إبني المراهق يكذب.. فما هي الأسباب؟

الكاتب: حسن بن عبد الله العجمي

 

تعد ظاهرة كذب المراهقين من أهم المشاكل التي يواجهها الآباء والأمّهات، فهي ظاهرة غير مقبولة، ومشكلة شائعة، تعاني منها أغلب الأسر.

وتوجد عند أغلب الآباء والأمهات قلقًا وانزعاجًا، وذلك لأنّ الكذب خلقٌ محرّمٌ في الدّين، وخصلة سيئة تشوّه صورة الفرد عند الآخرين، وتضعف من ثقتهم به، ولخوفهم من تجذّرها في نفوس أبنائهم، ومن أنْ يكون ذلك سببًا لبداية عهد من الانحراف والضياع، وفاتحة لتخلّقهم بغيرها من الخصال السيّئة. فقد “وجد الباحثون في جرائم الأحداث بنوع خاص أنّ من اتصف بالكذب يتصف عادة بالسرقة والغش، ولا غرابة في هذا إذا علمنا أنّ هذه الخصال الثلاث تشترك في صفة واحدة وهي عدم الأمانة، فعلى حين أنّ الكذب هو عدم الأمانة في وصف الحقائق، نجد أنّ السرقة هي عدم الأمانة نحو ممتلكات الآخرين، وأنّ الغش هو عدم الأمانة في القول أو الفعل بشكل عام” (1).

وأمّا دوافع الكذب عند المراهق فعديدة: منها تعوّده عليه منذ أنْ كان طفلًا صغيرًا لوجود القدوة السيّئة في حياته، فالطفل بغريزته يميل إلى تقليد غيره، فلديه قدرة عجيبة على المحاكاة، فهو يعتقد أنّ ما يفعله الكبار صحيح لا سيما والديه لأنّهما في نظره أكمل النّاس، فإذا كانا ممن يمارس الكذب في حياتهما اليومية، فإنّ الصغير يحذو حذوهما ويقتدي بهما، فيمارس الكذب مثلهما، وإنْ لم يعالج هذا السلوك فربّما يبقى معه إلى سنّ المراهقة، بل قد يتجذّر في النّفس بالتكرار إلى أنْ يصل الحال به إلى مرحلة يصعب معها علاجه من هذا الداء الوبيل، فـ “من استحلى رضاع الكذب عسر فطامه”. فالأبوان قد يكونان السبب في تخلّق أبنائهما بالأخلاق الفاسدة وممارستهم للسلوكيات المنحرفة كالكذب وغيره إذا كانا يمارسان تلك السلوكيات والأخلاق بمنظر وعلم من الأبناء، فالخطأ إذًا هو خطؤهما لأنّهما جعلا من نفسيهما قدوة سيئة لأبنائهما.

وقد لا يلتفت بعض الآباء والأمهات إلى أنّهم ببعض تصرّفاتهم يُلجئون أبناءهم أحيانًا إلى الكذب، ومن هذه التصرّفات مثلًا ما يقوم به الأب أو الأم من عمل الواجب المنزلي المكلف به الابن نيابة عنه، وعندما يكتشف المعلم ذلك ويسأل الطالب هل أنّه هو بنفسه من عمل الواجب أم غيره، فإنّ هذا الطالب يكذب، ويزعم بأنّه هو من فعله خوفًا من العقاب الذي قد يتعرّض له من قبل معلمه إنْ أخبره بالحقيقة. لذا فعلى الوالدين أنْ يلتفتا جيّدًا إلى سلوكياتهما لكي لا تكون موجبًا لارتكاب أبنائهما لسلوكيات وأخلاقيات فاسدة وتفضي إلى تخلّقهم بها.

وكذلك قد تكون ممارسة المراهق للكذب بسبب تأثره برفقائه وأصحابه إذا كان منهم من هو متصف بالكذب، لما هو معلوم من تأثر الرّفيق برفيقه والصاحب بصاحبه، فالرّفقاء والأصحاب يكتسب – في العادة – بعضهم من طباع بعض، ويتأثر كل واحد منهم بسلوكيّات الآخر، وفي هذه الصورة على الوالدين أنْ يوجّها أبناءهما إلى الابتعاد على الاختلاط بالأشخاص المنحرفين سلوكيًّا وعدم اتخاذهم أصحابًا ورفقاء.

ومنها الجهل بأضرار الكذب، فمن يجهل أضرار سلوكٍ أو تصرّفٍ ما فاحتمال ارتكابه له واردٌ جدًّا، بعكس ما إذا علم بها فإنّ احتمال الامتناع عنه كبير جدًّا أيضًا. فعلى المربين من الآباء والأمّهات أنْ ينفّروا أبناءهم عن الكذب، وأنّه سلوك محرّم وغير جائز، ويؤدّي إلى سخط الله سبحانه وغضبه، وببيان ما له من آثار سلبيّة أخرى على الفرد كسوء السمعة وعلى المجتمع كفقدان أفراد المجتمع الثقة ببعضهم البعض التي بانعدامها تتعطل الكثير من المصالح بينهم.

وقد يكون بدافع الانتقام، حيث يقوم المراهق – كما يحصل أحيانًا – ونتيجة للغيرة أو الحسد أو غيرها باتّهام الغير بما يترتب عليه توجيه العقاب إلى ذلك الشخص المستهدف بالاتهام، أو يفضي إلى سوء سمعته، أو يلحقه بسببه غير ذلك من صور الانتقام.

أو يكون بسبب دفع مضرّة عن النفس أو جلب مصلحة لها، والكذب من أجل هذين السببين يعدّ من أكثر أنواع الكذب شيوعًا، ليس عند المراهقين فحسب، بل أيضًا عند غيرهم من الفئات العمريّة الأخرى، فيلجأ المراهق إلى الكذب دفعًا لضرر يحتمله كالعقاب مثلًا بسبب ممارسته لنمط من السلوك المنحرف أو غير المقبول عند من له القدرة على توجيه العقاب له كالوالدين والمعلم مثلًا. فإنّ بعضًا من الطلبة والدّارسين من المراهقين إذا تأخر عن حضور المحاضرة أو الدّرس، وبما أنّ سبب تأخره قد لا يكون مقنعًا فإنّه يختلق عذرًا يعلم بأنّه يكون مقبولًا حتّى لا يتعرّض للعقاب الذي قد يكون الحرمان من حضور الدّرس أو غير ذلك من صنوف العقاب الذي يوجه من قبل المعلم أو إدارة المدرسة أو الجامعة لمن يمارس هكذا سلوك. أو يمارسه إذا أراد أن يجلب مصلحة لنفسه لا يمكنه الحصول عليها إلاّ بممارسة الكذب، أو أنّه بالكذب قد يحصل عليها بسهولة أو في مدّة قصيرة مثلًا.

وهناك أسباب ودوافع أخرى، ولكن جميع ما ذكرناه منها وما لم نذكره هي أسباب لم تكن لتؤثر لولا ضعف الوازع الديني عند المراهق، فضعف الوازع الديني هو الضوء الأخضر لكل سبب وباعث لممارسة الكذب، وأمّا من يمتلك وازعًا دينيًّا قويًّا بحيث تكون لهذا الوازع القدرة على مواجهة النفس وشهواتها والشيطان ووساوسه فلن يلجأ إلى الكذب؛ وذلك لأنّ المنطلق الأساس لكل مخالفة شرعيّة أو سلوك منحرف هو النّفس والشيطان، فإذا وجد في داخل الإنسان ما يمنعه عن الاستجابة إليهما في كل ما يأمرانه به أو ينهيانه عنه مما يعد انحرافًا ومعصية سواء أكان قولًا أو فعلًا فإنّه غالبًا ما سيكون بمنأى عن ارتكاب شيءٍ من ذلك.

ولا بدّ أنْ يكون مبدوء غرس الوازع الديني في نفوس الأبناء في بدايات حياتهم، في تلك المرحلة التي تلي مرحلة الطفولة المبكّرة، وبالتحديد في الفترة التي يعي الطفل فيها لما يلقن به ويقال له، ويتم ذلك بالاهتمام بالجانب الرّوحي، وهو ما يعرف بالتربية الرّوحيّة أو الإيمانيّة، فعلى الوالدين أنْ يهتمّا اهتمامًا بالغًا بتربية أبنائهم روحيًّا، بالقيام بكل ما من شأنه أنْ يؤدّي إلى تهذيب نفوسهم، من غرس العقيدة الصحيحة في نفوسهم، وتعليمهم الفرائض وكيف يؤدّونها صحيحة وفق الكيفيّة المطلوبة شرعًا، وما عليهم من حقوق وواجبات وحثّهم على الالتزام بها، وأمرهم بالتّحلي بالأخلاق الفاضلة الحميدة، وتشجيعهم على التخلّق والتعامل بها، وتحذيرهم من كلّ خلقٍ وسلوكٍ سيء، وتنفيرهم من ارتكاب المعاصي  والمخالفات الشرعيّة، وخلق حس الشعور بالرّقابة الإلهية في نفوسهم فيعلموا أنّ كلَّ تصرّف يصدر منهم هو معلوم ومنظور من قبله الله جلّ شأنه، وأنّهم سينالون جزاء أعمالهم إنْ خيرًا فخير وإنْ شرًّا فشر.

 

المصادر:

(1) حمزة الجبالي، مشاكل الطفل والمراهق النّفسيّة صفحة 106.