أيام رمضام (اليوم الرابع والعشرون).. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ

بدر بن سالم العبري

 

بعدما تطرقت الآية كما في اليومين السّابقين إلى الرّفث واللباس؛ يأتي الحديث هنا عن الاختيان، والاختيان من الخيانة، والخيانة عكس الأمانة، يقول محمد سيد طنطاوي ت 2010م في تفسيره: قال الراغب ت 502هـ: الاختيان مراودة الخيانة، ولم يقل تخونون أنفسكم لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان، فإنّ الاختيان تحرك شهوة الإِنسان لتحري الخيانة، وذلك هو المشار إليه بقوله – تعالى – :  إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء[1]، والمعنى : علم الله – تعالى – أنّكم كنتم تراودون أنفسكم على مباشرة نسائكم ليلا، وعلى الأكل بعد النوم، قبل أن يظهر الفجر الصادق، بل إن بعضكم قد فعل ذلك، فكان من رحمة الله بكم أن أباح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصوم، وأن قبل توبتكم وعفا عنكم، أي: محا أثر ما فعلتموه من الأكل والجماع قبل أن يأذن لكم بذلك.

بينما يرى سيد قطب ت 1966م في ظلاله: وهذه الخيانة لأنفسهم التي يحدثهم عنها، تتمثل في الهواتف الحبيسة، والرغبات المكبوتة؛ أو تتمثل في الفعل ذاته، وقد ورد أنّ بعضهم أتاه . . وفي كلتا الحالتين لقد تاب عليهم وعفا عنهم، مذ ظهر ضعفهم، وعلمه الله منهم.

وهناك من يرى أنّ الاختيان أشد من الخيانة أو العكس.

ويذكر المفسرون هنا رواية عن معاذ بن جبل ت 18هـ قال: كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا تركوا الطعام والشراب وإتيان النساء، فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة[2] يعمل في أرض له، قال: فلما كان عند فطره نام، فأصبح صائما قد جهد، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما لي أرى بك جهدا! فأخبره بما كان من أمره، واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله “أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم”، فمفاد هذه الرواية أنّ الاختيان متعلق في أمر النساء.

بينما هناك رواية أخرى تجمع أنّ الاختيان لم يكن في النساء فحسب؛ بل حتى في الطعام، وهي رواية ابن عباس ت 68هـ في قول الله تعالى ذكره: “أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم”، وذلك أنّ المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إنّ ناسا من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب ت 23هـ فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: “علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن” يعني انكحوهن، “وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر”.

ونجد أنّ الرّوايتين تتفقان في امتداد الحرمة من بعد النوم حتى غروب اليوم التالي ولو استيقظ قبل طلوع الفجر، إلا أنّ الرواية الأولى ترى الاختيان أقرب إلى الميول النفسي، بينما الثانية تذكر إتيان الفعل، وبغض النظر عن صحة وقوعه عن عمر، وكذلك أيضا رواية ابن عباس لا تقصر على الجماع فقط بل تعم حتى في الأكل والشرب، وهذا ما سنراه في اليوم التالي.

وبعيدا عن هذه الروايات نعيش مع سياق الآيات، فالله تعالى يقرر طبيعة في الإنسان وهي رغبته في التمتع بالحياة من أكل وشرب وجماع، وهذا شيء طبيعي فطري، وجاء الصيام كما أسلفنا في الأيام الأولى تربية لهذا الإنسان ليمتنع عن مباحات فترة من الزمن في أيام معدودة، إلا أنّ هناك محرمات في الأكل والشرب والجماع فيما نهى الله عنه طول وجوده في الحياة، والحياة أيضا أيام معدودة، فيتعود الإنسان على دربة الامتناع عن الحلال في رمضان ليعتاد على ذلك بعد رمضان في غير الحلال.

ولعل – والله أعلم – تصور البعض أو كان ظاهرا بينهم آنذاك وفقا للثقافة اليهودية أنّ الجماع لا يصح أبدا في رمضان لا في ليله ولا نهاره، فشق عليهم، من هنا جاء التصحيح القرآني في رفع هذا عن الأمة وتصحيح ما ينهى ويباح في الصيام.

وعليه أنّ الصحابة كغيرهم من البشر  لهم شهوات بشرية، فهم ليسوا ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولهذا بدأ الله بالآية: علم الله، لبيان أنّ هذه طبيعة بشرية، وهي المخالفة، لذا أمرنا الله بتزكية النفس، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[3].

وختم الله الجزء بقوله: فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ، لعلمه أنهم بشر، والمعصية أو القرب منها طبيعة بشرية، خلقهم الله في شهوات، وأمرهم بتزكية النفس، فمن تاب كمن لم يرتكب شيئا.

وهذه تربية حضارية للماضي والحاضر في التعامل البشري، أما الماضي فالناس كانوا بشرا مثلنا، ومنه الصراع الذي حدث بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء تماما بشر، وتأريخهم تأريخ بشري مطلق، فنحن ندرسهم كبشر، ولا ينبغي دراستهم كملائكة، أو نجعل من أنفسنا أوصياء في محاسبتهم ومعرفة الناجي والخاسر منهم، فنلعن من نشاء، ونترضى عمّن نشاء، فهذا بيد الله تعالى، وما جاءت من روايات غيبية في وصف بعضهم من أهل الجنة أو من أهل النار، فهذا لا يعلمه إلا الله تعالى وحده، ولم يكلفنا به، فلا ينبغي أن نلتفت إليها أو نتصارع حولها.

كذلك في الحاضر سواء على النفس أو المجتمع، فنفسك ترتكب الخطايا، فتعامل معها بلطف في تزكيتها، واعلم أنّ خالقها تواب غفور، فاعطها الأمل كما تسعى في تزكيتها قدر طاقتك، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

أما بالنسبة إلى المجتمع فهناك أتقياء فيه وهناك خطاؤون، ولا يعلم حقيقة التقي إلا الله تعالى، ولا يزكي أحد نفسه، فلا يجوز البحث عن خطايا الآخرين، والنظر إليها كبيرة، بينما أخطاؤك تراها صغيرة، فترى القذة في عين أخيك كبيرة، والشوكة في عينيك صغيرة، وهنا يعلمنا الله أن نفتح قلوبنا لغيرنا، ولو فعلوا عشرات الخطايا، وأن نسعى جميعا صلاحا وتزكية لأنفسنا وإخواننا في المجتمع.

وهذا ينطبق في التعامل البشري بين الأب وأولاده، والحاكم ورعاياه، والله تعالى يضرب مثلا رائعا، فكم من حكام أقصوا من نقدهم وخالفهم، وزجوا بهم في السجون، وشردوهم في الأرض، فنبتت جماعات متطرفة، أكلت ألأخضر واليابس، وكم من حكام العكس فتحوا قلوبهم لمن خالفهم، فجمع الله بهم في صلاح وطنهم وأمتهم.

ثم إنّ الاختيان أمر بشري، ولينشغل الواحد بنفسه ويزكيها، ورمضان فرصة تربوية لتزكية النفس وتقويمها، ذاتيا وأسريا ومجتمعيا.

 

[1] يوسف/ 53.

[2] أبو صِرْمَة بن قَيس الأَنصارِيّ المازني، مِن بني مازن بن النجار، وقيل: من بني عَدِيّ بن النجار، وقيل: اسمه مالك بن قيس، شاعر وأديب من أهل المدينة، لا يعلم تاريخ وفاته.

[3] الشمس/ 8-10.