محمد المبارك خالد التيرابي
محاسبة النفس أو مراقبة الذات في آخر اليوم وفي كل يوم، هو ما دأب عليه معظم الأفراد في شرق آسيا، إذ لا تمرُّ الأيام -بل ولا الساعات عندهم- مروراً اعتباطيًّا وعفويًّا، فالبرمجة وحب النظام والصبر على المِراس وتقدير قيمة الوقت قبل فوات الأوان، أمور لا غنىً عنها في تلك الأصقاع البعيدة.
أذكر أنني سافرت إلى ماليزيا لأول مرة عام ١٩٩٦م ، وكان يجلس بجانبي في الطائرة شاب ماليزي في مقتبل العمر كان يقرأ تقريباً طيلة الرحلة الطويلة الشاقة من الشرق الأوسط، على عكس بقية القوم تماماً، وكان لا يتكلم معي إلا قليلاً أو رمزاً! وقد سألني ذات مرة: “ما هو برنامجك في ماليزيا لمدة أسبوع من الآن؟” ولشد ما هالَهُ أن ليس لديّ برنامج واضح وإنما أكاد أسير على غير هدىً!!! فما كان منه إلا أن ذكر لي أن والديه كانا يشددان معه منذ السابعة من عمره تقريباً على برمجة يومه ووقته… أي ماذا ينبغي أن يفعل صباحاً وضحىً وعصراً ومساءً على مدار اليوم؟!!
كما حدثني عن الدراسة النوعية ذات المردود النافع والمباشر في المدارس عندهم التي لا تعتمد على السرد والكم فقط، بل تسعى لتنشيط العقل من خلال نوع من المشاركة والتدريب المبسَّط الذي يُذكي الذاكرة بإعمال الفكر ويرفع من درجة الاستيعاب من خلال التطوير الإبداعي الذاتي بالمجهود الشخصي الموجَّه بعناية وحذر، وبعيداً عن الدراسات التلقينية فقط!!! وأنه كيف كان يحاور معلميه في هدوء وأدب جم بغية الاستزادة القصوى من تجاربهم الثرَّة وطرائق التدريس التطبيقية لديهم غير المكررة وغير المُمِلَّة والمُعِلَّة!
كان معظم حديثه غريباً على مسمعي بل كان صاعقاً، إذ نحن لم نعتد على ذلك في مدارسنا… لا برمجة ولا تثبُّتاً ولا تخطيطاً استراتيجياً قريباً أو بعيد المدى!!! ولا محاسبة للذات في آخر اليوم ولا حتى في آخر العام!!! فالدراسة عندنا في كثير من البلاد العربية ما هي إلا كمٌ تراكمي من المعلومات التي ينسى الدارس معظمها في آخر المطاف(عند تخرجه مثلاً) ولا يُطبق القليل مما يذكره منها -في حياته العملية- (إلا نذراً محدوداً)!!!
والغريب أن القيِّمين على الأمر عندنا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً طالما هنالك وفرة وكثْرة كاثرة في مستلزمات التعليم ووسائله المرصوصة رصًّا… بعيداً عن الانتقائية والمراقبة الذاتية في ظل إعجاب كل ذي رأي برأيه، ومن غير تحقيق لمبدأ الشورى يتقاسم فيها الكل الرؤى ويستدعون النظر والتدبير، ويتنازلون ويتواصون بالصبر والحكمة، بمنأىً عن التنظير لمجرد التنظير وحسب!!!
فلا عجب ان ارتقت دول في شرق آسيا مكاناً عليًّا في شتى ميادين الإبداع التعليمي والقيادي والإداري والاقتصادي الذي قادهم الى التنمية الراسخة والباهرة تلك التي تبدو ماثلة للعيان في كل شيء حولهم… كنتاج لتهيئة الشعوب منذ نعومة أظافرها لحب النظام والإتقان والتخطيط والبرمجة المدروسة مسبقاً والتي يعود نفعها على الجميع واقعاً ملموساً غير منقوص بمنأىً عن الجعجعة والتخبط في وهمٍ واهم يظل يراوح مكانه ردحاً طويلاً من الزمن!!!
ولهذا تعكف بعض الدول “بطيئة النمو” والأخرى “عديمة النمو” على دراسة ونقل التجارب الرائدة لتلك الدول التي تعرف بالنمور الإقتصادية الوثَّابة من خلال ابتعاث أبنائها لها من المتميزين من الدراسين والخبراء ليستفيدوا ويفيدوا بالمقارنة والموازنة… بالجديد والمفيد… بالرأي الآخر والأسلوب الآخر، وبنَفَسٍ هادئ يتمشى مع طبائع شعوب شرق آسيا في التعامل الرزين الذي يؤمن بالتلطُّف والتفضُّل، والقول الليِّن، وبراعة الاستهلال، وحسن التقديم ولباقة التنازل والاعتذار، وغير ذلك ليتسنى للطموحين اللحاق بركبهم -على الأقل- في شتى الميادين والتخصصات، إن لم يستطيعوا تجاوزهم!!!.
خبير استشاري في الإعلام التطبيقي والتطوير الذاتي والمؤسسي بخبرات دولية
taheel22@gmail.com
