سكينة حسين علي
تعود بي الذكريات لتاريخ ١٠ يناير ٢٠٢٠ الموافق يوم الجمعة، سبحانك ربي رغم أن الأيام كلها أيامك لكن الغصّة التي أصابت القلب في هذا اليوم كانت كثقل الجبال على الروح.
الشعب مطمئن بعد البيان الصادر من ديوان البلاط السلطاني يوم الثلاثاء ٣١ ديسمبر ٢٠١٩ فسلطانه بخير، لكن العجيب أن الوقت كان يمر بطيئا، وفي الساعة ١٠ مساءً، أنهينا وجبة العشاء لنلتقي ببعض الأحبة، وكان محور حديثنا ذلك اليوم المعفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه”.
القلب تصيبه انقباضات غير معروفة السبب، ويشعر بحالة وجوم تزيد كلما زاد عدد المشاركين لصورة السلطات على حالات الواتس آب ومواقع التواصل الاجتماعي.
عدنا للمنزل، وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل وردني اتصال، أحسست بقلبي قفز من محرابه ليتفقد صاحب الاتصال وسببه في هذا الوقت المتأخر جدا، كان رقم صديقة العمر يسطع على هاتف جوالي.
كان صوتها مبحوحا بكلمات مختصرة، قالت لي أن الوضع في الخارج عجيب، الجيش وأفراده -حفظهم الله- يملؤون شوارع مسقط، أجبتها “اللهم اجعله خيرا يا رب».
أخبرت زوجي وقررنا الخروج لنرى ماذا يحدث، ترددت في البداية لكن إحساس في داخلي غير طبيعي جعلني أصر على الخروج، إحساس الفقد أرضخني للخروج.
خرجنا.. الساعة تشير لـ٢:٤٠ بجانب الجامع الأكبر فور وصولنا ذهلت وصُدمت. أحسست بأن الشوارع أصبحت ضيقة لا تتسع لي، شهقات دموع وصياح وبكاء. يحاول زوجي تهدئتي بشتى الطرق، قد تكون حالة طارئة بسبب الأوضاع الحالية في العالم، قد و قد و قد، قلت له: “إن سلطاننا لا يحب أن يدخل في النزاعات، ولا نحن دولة تحشد جيشها وأفراده من أجل ما يحدث حوالينا، ولا نحن شعب تعود أن يرى هذا المنظر، فسلطاننا طوال الخمسين عاما الماضية وفّر لنا سبل الأمن والأمان بأكمل المعاني”.
دقات القلب تتزايد، لكن لا خبر أكيد.
في مكان بالخلف كانت تقف رفيقة الدرب مع زوجها، في صمت تام ركبوا معنا في السيارة، الكل يحاول تبرير ما نراه بأي شي، زوج صديقتي قام بتثبيت قناة الإذاعة العمانية، وبشكل لا إرادي توجه زوجي لقصر بيت البركة، الطريق بكامله كان مليئا بأفراد الجيش والشرطة والقوى الأمنية والمدرعات، المنظر رهيب ومهول، ينبئ بأن فاجعة ما في طريقها إلينا، فأنا طوال حياتي لم أر مثل هذا المنظر.
اتصلت بوالدتي لأخبرها عما أراه، ولأني لم أر دموع أمي إلا ما ندر فلا أعلم لماذا بدأت بالصياح والبكاء وكأنها أحست أنه ذهب عنا و لن يعود.
الساعة الرابعة فجرا، صوت المذيع في إذاعة سلطنة عُمان يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةَ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة.. بيان من ديوان البلاط السلطاني.
فقط سمعت حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد وبعد هذه الكلمات لم أع ما حصل من هول ما سمعت.
بمجرد سماع الآية استرجعت شريط ذكرياتي منذ ولادتي ليومي هذا.
بابا قابوس، السلطان المتواضع، ذو الخلق الرفيع، البعيد عن التفرقة والنزاعات، صاحب الحكمة والحنكة، طلّته التي تردّ لنا أرواحنا، تفاخري عند سفري حينما يسألون: من أي دولة أنت؟ من عُمان بلاد قابوس.
في غمضة عين مرّت عروضه العسكرية أمام عيني، المهرجانات الطلابية التي شاركنا ببعضها، الأناشيد الوطنية، قابوس قبس من نور، “يا طيرة طيري طيري.. سلمي لي على سيدي”.
دمت يا فخر الزمان ولن ننساك، كيف ننسى من علمنا معنى التسامح وأن نعيش بلا حقد ولا أضغان؟
عدنا للمنزل، كانت الساعة ٦:٣٠ صباحا، الدموع تأبى التوقف، الروح منهكة من وقع الخبر، لكن كيف مرت السويعات تلك؟ لا أدري، تتسارع الأحداث: إعلان الوفاة ثم فتح الوصية، الصلاة عليه وأخيرا مراسيم الدفن.
رحلت يا رجل السلام بكل سلام، يتّمتنا وتركتنا في ليالي الشتاء الباردة الطويلة نبكي ونسهر الليل في ذكراك.
كنت نعم الأب الذي رتّب أمور شعبه في كل صغيرة و كبيرة، فرحمك الله يا قابوس عُمان وسنبقى نحن أبناءك على عهدك ماضون بالولاء والطاعة لسلطاننا الذي اخترتموه لنا السلطان هيثم بن طارق حفظه الله، وسنكمل معه يدا بيد مسيرتك وستبقى عُمان كما أردتها أن تكون دائماً حرة أبية سالمة و مسالمة.
ابنتك التي لن تنساك لآخر رمق: سكينة حسين علي
