مرتضى بن حسن بن علي يكتب: التحديات التي تواجه عمان(12).. أهمية جذب الاستثمارات الأجنبية

مرتضى بن حسن بن علي

تعتني العديد من الحكومات حول العالم، بما فيها الدول المُتقدمة، باستقطاب الاستثمار الأجنبي المُباشر، ونقصد بذلك حسب التعريفات العالمية، بما في ذلك تعريف صندوق النقد الدولي، تدفق رؤوس الأموال الأجنبية المُباشرة لتكوين شراكات أو إنشاء منشآت أو مشاريع جديدة أو تطوير القائمة منها. وتذكر الأمم المتحدة في إحدى تقاريرها أن مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة حول العالم، بلغ في عام ٢٠١٨م وحده، مبلغ “١،٣”تريليون دولار أمريكي، أما في عُمان فقد بلغت الاستثمارات المتراكمة منذ عام ١٩٧٠م وإلى نهاية يونيو ٢٠١٩م مبلغاً قدره “٣٠،٣” مليار دولار أمريكي فقط، أي بمعدل ٦٠٦ ملايين دولار سنويًا، واحتل قطاع النفط والغاز حصة الأسد من تلك المبالغ، حيث بلغ ١٧،١٤ مليار دولار أمريكي، أي بنسبة ٥٧٪؜ من المجموع، وإذا استثنينا الاستثمارات في قطاعي الأنشطة العقارية والوساطة المالية، فإنَّ مجموع الاستثمارات في قطاع الصناعة التحويلية بلغ ٤،٤ مليار دولار أمريكي، أي بنسبة ١٣،٦٧٪؜ فقط.

موضوع جذب الاستثمارات الأجنبية يثير اهتماما كبيرا في معظم دول العالم المتقدمة منها أو النامية أو الأقل نموا، ويشتد التنافس بينها لتقديم كل التسهيلات الضرورية لجذبها، وإقامة سياسات خارجية ذات توجهات اقتصادية واضحة، ونسج علاقات عامة مع كبار مسؤولي الشركات المختلفة وبتنسيق كامل مع الجهات المسؤولة في بلدانها.

فوائد الاستثمارات الأجنبية متعددة، فهي تساعد على نقل النماذج التجارية والخدمية والفنية إلى اقتصاديات الدول المضيفة، منها الإسراع في نقل التكنولوجيا المتقدمة والنظم الإدارية المتطورة، وفتح المجال لسلع الدولة المضيفة وخدماتها لدخول الأسواق المختلفة، وتدريب كوادرها الوطنية، ورفع مستوى مهاراتها، ونشر ثقافة العمل بين صفوفها، وخلق فرص توظيف متصاعدة للباحثين عن عمل، وتحسين مستوياتهم المعيشية، وتطوير البحث والابتكار، وتحسين ميزان مدفوعات الدول المضيفة، وتنويع مصادر دخولها عن طريق استثمار موارد البلد المضيف، في مشاريع البنية التحتية المختلفة، مثل مشاريع الطاقة المتجددة، والاتصالات والسياحة، والتعدين، وغيرها.

الاستثمارات الأجنبية تقوم أيضًا بتوفير احتياجات الشركات الوطنية الصناعية الشريكة معها، من الآلات والمعدات والمساعدات الفنية، بشروط ميسرة مما يتيح لها فرصة إنتاج السلع بالمواصفات العالمية، وإعطائها قيمة مضافة وتصدير منتجاتها إلى أسواق متعددة، ووجود فروع للشركات العالمية مُتعددة الجنسيات، يؤدي أيضًا إلى نوع من المنافسة بينها وبين الشركات الوطنية، يدفع بالأخيرة للسعي للحصول على أحدث النظم الفنية والإدارية لتطوير قدراتها الفنية والتكنولوجية، كما تساهم أيضًا بتحفيز الخبرات الوطنية، وتوفر لها فرص وظروف العمل المجزية في بلدانها بدلاً من الهجرة إلى الخارج، بالتالي فإنها تساهم في إيقاف استنزاف الخبرات الوطنية الذي تشكو منه الدول النامية، كما أنها تشكل أحد أسس النمو والتحسن الاقتصادي.

,تساهم الاستثمارات أيضًا في استفادة الدول المضيفة التي تمتلك أموالا ولكنها تفتقد إلى التكنولوجيا الحديثة والخبرات الكافية، لتنفيذ المشروعات المختلفة، عن طريق تدريب العمالة المحلية، وإكسابها المهارات التكنولوجية الحديثة. الاستثمارات الأجنبية تساهم أيضًا في دعم ميزان مدفوعات البلد المضيف نتيجة لتمكينه من الحصول على النقد الأجنبي (حساب العمليات الرأسمالية)، ومساعدة المنشآت الصغيرة والمتوسطة الإنتاجية على فتح خطوط إنتاج متخصصة مُحددة لتلبية بعض احتياجات المشاريع الصناعية الأجنبية.

لكل هذه الأسباب وغيرها، نرى قيام الدول المتقدمة اقتصاديا أيضا، مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ببذل جهود لجذب الاستثمارات الأجنبية، ففي الولايات المتحدة مثلاً، تقوم الجهات المسؤولة بالإعلان الدائم والواضح عن مميزات الاستثمار الأجنبي فيها، شارحة تفاصيل المساعدات المقدمة، وفي سنغافورة، قامت الحكومة بتأسيس شركة حكومية كبيرة تعنى بالنمو الاقتصادي للدولة، وتربو ميزانيتها على أكثر من ٤٠٠ مليون دولار أمريكي، ويعمل بها أكثر من ٥٠٠ موظف على درجة عالية من الكفاءة، لتسويق سنغافورة لدى كبريات الشركات العالمية، والبحث عمَّا يجذب تلك الشركات للاستثمار، وتشرح لها فوائد الاستثمار في سنغافورة. وتوجد مؤسسات أو شركات مُماثلة في الدول التي اهتمت بجذب الاستثمارات الأجنبية المُباشرة في أنحاء كثيرة من العالم ومنها دول النمور الآسيوية.

,التحدي الأساسي الأول أمام أية حكومة، هو خلق بيئة جاذبة للاستثمار والتي تشمل بيئة مالية مستقرة، ونسبة تضخم منخفضة، وسياسة مالية تستهدف تفادي الوقوع في اتساع رقعة الائتمان والديون، وتحرير الاقتصاد، وسوق العمل وإعادة هيكلتهما، والشفافية في نشر المعلومات الاقتصادية والمالية، وحرية إعادة توزيع المكاسب والأرباح، وخصخصة الشركات الحكومية، وتطوير معايير المحاسبة والحوكمة، لكي تتماشى مع المعايير الدولية، وتوفير قوى عاملة ماهرة ذات مستويات إنتاجية عالية وأخلاقيات عمل مُمتازة.

ومن أجل جلب الاستثمارات، يقوم كبار المسؤولين في الدولة الراغبة في جذب الاستثمار، بالمشاركة الفعالة في تسويق بلدانهم، لإثبات أن الحكومة داعم أول لها، كما تقوم الحكومات بتأسيس جهات متخصصة وكفوءة لجذب الاستثمار الأجنبي تتولى التنسيق بين المستثمر والسلطات المختصة لتسهيل الإجراءات، وتزويد المستثمر بأية معلومة عن الفرص المتاحة، ووضع إستراتيجيات واضحة، تشمل تحديد القطاعات المستهدفة، والمحفزات والخدمات المقدمة، لإعطاء فكرة للمستثمر الأجنبي لإقناعه بالاستثمار وحتى بداية استثماره، وبعد ذلك أثناء الاستمرار في الاستثمار. كما تقدم دول عديدة إعفاءات ضريبية مختلفة، وتسهيل المعاملات الإدارية بعيدا عن البيروقراطية المستهلكة للوقت، وبنية تحتية للعمل من خلال أنظمة اتصال ووسائل مواصلات مُتقدمة، وأماكن متنوعة للترفيه، وتقديم أسعار خاصة للطاقة، خاصة عندما تكون أسعار الطاقة عاملاً أساسيًا في بعض المشاريع.

كل ذلك يتطلب القيام بإصلاحات شاملة وجذرية لتحسين مناخ الاستثمار، وبالتالي تشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي على زيادة استثماراته، وإعادة النظر في بعض الضرائب، وتخفيض معدلاتها، وتخفيض أو إلغاء العديد من رسوم التسجيل أو المعاملات.الهجوم المستمر على القطاع الخاص والوافدين وعدم مرونة قوانين العمل وإجراءاته يولد نوعًا من الخوف لدى المستثمرين وبالتالي لا تشجعهم على الاستثمار. ولذلك أصبح ضروريا قيام عُمان بتقييم الوضع من جديد، وبشكل دوري، وتعديل ما يلزم تعديله، ومضاعفة الجهود وتكاملها للتوافق مع أفضل البيئات التحفيزية المطبقة لأفضل الممارسات العالمية، لتتمكن من زيادة حصتها في السوق العالمي لجذب الاستثمارات الخارجية إلى السلطنة، والقفز بالنسبة إلى مستوى أعلى في المستقبل القريب. كما أصبح ضروريًا نشر ثقافة أهمية الاستثمارات في كل الدوائر الحكومية، مدعومة بحملات توعية إعلامية مركزة، ليشعر الآخرون بأهمية الاستثمار.