بقلم: رحمة الهدابية
في مثل هذا اليوم، من عام ١٩٤٠م، أشرقت شمس عُمان فَرِحَة مستبشرة – وإن طال شروقها بهذا البهاء والضياء- الذي ظل العمانيون في شوق وتلهف إلى رؤيتها بهذا الشروق الجميل، سنين طويلة وهم يرقبون على الدوام في صباح كل يوم موعد شروقها، لعلّها تغيّر من مطلعها هذا الكئيب والحزين لتفاجئهم في هذا اليوم تحديدا بحلتها وطلتها البهية هذه، وهي باسمة الثغر والمُحَيّا، وزاهية الشكّل والمنظر، بأشعتها الدافئة المفعمة – من الداخل – بكل ألوان الفرح والسعادة والزَّهْوُ، التي حرصت على نشرها وإرسالها إلى كل أنحاء عُمان، لم تبق ولم تستثن أي مكان فيها، لا جبل، ولا سهل، لا تل، ولا حتى وادٍ، إلا وقد وصلت إليه، كأنها تنبأهم بميلاد ذلك الطفل، الذي سوف يأخذ على عاتقه تغيير حال ومستقبل هذا البلد البائس وأهله الجوعى، ليسوا جوعى مال، وطعام، ومسكن، أو ملبس فحسب، وإنما جوعى بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى الاحتياج الحقيقي والشديد، والضرورة الماسة والملحة، لينهضوا بأنفسهم، ويرتقوا بفكرهم وتفكيرهم، للوصول بهم إلى أعلى المستويات والمراتب في مختلف المجالات، وعلى كافة الأصعدة، أساسهم – في ذلك – العلم والمعرفة لعبور أي مرحلة شائكة يمرون بها.
نشأ هذا الطفل وترعرع وسط ما يعانيه أبناء شعبه من ظروف الحياة القاهرة، وشظف العيش فيها، وما قد يسمعه ويصل إليه – بين الحين والآخر من أخبار متواترة- عن موت الكثير، بسبب إصابتهم بمرض عضال لم يحصلوا على دواء مناسب ينهي معاناتهم مع هذا المرض الخبيث، ووقوع شجار تحوّل إلى حرب أهلية بين قبيلتين بسبب بئر ماء أو قطعة أرض، علاوة على سفر الكثير من شباب هذا الوطن إلى دول الجوار، من أجل تأمين الحياة الكريمة والعيش الهانئ لأسرهم وذويهم.
مع ما اتصف وامتاز به هذا الطفل من فطنة وذكاء حاد – فاق به جميع أقرانه في ذلك الوقت- في سؤاله الدائم والمتكرر عن عُمان وأهلها، ولك أن تتخيل وأنت تستمع إليه، كيف كان يسأل ويطرح تلك الأسئلة عن بلاده، وما يتعلق بها من موقع وتاريخ -وهو في ذلك السن الصغير- وحرصه في المقابل على أن يحصل على الإجابة المقنعة على أسئلته التي طرحها، لتدرك في لحظتها وأنت تنصت إليه ولحديثه الشائق هذا وما يجول في عقله من أفكار وخواطر يود تنفيذها في المستقبل؛ بأن لهذا الطفل مستقبل مشرق وسيكون له شأنٌ عظيمٌ عندما يكبر.
كبر الطفل وأصبح شابا يافعا وقد أرسله والده لإكمال دراسته خارج الوطن – كما هي عادت بعض الرؤساء والحكام في إرسال أبنائهم للدراسة خارج حدود أوطانهم- من أجل اكتساب المزيد من الخبرات والمهارات التي تساعدهم وتكون لهم خير معين لتحمل عبء القيادة عندما يتولّوا ويأخذوا بزمام الأمور في بلدانهم.
إلا أن تلك الغربة والديار الغريبة التي ذهب إليها وعاش فيها وما حوته من تمدّن وتحضّر وتطوّر لافتٍ في كافة مجالات الحياة، لم تشغله يوما وتنسيه أبدا صورة بلاده، التي أصبحت خير رفيق ومسلٍّ له في غربته هذه، وإن بدا ووضح عليها ذلك الألم والحزن وغشى ملامح أهلها التعب والإرهاق، من قساوة العيش ومرارته، وهذا الحال المأساوي الذي كان عليه أبناء شعبه؛ هو من دفعه وحرّكه بمجرد استلامه مقاليد الحكم في البلاد، وإلقاءه لخطابه الشهير، الذي لا يكاد يوجد أي عماني أو مقيم على هذه الأرض الطيبة لم يحفظه أو على الأقل قرأه واطلع عليه؛ ليفهم مغزاه، وماذا كان يرمي بخطابه هذا أن يوصل إلى مواطنيه من وعود كثيرة قطعها على نفسه أمامهم، بتغيير واقع ومستقبل هذا البلد، إلى أن يجوب البلاد طولا وعرضا شمالا وجنوبا يطمئن أبناء شعبه بأن فجرا جديدا سيُطّل على عُمان، فجرا سيغيّر حال هذا البلد الضائق بكل ما فيه إلى حال أوسع وأرحب، ومن ظلام الأمس الذي كانوا فيه إلى نور العلم والمعرفة، ومن ضيق ذات اليد إلى سعة العيش ورغده، ولن يشرق هذا الفجر ولن يأت بجميع تلك الأحلام والأماني التي يرغبون في تحقيقها إلا بتآزر وتعاضد وتكاتف الجميع، ووضع كل واحد منهم يده في يد أخيه الآخر، ليتمكنوا من تحقيق هذه النهضة، التي ينشدونها منذ زمن طويل، قوامها الوحدة، والتعاون بين جميع أطياف المجتمع العماني وفئاته، مع إدراكه منذ البداية أن رقي الأوطان وتقدمها مقرونا أولا برقي وتقدم هذا الإنسان الموجود فيها، من حيث تعليمه، وتثقيفه، وإعطاءه حقوقه المشروعة، حتى يستطيع الإسهام والمشاركة في بناء وطنه، على علم ودراية؛ فشرع في بناء المدارس مدرسة تتبع مدرسة وجامعة تِلَوْ جامعة، ومنحه لأول مرة فرصة التعليم لهذه المرأة، التي حرمت منها منذ عقود طويلة؛ لتتعلم جنبا إلى جنب مع شقيقها الرجل، مرورا بالاهتمام بالبنية التحتية للدولة، والعمل على تطويرها، من حيث إنشاء ورصف العديد من الشوارع والطرق، في جميع ولايات السلطنة، وإمدادها بكل ما تحتاجه من إشارات مرور وأعمدة إنارة، وتوزيع الأراضي السكنية للمواطنين، وبناء مختلف من المنشآت والمؤسسات، التي تقوم عليها أركان الدولة الحديثة وانتهاء برسم سياسة خارجية نموذجية للبلاد، قائمة على الاحترام المتبادل، وحسن الجوار مع الآخر.
فها نحن اليوم يا مولاي نقطف حصاد ما قد زرعتموه طيلة السبعة والأربعين عاما من عمر نهضتكم المباركة، التي توليتم وقدتم زمام أمورها، وكنتم على رأس هرمها، في توجيه وإرشاد الناس فيها للمضي قدما نحو مستقبل باهر وزاهر لعمان وأهلها مهما واجهتم من صعوبات وعراقيل. وقد أصبح إنسان عُمان لا يقل أهمية أو قيمة عن غيره في استشارته والأخذ برأيه في المسائل والقضايا العالمية الكبرى، وحظيت المرأة العمانية في عهدكم الميمون بمكانة مرموقة، فاقت بها شقيقاتها من الدول الأخرى، بتبوئها وتقلدها العديد من المناصب القيادية العليا في الدولة، لتكون شريكا فاعلا ومحورا أساسيا في تنمية هذا البلد. وسياستكم الحكيمة التي باتت يُضرب بها المثل في الاعتدال والتسامح، والحرص على جمع شمل هذا العالم، الذي مزقته وفتته الحروب الطائلة، والصراعات السياسية المختلفة، لتعيش فيه البشرية على اختلاف أجناسها وأطيافها بأمن وأمان، فشكرا يا مولاي..
وإن كنا نعلم سابقا بأننا مهما أغرقنا وأسرفنا في المدح والتعبير، ونظمنا القوافي من قصائد وأشعار؛ لن نستطيع أن نوفيك حقك ولو جزء بسيط على ما قد صنعته وبذلته من جهد كبير وتضحية وإيثار وكفاح طويل، من أجل أن تحيا عُمان وأهلها بهذه الحياة الهانئة التي تنعم بها اليوم، فشكرا يا مولاي، شكر الابن لأبيه، والتلميذ لأستاذه، شكرا.. نقولها بامتداد سواحل عُمان وشواطئها الجميلة، وبحجم سماءها الواسعة، وأراضيها الشاسعة، فشكرا مولاي المفدى.
