الكاتب: زكريا بن عامر بن سليمان الهميمي
خاص لصحيفة شؤون عمانية
يعد الفن المعماري للعمارة الدينية في عمان جزءا أصيلا من تراث عمان الحضاري ،حيث يمثل هذا الفن نمطا من أنماط العمارة التقليدية في عمان التي برزت في المباني والمنشآت التي أقيمت لممارسة الشعائر الدينية ، وتعد المحاريب المزخرفة أحد تجليات هذا الفن المعماري في مساجد عمان التي ساهمت البيئة العمانية المحلية وبراعة ومهارة المعماريين العمانيين إضافة إلى التواصل والتفاعل العماني مع الحضارات الإسلامية الأخرى في تكوينها وتصميمها وبروزها كأحد أنماط العمارة الدينية المميزة في العالم الإسلامي ، وتحاول هذه الصفحات إبراز دور أحد رواد فن العمارة الدينية العمانية التقليدية الذي ساهموا في رقي فن العمارة الدينية الإسلامية من خلال تحليل نتاجه الفني المتمثل في تصميمه لعدد من محاريب المساجد الشاهدة على الحس الجمالي والذوق الرفيع الذي وصل إليه الفنان والمعماري العماني خلال مسيرة عمان الحضارية.
* اسمه :
هو رائد فن تطوير العمارة الدينية العمانية التقليدية ،و صانع المحاريب العمانية الجميلة الفنان الإسلامي و المبدع والمصمم المعماري العماني النقاش: عبدالله بن قاسم بن محمد الهميمي .
* مولده ونشأته :

لا تسعفنا المصادر عن تاريخ مولد النقاش عبدالله بن قاسم بن محمد الهميمي، لكنه ولد ونشأ في ولاية منح بمحافظة الداخلية في عمان ونسب نفسه إلى تلك الولاية ، تارة بذكر أنه من قرية منح وتارة أخرى بنسبة ولاية منح له باستخدام النسب في اللغة العربية ( المنحي ) كما يظهر ذلك جليا في كتاباته المنقوشة على بعض المحاريب التي قام بتصميمها وصنعها في عمان ، فقد كتب بخط يده في محراب مسجد العالي في ولاية منح الذي قام بتصميمه سنة 909 ه /1503 م ما نصه:” عمل هذا المحراب العبد الفقير الراجي رحمة ربه وغفرانه عبدالله بن قاسم بن محمد بن هميمي المنحي وكتب خطه بيده ” ، كما كتب في محراب مسجد العين في ولاية منح الذي قام بتصميمه سنة ( 911 ه /1505 م ) ما نصه : ” عمل العبد الفقير لله الراجي رحمة ربه وغفرانه عبدالله بن قاسم بن محمد الهميمي من قرية منح وكان فراغه في شهر المحرم سنة تسعمائة واحدى عشرة من هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تسليما ” ، وكتب في محراب مسجد الشراة في ولاية منح الذي قام بتصميمه سنة ( 922 ه/1516 م ) ما نصه :” عمل عبدالله بن قاسم بن محمد الهميمي من قرية منح سنة اثني وعشرون بعد تسعمائة سنة من الهجرة النبي صلى الله عليه وسلم تسليما ، إن الله على كل شيء قدير” ، كما كتب على محراب مسجد الشرجة في ولاية نزوى الذي قام بتصميمه سنة ( 924 ه/ 1518 م ) ما نصه :” عمل عبدالله بن قاسم بن محمد بن هميمي من قرية منح سنة تسعمائة وأربعة وعشرين سنة من هجرة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – “، وتقع ثلاثة من المساجد الأثرية التي قام بنقش محاريبها النقاش الهميمي في “حارة البلاد” الأثرية في وسط ولاية منح موزعة على امتداد ممرها الوسطي وهي مسجد العالي، ومسجد العين ، ومسجد الشراة ، ويلاحظ أن النقاش الهميمي بالرغم من نسبة نفسه إلى ولاية منح وتصميمه لثلاثة محاريب فيها إلا أنه تعدى محيط ولايته إلى ولايتين أخريين هما ولاية نزوى وولاية بهلا ، فقد كان نقاشا حرفيا متنقلا ينشر لوحاته الفنية وإبداعه في أماكن أخرى خارج إطار بيئته التي عاش فيها .
* نسبه :
ينتمي النقاش لقبيلة بني هميم التي تعد من أعرق القبائل العمانية التي ساهم عدد من أفرادها في رقي الحياة العلمية و الفكرية والثقافية والفنية في عمان، فقد صرح النقاش عن نسبه بنفسه في كتابته على المحاريب التي قام بصنعها ، فورد لفظ قبيلة الهميمي صريحا في محرابين فقط من بين المحاريب الأخرى التي قام بصنعها وهو محراب مسجد العين ( 911ه /1505 م ) ومحراب مسجد الشراة في ولاية منح ( 922 ه /1516 م ) ، فكتب في محراب مسجد العين في ولاية منح ما نصه : ” عمل العبد الفقير لله الراجي رحمة ربه وغفرانه عبدالله بن قاسم بن محمد الهميمي من قرية منح وكان فراغه في شهر المحرم سنة تسعمائة واحدى عشرة من هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تسليما ” ، وكتب في محراب مسجد الشراة في ولاية منح ما نصه :” عمل عبدالله بن قاسم بن محمد الهميمي من قرية منح سنة اثني وعشرون بعد تسعمائة سنة من الهجرة النبي صلى الله عليه وسلم تسليما ، إن الله على كل شيء قدير ” ، وباقي المحاريب الأخرى كان لا يأتي باسم قبيلته تصريحا لكنه كان يربطها بجده الثاني محمد فيقول في محراب مسجد الشرجة في ولاية نزوى :” عمل عبدالله بن قاسم بن محمد بن هميمي ” ، وكتب في محراب جامع بهلا التاريخي القديم الذي قام بتصميمه سنة 917 ه /1511 م ما نصه :” نجاه النبي المختار محمد صلى الله عليه وسلم عمل هذا المحراب عبدالله بن قاسم بن محمد بن هميمي “. وفي محراب مسجد العالي بمنح كتب بنفسه هذا النص :” عمل هذا المحراب العبد الفقير الراجي رحمة ربه وغفرانه عبدالله بن قاسم بن محمد بن هميمي المنحي كتب خطه بيده “.
ولا نعرف هل يقصد بقوله بن هميمي اسم جده الثاني أو أن ذلك مجرد خطأ لغوي في الكتابة أو أن جده الأول محمد كان يعرف بابن هميمي فكان ينسب إليه، و تبقى جميع هذه الاحتمالات واردة في سياق تلك الكتابات التي قام بكتابتها النقاش الهميمي بنفسه ، وحاليا لا توجد قبيلة الهميمي التي ينتسب إليها النقاش عبدالله بن قاسم بن محمد في ولاية منح لكنها توجد في ولايات أخرى في السلطنة.
أسماء المحاريب التي قام بتصميمها وتسلسلها الزمني: *


قام النقاش الهميمي بتصميم خمسة محاريب لا تزال تحتفظ بحالتها الأصلية و ترتيبها الزمني التسلسلي وفقا لتاريخ الانتهاء من صنعها بالتقويم الهجري كما هو مدون فيها هو كالتالي :
- محراب مسجد العالي في ولاية منح ( 13 رجب سنة 909 ه / 31 ديسمبر 1503م ).
- محراب مسجد العين في ولاية منح (محرم 911 ه / يونيو- يوليو 1505 م ).
- محراب جامع بهلا التاريخي القديم في ولاية بهلا (صفر 917 ه / إبريل – مايو 1511م ).
- محراب مسجد الشراة في ولاية منح ( 922 ه /1516 م أو 1517 م).
- محراب مسجد الشرجة في ولاية نزوى ( 924 ه/ 1518 م أو 1519 م ).
وتنحصر سنوات تصميم النقاش الهميمي للمحاريب العمانية بين سنة 909 ه /1503 م و سنة ( 924 ه / 1518 م أو 1519 م )، أي أنه مكث في حرفة صناعة تصميم محاريب المساجد حوالي 15عاما وفقا للتقويم الهجري، وعدد السنوات هذه كبير جدا مقارنة بعدد المحاريب المعروفة لدينا و التي قام بصنعها النقاش الهميمي والتي لم تتجاوز الخمسة محاريب وربما كانت للنقاش الهميمي محاريب أخرى لكن لم تصل إلينا نتيجة لعوامل الزمن أو لتهدم تلك المساجد وعدم الاهتمام بصيانتها واندثار معالمها، ويبلغ عمر أقدم محراب قام بتصميمه النقاش الهميمي وهو محراب مسجد العالي في ولاية منح مقارنة بتاريخ يومنا هذا ( 1441ه ) أكثر من خمسة قرون هجرية أي أنه انتهى من صناعته قبل حوالي 532 عاما من الآن.
وبناء على تلك التواريخ المنقوشة على تلك المحاريب نستنتج أيضا أن النقاش الهميمي يعد من شخصيات الربع الأول من القرن العاشر الهجري / الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي وكان معاصرا للإمام
محمد بن اسماعيل بن عبدالله الحاضري (حكم : 906 ه- 942ه /1500 -1535 م).
* طريقته الهندسية في تصميم ونقش محاريب المساجد ( محراب جامع بهلا التاريخي القديم نموذجا ) :

تتبع طريقة تصميم ونقش الهميمي الهندسية للمحاريب نسقا هندسيا موحدا بشكل عام لكنها قد تختلف من حيث التفاصيل الزخرفية من محراب إلى آخر، ويمكن إبراز طريقته في تصميم ونقش المحاريب اعتمادا على نموذج نقوش محراب جامع بهلا التاريخي القديم بشكل خاص ،باعتبار أن محراب جامع بهلا التاريخي القديم هو أكبر المحاريب من بين المحاريب الأربعة الأخرى التي قام بتصميمها وصنعها النقاش الهميمي على الإطلاق ، ونلخص طريقة النقاش الهميمي في نقش المحاريب وفقا لنموذج محراب جامع بهلا التاريخي القديم كالتالي بداية من المحراب الداخلي الصغير ونهاية بالإطار الخارجي لشكل المحراب في الخطوات التالية:
1- نقش المحراب الأول الداخلي الصغير بشكل مجوف به دعامتين مزخرفتين على جهة اليمين والشمال مكسوة بنقوش نباتية وزهرية، والمحراب به قوس من أعلى ، وبداخل تجويف المحراب شكل مستطيل كإطار به قوس من أعلى ومن أسفل به دائرة صغيرة وفوقها شكل معين ثم دائرة كبيرة مزخرفة في الوسط ، ثم تم تكرار شكل المعين مرة أخرى وبه دائرة صغيرة أخرى من الأعلى .
2- صنع محراب ثان يشبه المحراب الأول لكن بحجم اكبر يحيط بالمحراب الصغير وبه أيضا دعامتان مزخرفتان ذات نقوش وتشكيلات نباتية وزهرية ، ويحيط به مستطيل به قوالب مستطيلة الشكل ومزخرفة تمثل إطارا للمحراب الثاني ، وفي أعلى المحراب الثاني هناك قوس مزخرف ، ثم قوس مزخرف آخر على شكل نافذة في وسطها دائرة هندسية مزخرفة، وفي أعلى القوس المزخرف الذي على شكل نافذة هناك مستطيل به كتابة بالخط العربي تتكون من سطرين ، السطر الأول به اسم من تكفل بالإنفاق على صناعة هذا المحراب ، وفي السطر الثاني توثيق تاريخي يشمل اسم من قام بتصميمه ونقشه مع ذكر تاريخ صنع المحراب بالتاريخ الهجري.
3- تصميم إطار ثان على شكل مستطيل أيضا لكنه يختلف عن الإطار الأول من حيث أن به عدد من الأختام المزخرفة والمنقوشة على شكل دوائر كبيرة مجوفة ومزخرفة من الداخل ثم تتلوه دوائر صغيرة غير مجوفة متجاورة بالترتيب لتعطي نوعا من التمايز بين الأشكال الهندسية الدائرية، وعدد الدوائر 8 دوائر كبيرة و7 دوائر صغيرة في كل من الضلع الأول اليمين ونفس العدد في الضلع الثاني من جهة اليسار على التوازي، وفي الضلع الأعلى في الوسط باستبعاد الضلع اليمين والضلع الشمال من الاطار هناك 4 دوائر كبيرة مجوفة ومزخرفة و5 دوائر صغيرة غير مجوفة لكنها مزخرفة ، ويبلغ عدد الدوائر الكبيرة المجوفة في تصميم إطار المحراب ككل 20 دائرة ، وعدد الدوائر الصغيرة 19 دائرة ومجموعهما الكلي 39 دائرة هندسية.
4- ثم في أعلى ذلك الاطار يوجد إكليل مزخرف وهو عبارة عن تاج يزين جزء المحراب الأعلى كتبت تحته بالخط الكوفي الشهادتين وآية قرآنية .
وجدير بالذكر أننا نلحظ في جامع بهلا التاريخي القديم إضافة إلى زخرفة المحراب ، زخرفة المنبر الصغير الذي يقع على يمين المحراب والمكون من خمس درجات وهو منبر ليس مرتفعا كثيرا، وتمت زخرفته بزخارف تشبه الزخارف الموجودة في المحراب ، فالمنبر مكسو بألواح مربعة بها عدد من الدوائر المجوفة والمزخرفة من جهة اليمين ، كما أن به من جهة اليسار التي هي جهة المحراب نقوشا بديعة منها أحد النقوش الهندسية على شكل مثلث ، ووجود المنبر في ذلك الجامع قد يكون دلالة على إقامة صلاة الجمعة فيه، وكذلك نلحظ أيضا وجود زخرفة في الأبواب الخشبية لجامع بهلا التاريخي القديم تحتوي على نقوش جميلة على شكل دوائر مزخرفة قد تشبه إلى حد ما النقوش التي على محراب الجامع وربما استلهمت فكرة النقش الدائري من الدوائر المنقوشة والمزخرفة التي في محراب بهلا التي قام بصنعها النقاش الهميمي بكل براعة وإتقان، وعلى مقربة من جامع بهلا التاريخي القديم نجد أيضا في غرفة الصلاة بقلعة بهلا التاريخية في القصبة وهي أحد أجزاء القلعة القديمة من القلعة نجد محرابا جصيا مزخرفا غاية في الروعة الجمال والابداع به نقوش هندسية وزهرية متقنة الصنع.


* السيرة الذاتية من خلال السمات العامة لمدرسة النقاش الهميمي المعمارية العمانية :
تبرز السيرة الذاتية لشخصية النقاش عبدالله بن قاسم بن محمد الهميمي من خلال نتاجه المعماري المتمثل في نماذج المحاريب الجصية العمانية كنماذج لما يمكن تسميته بفن المعمار الديني الذي خلفه للأجيال العمانية المتعاقبة كإرث معماري عماني إسلامي خالد ، وتبرز جوانب السيرة الذاتية للنقاش الهميمي من خلال تحليل نتاجه الفني المعماري من خلال إبراز السمات العامة لذلك النتاج وهي كالتالي :
1.الجودة : اتصفت المحاريب التي قام بصنعها النقاش الهميمي بالجودة في الصنع مقارنة مع غيره من صناع المحاريب الذين أتوا من بعده ” فبمقارنة ما أنجزه النقاش الهميمي مثلا مع نقش محاريب مجموعة صانع المحاريب العماني: مشمل بن عمر بن محمد المنحي نجد محاريب مشمل على العموم ذات جودة أقل مع ميل إلى استعمال مجالات تتكرر فيها الوحدات الزخرفية عينها ، “فمجموعة مشمل أكثرت من استعمال الطاسات الخزفية أحيانا مضحية بكمال ضفيرة الوحدة الزخرفية ” ( السالمي وآخرون، الفن الإسلامي في عمان، ص 257)، بينما ما أنجزه النقاش الهميمي هو الأكثر جودة من خلال حفاظه على الوحدة الزخرفية ، فعلى سبيل المثال: يعد محراب جامع بهلا التاريخي القديم أكبر محراب قام بصنعه النقاش الهميمي ويتميز بالجودة العالية والدقة المتناهية في التصميم الزخرفي والابداع الفني ، وهذه الجودة في صناعة المحاريب لدى النقاش الهميمي أدت إلى طول العمر الزمني لتلك المحاريب لتكون شاهدا حيا على الجودة في التصميم والصناعة حتى يومنا هذا.
- الإبداع: لم يكن النقاش الهميمي مقلدا بشكل حرفي لمن سبقه في صناعة المحاريب العمانية بل كان مبدعا ومبتكرا لأساليب زخرفية جديدة ، فقد كانت شخصيته ابداعية تؤمن بفكرة التطوير وبفكرة التجديد وبفكرة الابتكار الزخرفي والفني، فتعد المحاريب المنقوشة التي أبدعها النقاش الهميمي محاريب مبتكرة ونسخ مطورة من المحاريب السابقة ،” فقد شهدت محاريب عمان الجبسية المنقوشة سيرورة تطويرية خلال العقدين الأوليين من القرن السادس عشر ، وبينما كان محراب مسجد سعال بنزوى نقطة مرجعية بالنسبة للمحاريب السابقة المؤرخة بالقرن الثالث عشر ، بدا أن أسلوب محراب جديد ذي تركيب مغاير ووحدات زخرفية جديدة ، غدا المعيار المقبول ، وتبرهن التحليلات الأسلوبية على أن محاريب القرن السادس عشر تعد تركيبا للأفكار والوحدات الزخرفية الحديثة المألوفة في التحف المنتجة في أماكن أخرى في سياقات إسلامية خلال أواخر القرن الخامس عشر ، ومطلع القرن السادس عشر “(السالمي وآخرون، الفن الإسلامي في عمان، ص 251) ،” والمحاريب الجبسية المنقوشة في عمان في القرن السادس عشر أيضا قد استلهمت تأثيرات أسلوبية متنوعة تتجاوز محراب مسجد سعال أو محاريب ايران السلجوقية أو ما بعد السلجوقية ، وترجمة ذلك أن عبدالله بن قاسم بن محمد الهميمي ابتكر محرابا معاصرا ” (السالمي وآخرون، الفن الإسلامي في عمان، ص252)، وسمة الإبداع لدى النقاش الهميمي جعلت الباحث الايطالي د. ايروس بلديسيرا أستاذ الأدب العربي بجامعة البندقية يشبه عمل النقاش الهميمي بتطريز سيدات مدينتي المسنات في البندقية ، وفي ذلك يقول ذلك الباحث واصفا محراب مسجد الشرجة الذي قام بتوثيقه :” إطار المحراب الخارجي المستطيل ، يحمل خمسة عشر ختما مزخرفا ، تفصل بين الختم والآخر دوائر أصغر حجما ، تحيط بها الرسوم والأشكال الزهرية التي أطلق الهميمي فيها لخياله العنان ، فأبدع ، وأوهمني للحظة أنني أمام تطريز سيدات مدينتي المسنات في البندقية” ( بلدسيرا، الكتابات في المساجد العمانية القديمة، ص 49) ، وكذلك فالنقاش الهميمي استخدم مادة الجبس ( الجص ) في نقش وتصميم المحاريب بدلا من استخدام عنصر الطين السائد والمألوف في المعمار العماني التقليدي الديني وبالتالي فاستخدامه لهذه المادة في صناعة محاريب المساجد ربما يمكن اعتباره مؤشرا على الإبداع والتجديد في الفن المعماري العماني.
- 3. التفاعل الحضاري: لم تكن شخصية النقاش الهميمي شخصية منغلقة على نفسها وذاتها أو شخصية متقوقعة في محيطها وفي بيئتها التي كانت تعيش فيها بل كانت شخصية متفتحة تتفاعل إيجابا مع ما عند الآخرين من فنون وتجارب حضارية معمارية، ” فهناك عناصر أخرى متنوعة توحي بأن اليمن ومصر تعدان من بين مصادر التأثير في المحاريب الجبسية المنقوشة ، خذ مثلا القلنسوة الصدفية التي تعلو المشكاة المركزية لستة عشر محرابا على الأقل من محاريب القرن السادس عشر في عمان ، فالقلنسوات الصدفية والقبب تظهر في المحاريب المشيدة في عهد السلجوقيين والأخنيديين في ايران ، ولها مع ذلك تاريخ طويل في العمارة الاسلامية في حوض المتوسط ولا سيما مصر التي استوردت منها القلنسسوات الصدفية في عهد الأيوبيين ، ربما قبل ذلك نحو اليمن ، ثم شرق افريقيا ” . (السالمي وآخرون، الفن الإسلامي في عمان، ص259). ويرى بعض الباحثين :” أن محاريب الهميمي تنتمي إلى لغة زخرفية غنية من غرب المحيط الهندي في القرن السادس عشر ” ، ” فالمحاريب التي صممها النقاش الهميمي ربما تأثرت بتأثيرات جاءت من أرجاء العالم الاسلامي- لا سيما المناطق القريبة منه- فهي تحوي نمط المحاريب ذات الكتل القالبية الجصية حيث تأثرت عناصرها البنائية والتخطيطية والزخرفية بما هو قائم في إيران واليمن ، وخلاصة القول أن :” محاريب القرن السادس عشر تعكس تأثيرات ووحدات زخرفية معاصرة متنوعة من مصادر مختلفة ولا سيما من اليمن ومصر والمحيط الهندي الغربي ، هذه التأثيرات المستمرة وتعدد مصادرها تعني انخراط عمان مع التحف والأفكار ووحدات الزخرفة المنتجة في أماكن أخرى من العالم الإسلامي ، والمتبادلة بحرية في عمان ، وفي هذه الحالة تنتج أسلوبا عمانيا متميزا ” (السالمي وآخرون، الفن الإسلامي في عمان، ص265) ، ومع عدم إغفالنا لسمة التفاعل الحضاري لدى النقاش الهميمي مع الفن الإسلامي في الحضارة الإسلامية في العالم الإسلامي إلا أن سمة التفاعل الحضاري تلك لم تجعل النقاش الهميمي مجرد فنان ناقل وناسخ لفنون العمارة في العالم الإسلامي بل كان فنانا مبدعا في تصميمه الخاص به وصناعته الخاصة به للمحاريب الأنيقة في المساجد العمانية ، فكان صاحب مدرسة خاصة بالنقش اختلفت عن تجارب من سبقه، وفي ذلك يقول الباحث الإيطالي باولوم كوستا مُتحدِّثا عن تجربة النقاش الهميمي في مِحْرَاب جامع بهلا التاريخي القديم بشكل خاص ما نصه :” إنَّ الآثار المتبقية من زخرفة المِحْرَاب في جامع بهلا مثيرة، خصوصا في أسلوبها وتقنية الجص التي تظهر في أعلى التجويف، وهنا تأخذ الأوراق الضخمة والأزهار والصرر أشكالا ثلاثية الأبعاد تبرُز من خلفية ملساء، وليس لهذه الزخرفة شبيه في عُمان وشبه الجزيرة العربية”، ويذهب ذلك الباحث بعد ذلك مقارنا بين زخرفة محراب جامع بهلا التاريخي القديم وزخرفة محراب قبر( Alaviyan ) بإيران والذي صُمِّم في القرن السادس الهجري بأن لا علاقة مباشرة بين زخرفة قبر أليفيان في إيران وبين زخرفة محراب جامع بهلا التاريخي القديم ؛ نظرا للفاصل الزمني بين التجربتين” ( سما عيسى، عبدالله بن قاسم الهميمي روح الفنان وأصالة إبداعه، ورقة عمل منشورة) ، وما ذكره الباحث الإيطالي باولوم كوستا كان ردا على دراسة الباحثة الأثرية الفرنسية الدكتورة مونيك كيرفان (Monique Kervan ) والمنشورة عام 1996م ، حيث تذهب في دراستها إلى أن تجربة النقَّاشين العُمانيين مُستمدة في تكوينها الفني من النقش الفارسي ،و تذهب أبعد من ذلك عندما تقول إنَّ المحاريب العُمانية مثَّلت نموذجًا للمحافظة على تقاليد إيرانية عريقة؛ أي أنَّها ترى أنَّ العُمانيين نقلوا بشكل حرفي تجربة النقش الفارسي الذي سبقهم بعدة قرون ، وتعقد الدكتورة كيرفان مقارنة بين بعض المحاريب في إيران مثل مِحْرَاب مسجد نايين المصمم عام 350هـ /960م، ومِحْرَاب مسجد أصفهان المصمم عام 710 ه/1310 م ) من جهة، وبين مِحْرَاب جامع سعال بنزوى المصمم عام 650هـ، ومحاريب المرحلة اللاحقة التي صمَّمها النقاش عبدالله بن قاسم الهميمي، وعائلة مشمل المنحي وغيرهم في القرن العاشر الهجري”( سما عيسى، عبدالله بن قاسم الهميمي روح الفنان وأصالة إبداعه، ورقة عمل منشورة).

ويرى زكريا الهميمي الباحث في التاريخ العماني – كاتب هذه الصفحات- أن الدراسات التاريخية والأثرية السابقة التي تحدثت عن موضوع تأثر مدرسة النقاش الهميمي العمانية بحضارات إسلامية أخرى في مجال العمارة الدينية أي تأثر مدرسته بتأثير خارجي معين بحاجة الى مزيد من البحث العلمي الدقيق والمعمق لتحديد نموذج العمارة الدينية التي تأثرت به مدرسة النقاش الهميمي بالتحديد، فالملاحظ على تلك الدراسات السابقة أن نتائجها متباينة ومبنية على عدد من الاحتمالات في محاولة منها لتحديد أماكن التأثير الحضاري في مدرسة النقاش الهميمي العمانية ، فتارة تتحدث عن تأثير اليمن ومصر وتارة أخرى تتحدث عن تأثير بلاد فارس وتأثير الطرز المعمارية في آسيا أو إفريقيا ، حيث اعتمدت تلك الدراسات بالأساس على عملية المقارنة من خلال بيان أوجه الشبه بين النتاج العماني المتمثل في صناعة المحاريب وبين نماذج محدودة من نتاج الفن المعماري في العالم الإسلامي في المحاولة للوصول لاستنتاج عدد من الاحتمالات حول أماكن التفاعل الحضاري لمدرسة النقاش الهميمي العمانية ، لذا فتلك الدراسات بحاجة للتوسع في عملية المقارنة وتوسيع نطاق البحث العلمي التاريخي والأثري للوصول إلى نتائج علمية تكشف لنا حجم ومدى التفاعل الحضاري والتأثير الخارجي في مدرسة النقاش الهميمي وغيره من النقاشين العمانيين الآخرين، كما يرى أيضا زكريا الهميمي الباحث في التاريخ العماني – كاتب هذه الصفحات- إضافة لما ذكرته تلك الدراسات السابقة من احتمالات حول أماكن ومواقع التأثير الخارجي في العالم الإسلامي في نمط العمارة العمانية الدينية المتمثل في صناعة محاريب المساجد ، يرى الباحث أن مدرسة النقاش الهميمي المعمارية ومن سبقه من النقاشين العمانيين ربما تأثرت بنموذج العمارة العباسية في العالم الإسلامي خاصة ما يوجد في القصر العباسي في بغداد الذي أنشأه الخليفة العباسي أبو العباس الناصر لدين الله سنة 576 للهجرة /1181م من محراب شبيه في تصميمه بمحاريب النقاش الهميمي، كما أن مادة الجبس التي استخدمها النقاش الهميمي في إنجاز هذه المحاريب هي الجص الذي برع العرب في الاشتغال به منذ العصر الأموي وأبدعوا فيه خلال العصر العباسي حيث أخذت هذه التقنية أهمية كبيرة ، وعرفت شيوعا واسعا في مجال الزخرفة الهندسية ، وقد يبرز تأثير نمط العمارة العباسية المتمثل في القصر العباسي ببغداد في مدرسة النقاش الهميمي تحديدا من خلال احتواء تصميم محراب جامع بهلا التاريخي القديم على سبيل المثال على أختام دائرية متتالية صغيرة وكبيرة تشبه إلى حد ما أختام المحراب الموجود في القصر العباسي في بغداد ،إضافة إلى أن جامع بهلا التاريخي القديم به بقايا مئذنة تقع في جهة الشمال الغربي من الجامع وهي سمة ليست موجودة في طراز المعمار الديني للمساجد في داخلية عمان ، فتأثر مدرسة النقاش الهميمي بنمط العمارة العباسية يبقى احتمالا واردا مع التأكيد على السمة الإبداعية والابتكارية المنفردة لدى النقاش الهميمي ، ونجد كذلك أن محراب مسجد نايين في إيران الذي ذكر في إحدى الدراسات السابقة كأحد أوجه المقارنة بينه وبين مدرسة نقش المحاريب العمانية هو ذو طراز عباسي أيضا فهو” يتضمن زخارف جصية جميلة تشبه الزخارف الجصية في مدينة سامراء في العراق وفي الطراز الطولوني “( د. زكي محمد حسن ، الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي ، ص 4)، وبعيدا عن جدلية التأثيرات الخارجية الحضارية المباشرة التي ساهمت في تكوين فن نقش المحاريب لدى النقاش الهميمي هناك احتمال كبير بأن مدرسة النقاش الهميمي العمانية تأثرت بمدارس فنية عمانية سابقة خاصة ما نراه من تشابه واضح في بعض الطرز الزخرفية بين ما أنتجه النقاش الهميمي من محاريب في القرن العاشر الهجري وبين محراب جامع سعال في ولاية نزوى الذي تم الانتهاء من صناعته في شهر ربيع الأول سنة 650 للهجرة / يونيو- يوليو 1252م أي في القرن السابع الهجري / القرن الثالث عشر الميلادي ، فمحراب جامع سعال الذي قام بصنعه النقاش محمد يعد أحد أقدم المحاريب المنقوشة المعروفة في عمان والذي لا يزال يحتفظ بتصميمه المعماري الأول ولذا فهو يمثل نقطة ارتكاز مرجعية أساسية لجميع الفنانين والنقاشين العمانيين لمحاريب المساجد الذين أتوا من بعده ومن بينهم النقاش عبدالله الهميمي الذي أتى في الربع الأول من القرن العاشر الهجري/ الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي وساهم بمدرسته الفنية المتميزة في تطوير وإبداع زخارف جديدة لمحاريب المساجد في عمان، وتبقى هناك أيضا نقطة جوهرية جديرة بالبحث والدراسة وهي مدى تقبل الفقهاء العمانيين لفكرة زخرفة المحراب في المسجد مع أن السمة الشائعة لمساجد عمان هو تأثرها بشكل عام بخصائص العمارة السائدة في العهد النبوي والتي تتسم بالبساطة والتقشف والبعد عن الزخرفات ، مما يجدر بنا دراسة هذا التطور الجذري الذي حصل في تصميم المحراب بشكل جديد من خلال انتقال طرازه المعماري من سمة البساطة والتقشف الى سمة الزخرفة والنقش، وذلك كله يدعونا إلى دراسة الخطين الفقهي و السياسي في عمان وأبعادهما على تطور مدرسة العمارة الدينية في عمان.
إضافة الى ما سبق نلاحظ أيضا توظيف مدرسة النقش الهميمي بما أنتجته الحضارة الصينية من أطباق مصنوعة من الخزف الصيني ( طاسات ) في تصميم بعض محاريبه كما يظهر ذلك جليا في كل من: محراب مسجد العالي ومحراب مسجد الشراة ومحراب مسجد العين في ولاية منح ، و في محراب مسجد الشرجة في ولاية نزوى.

- التفاعل مع جمال الطبيعة : استقى النقاش الهميمي بعض التصميمات والنقوش الزخرفية في تلكم المحاريب من وحي الطبيعة كعامل إلهام في عمله، فالمحاريب التي أبدعها تضم أشكالا نباتية وزهرية غاية في الروعة و الجمال مما يعكس تفاعل شخصية هذا الفنان مع الطبيعة التي من حوله بشكل خاص ومع فلسفة الجمال بشكل عام.

- إعمال العقل الجمالي في الأشكال الهندسية الرياضية: أبدعت المخيلة العقلية للفنان الهميمي أشكالا هندسية رياضية مختلفة الأشكال في صناعة المحاريب تمثل الفن الإسلامي الهندسي، فنجد في المحاريب التي قام بصنعها أشكالا رياضية دائرية صغيرة وكبيرة ربما تمثل كواكبا أو أقمارا، وأشكالا مستطيلة ، وأشكالا على شكل أقواس منتظمة وغير منتظمة ، ومربعات وأشكال مجوفة ، وأشكال على شكل معين ، وأشكال على شكل مثلث ،وذلك يعكس الطبيعة العقلية الجمالية الكامنة في شخصيته ، كما يعكس ذلك حسا جماليا مرهفا في شخصيته يعكس ذلك الحس الجمالي في أشكال وتصاميم هندسية حسية مادية ماثلة للعيان.
6.توظيف خامات البيئة المحلية : فالنقاش الهميمي استخدم خامات مادة الجبس ( الجص) من البيئة العمانية كعنصر أساسي في تشكيل ورسم ونحت نقوشه وزخارفه الفخمة في مجال الديكور والتجميل والتزيين المعماري للعمارة الدينية العمانية ، فقد برز استخدام فن النقش على مادة الجبس في الكثير من الفنون المعمارية العمانية بشكل خاص وفي مجال العمارة في عصور الحضارة الإسلامية المختلفة بشكل عام، ولا تزال تستخدم مادة الجبس في البناء بكثرة وفي صناعة الديكورات في الأسقف والجدران في المساجد والقصور والمنازل حتى يومنا نظرا لخصائصه الجمالية التي يتميز بها عند تشكيله والنقش عليه.
- إبراز القدسية الدينية للمكان: فالمحراب المسجدي في المعمار الإسلامي له مكانة وقدسية دينية خاصة ، فبالإضافة إلى أنه بموقعه في الوسط يفيد في تعيين اتجاه القبلة و في تحديد مكان الإمام عند الصلاة ، فإنه يمثل النقطة الأساسية المركزية للقيادة الدينية في الصلاة لذلك فهو أهم مكان في المسجد لذا كان التركيز عليه من خلال زخرفته واتقان صنعه ابرازا لقيمته المكانية وقيمته المعنوية لدى المسلمين، وذلك يساعد أيضا في تمييزه تمييزا واضحا من قبل المصلين مقارنة بباقي أجزاء المسجد الأخرى، لذا فليس من المستغرب أن يصف النقاش الهميمي المحراب بصفة “المبارك ” في بعض أعماله دلالة على أهمية المحراب الدينية .

- إبراز أهمية الشخصية التي في المحراب : فهناك نقطة جوهرية في أعمال النقاش الهميمي الفنية وهي أنه يذكر في صنعته للمحاريب اسم القائم في المحراب ، وربما يقصد الشخص الذي قام بعمارة المحراب على نفقته أو تحت رعايته ( ممول العمل الفني ) أو أنه يقصد الإمام القائم في المحراب أو أحدا من علية القوم ممن لهم مكانة دينية أو سياسية أو اجتماعية من الذين اعتادوا الصلاة بالقرب من المحراب ، وكلمة أقام تدل على المكوث والمداومة والاستمرارية في ذلك المكان ففي محراب جامع بهلا التاريخي القديم نجد مثلا النص التالي :” وقد أقام في هذا المحراب المبارك الشيخ الفخار ومعدن الحق وذو الوقار أعني بذلك عبدالله بن وهب كفاه الله عذاب النار ” (كوستا، مساجد عمان وأضرحتها التاريخية، ص 264)، ويتكرر اسم عبدالله بن وهب أيضا في كل من محراب مسجد العالي ومحراب مسجد العين بولاية منح ، وعبدالله بن وهب الذي ورد ذكره في محراب جامع بهلا التاريخي القديم : “هو عبدالله بن وهب بن أحمد الأغبري ( ق 10 ه ) الذي كان في ولاية منح ، وله وقف على ذريته كما ورد ذلك في كتاب منهاج العدل للعلامة الفقيه عمر بن سعيد بن عبدالله المعد البهلوي ( ت: 1009 ه / 1600 م )، والذي يتبين من خلال مسألة عن الشيخ أحمد بن مداد ( ق 10 ه ) بأنه وقف لفقراء الأغابرة وللفقراء بشكل عام ” ( الرحبي، الوقف في نزوى، ص 12)، وكذلك نجد أسماء أخرى في محراب مسجد الشرجة بولاية نزوى ضمن النص التالي :” أقام في هذا المحراب المبارك سعيد بن حطاب و سعيد بن عباد ومسعود بن عباد و علي بن محمد يعفو الله عنهم “، أما في محراب مسجد الشراة بولاية منح فنجد أسماء كل من :” الشيخ العالم محمد بن أبي الحسن ، وصالح بن صباح ، والشيخ خلف بن عبدالله بن خلف بن أبي العبد ، وخلف بن بلحسن بن معين” ، وأسماء الشخصيات العمانية التي ذكرها النقاش الهميمي في محاريبه المنقوشة تمثل مجالا خصبا للباحثين لاستكشاف أدوار أؤلئك الرجال في تاريخ عمان الحضاري وهذا الموضوع بحاجة لمزيد من البحث والدراسة.
9.توظيف جماليات الخط العربي : حيث استخدم النقاش الهميمي الخط العربي الجميل في أعماله الإبداعية مما يعكس قيمة الخط العربي ومكانته في ذات وشخصية ووجدان الفنان المسلم باعتبار الخط العربي أحد أسس الحضارة الإسلامية العلمية، ومما يعكس أيضا المعاني الإيحائية للخط ” ويعد الحضور الثابت للشهادة في إفريز المحراب بخط كوفي عريض خاصية تميز محاريب عمان الجبسية المنقوشة ” (السالمي و آخرون ، الفن الإسلامي في عمان ، ص 259)، إضافة إلى كتابة بعض الآيات القرآنية ذات العلاقة بعمارة المسجد في أعلى تلك المحاريب بخط كوفي جميل ، وكذلك بخط النسخ .
- الاهتمام بفكرة التجريب: فالنقاش الهميمي كان يجرب عددا من التركيبات والتقنيات الزخرفية والفنية في محاريبه التي قام بصنعها حتى الوصول لنموذج يمثل شكلا نهائيا في أعماله،” ربما في ظل طلب قوي ، حتى وصل إلى تصميم محراب مسجد الشراة الذي كرره السنة اللاحقة في محراب مسجد الشرجة “( السالمي و آخرون ، الفن الإسلامي في عمان ، ص 252) ، “و اعتمد النقاش الهميمي على عنصر التجريب المتنوع والمختلف من مِحْرَاب إلى آخر، دون الركون إلى صيغة ثابتة؛ ذلك تم دون أن يترك تأثيره الواضح فنيًّا بالمِحْرَاب الأساس في جامع سعال؛ إذ يتمثَّل تأثره واضحا في تمسكه بالضفيرة منحنية الأضلاع، والأثر العام لسطح منبسط مغطَّى بجبس منقوش، لكنه أيضًا استلهم مؤثرات أخرى أسهمت في تغذية موهبته المتميزة، والدفع بها إلى ابتكار اتجاه خاص به في زخرفة المِحْرَاب العُماني، وتبرز سمة التجريب المستمر في العمل، دون الركون لصيغة محددة ثابتة من خلال استخدامه القرميد المقولب في مسجد العالي بمنح المنجز عام 909هـ، ثم ليترك استخدامه في مسجد العين بمنح عام 911هـ، ليعود إلى استخدامه في مِحْرَاب جامع بهلا عام 917هـ”. ( سما عيسى، عبدالله بن قاسم الهميمي روح الفنان وأصالة إبداعه، ورقة عمل).
- إبراز سمة التواضع في الشخصية النفسية : فبمقابل أوصاف التبجيل والتقدير والتفخيم التي يضفيها النقاش الهميمي على من أقام في المحراب ، نجده في الجانب المقابل يصف نفسه بصفات ملؤها التواضع لله مما يعكس جمال السجايا الأخلاقية المنغرسة في نفسه بعيدا عن صفات الكبرياء والغرور النفسي، فنجده مثلا في مسجد العالي بولاية منح يصف نفسه بكل تواضع ما نصه:” عمل هذا المحراب العبد الفقير الراجي رحمة ربه وغفرانه عبدالله بن قاسم بن محمد بن هميمي المنحي كتب خطه بيده” ، وكذلك نجد تلك السجية النفسية الحميدة حاضرة أيضا في كتابته في مسجد العين في ولاية منح.
- التأثير النفسي للمحراب : فالمحاريب الجميلة التي قام بصنعها النقاش الهميمي ذات حس جمالي مرهف له تأثير نفسي إيجابي على نفسية من يشاهدها ويمعن النظر و التأمل فيها ، ويعكس التأثير النفسي (السيكولوجي ) المتبادل بين المحراب وصانعه من جهة باعتبار المحراب مكون مادي ناتج عن تأثير نفسي داخلي إيجابي بشري في نفسية صانعه ، وكذلك يعكس من جهة أخرى التأثير النفسي للمكون المادي ( المحراب ) على نفسية صانعه وكذلك على نفسية القائمين في المسجد مما يعطي أبعادا ذات دلالات سيكولوجية جديرة بالتفكر والتأمل.
13– الاهتمام بالتوثيق والتدوين التاريخي: تتميز محاريب المساجد التي قام بتصميمها النقاش الهميمي باهتمامه بتوثيق معلومات مهمة تتعلق بصناعة المحراب كنوع من أنواع التوثيق والتدوين التاريخي ، وطريقة توثيقه في المحاريب التي قام بتصميمها بشكل عام تتبع التسلسل التالي كما نلاحظ ذلك جليا على سبيل المثال في نموذج توثيق صناعة محراب جامع بهلا التاريخي القديم:
- توثيق شخصية من أقام في المحراب .
- توثيق اسم صانع المحراب .
- توثيق تاريخ صناعة المحراب اعتمادا على التاريخ الهجري.
ختاما حاولت هذه الصفحات تناول السيرة الذاتية للنقاش العماني عبد الله بن قاسم بن محمد الهميمي، الذي يعد أحد رواد تجديد الفن المعماري في عمان في مجال العمارة الدينية الذي خلد فنه من خلال مدرسته المعمارية الفنية الفريدة في صناعة محاريب المساجد في عمان ،والتي بقيت وستبقى شاهدة على أصالة الفن المعماري العماني الإسلامي الخالد وعظمة الإنسان العماني في مجال العمارة الدينية كجزء أصيل من إسهامات العمانيين في مجال الفن الإسلامي في العالم .
المصادر والمراجع: *
أولا: المراجع المطبوعة: *
1- د. ايروس بلدسيرا (الطبعة الأولى 1414 ه – 1994 م )، الكتابات في المساجد العمانية القديمة ، ، وزارة التراث القومي والثقافة ، مسقط .
2- باولوم م – كوستا ( 1427 ه / 2006 م )، مساجد عمان وأضرحتها التاريخية ، ترجمة : د . عبد الله الحراصي – وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ، مسقط .
3- الرحبي ، خالد بن محمد بن عدي، (الطبعة الأولى 1440 ه /2019 م)، الوقف في نزوى وأثره في الحياة الثقافية والاجتماعية ، جامعة نزوى .
4- د. زكي محمد حسن ، الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي ،الطبعة : 2018 م ، وكالة الصحافة العربية ( ناشرون) ، الجيزة، مصر.
5- السالمي ، عبدالرحمن و هاينز جوبي ولورنز كورن ( 2014 م )، الفن الإسلامي في عمان ، ترجمة : د. هلال بن سعيد الحجري ، وزارة التراث والثقافة ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط.
- محمد بن الزبير ،( الطبعة الأولى ، ديسمبر 2013 م) ، رحلة عمان المعمارية ،باز للنشر ، مسقط.
7- مجموعة من الباحثين، الموسوعة العمانية ، المجلد السابع ( ع-غ)، مدخل: عبدالله بن قاسم الهميمي ، ص 2394 إلى ص 2396 و ص 3726)، مدخل : العمارة التقليدية ، قسم العمارة الدينية:( ص 2543 و ص 2544)، الناشر: وزارة التراث والثقافة، الطبعة الأولى 1434 ه/2013 م ، مسقط.
* ثانيا: المواقع والروابط الالكترونية:
1- سما عيسى ، عبدالله بن قاسم الهميمي روح الفنان وأصالة إبداعه ، مجلة شرق غرب ( جغرافية ثقافية)، العدد 20 ، 21 أكتوبر 2019 م ، ورقة مقدمة ضمن إحتفائية المركز الثقافي بنزوى ، ضمن سلسلة ندوات فكرية من “أعلامنا” عبدالله بن قاسم الهميمي ،منشورة على الرابط:
https://sharqgharb.net/abdallh-bn-qasm-alhmeme-rwh-alfnan-wassaltt-iebdaah/
2- مقال بعنوان:” الباحث الإيطالي: ايروس بلديسيرا يقرأ الآثار العمانية”، مجلة نزوى ، 1 أكتوبر 2000م ، على الرابط :
3- إبراهيم العراقي ،القصر العباسي في بغداد ،على الرابط :
https://www.youtube.com/watch?v=LJdmIC18PNk-
4- توثيق لعدد من صور محاريب المساجد في عمان على الرابط :
http://clivegracey.squarespace.com/medieval-omani-prayer-niches
