطن الفساد، حيث لا ينجح في هذه الأجواء إلا الكيانات غير الجادة، التي لا تبحث عن فرص الاستثمار، بقدر ما تبحث عن فرص الاستغلال والربح السريع، ومن هنا يبقى الفساد العدو الأكبر للاستثمار المنتج، كما يبقى العنصر الأهم في خراب الدول، والمستثمرون لا يأتون إلى البلدان التي ينتابها الفساد، وهم يتابعون التقارير الدولية عن البلدان التي ينتشر فيها، أو على الأقل وجود انطباع قوي بوجود الفساد، وتصدر هيئة الشفافية الدولية- ومقرها برلين- مؤشرات عن الانطباعات الموجودة عن “الفساد” في مختلف أنحاء العالم، وأهمية هذا المؤشر هو أنه يشير إلى ما يقر في الأذهان عن الفساد في دولة من الدول، وبصرف النظر عن مدى دقة هذا المؤشر الذي يُنشر سنوياً، فإنه يؤثر على قرار المستثمرين، ومع الأسف فإن مكان عُمان في هذا المؤشر ليس جيدًا، بل إن عمان تقع في مركز متأخر نسبة إلى عدد من الدول العربية، ولا شك أن تحسين صورة المؤشر في عُمان من شأنه تحسين مناخ الاستثمار بدرجة كبيرة.

١١- تدفق المعلومات والبيانات المالية السليمة وبصورة منتظمة وشفافة، والمتوافقة مع المعايير الدولية مهم جداً للمستثمرين، ليتمكنوا من حساب العوائد والتكاليف المتوقعة، كما إن طريقة الإعلان عن المناقصات والمعايير المستعملة لمنح الأعمال مهمة.

١٢- التضخم الوظيفي ومعايير المساءلة والعقاب والثواب، وتضارب المصالح والسماح لموظفي الدولة بالعمل التجاري، من الأمور التي تجذب اهتمام المستثمر، لأنها تؤدي إلى انتشار الفساد، وانتشار البيروقراطية والروتين الخانق الذي يُعانيه المستثمر.

إن عُمان وهي تتطلع إلى الأمام، فإنها بحاجة كبيرة لتذليل كل العقبات التي تحول بينها وبين الاستثمارات الأجنبية، لتشترك مع الجهود الأخرى، من تحقيق قفزات مستمرة وواضحة في مستوى دخلها القومي ومعيشة مواطنيها وتوفير فرص العمل.