الرّحلة إلى شيكاغو (الحلقة العاشرة)..اليوم الأخير للمؤتمر وسياحة سريعة مع زيارة لشهود يهوه

بدر بن سالم العبري

في السّاعة السّابعة والنّصف يوم الأحد 19 أغسطس ذهبنا إلى نزل المؤتمر لتناول وجبة الفطور مع المشاركين بداية، ثمّ لحضور اليوم الأخير، حيث كانت الجلسة في التّاسعة والنّصف صباحا، وأدار الجلسة السّيد عمرو حسني، وافتتحها بمحاضرة أخته الدّكتورة سوسن حسني الهاديّ، مديرة مؤسسة بديع، ورئيسة قسم اللّغات الشّرقيّة سابقا في جامعة كانتبري في نيوزيلاندا.

“والدّكتورة سوسن خريجة الدّفعة الأولى من الفتيات من جامعة الأزهر، بعدها حصلت على الماجستير في اللّغة العربيّة، ودرّست هذه اللّغة لمدة أربعة عقود في مصر والإمارات والسّودان والصّين ونيوزيلندا، وأخيرا في بريطانيا”. [موقع هس بريس على الشّبكة العالميّة].

“تحدّثت عن كتابها الصّادر عن دار زحمة كتاب للثّقافة والنّشر، والّذي بعنوان: رحلتي من الإيمان إلى الإيقان، تحكي قصّة أسرة بهائيّة مصريّة تعرضت للاعتقال هي وزوجها في فبراير 1985م، مع تسعة وأربعين بهائيّا، وإحدى عشر امرأة، وضُبِطَت كتب دينيّة بهائيّة لديها اعتبر دليل إدانة، وتمّ ترحيل النّساء إلى سجن القناطر، والرّجال إلى سجن الاستئناف، ووجهت إليهم تهمة قلب نظام الحكم، وبينت أنّ الحكومة المصريّة قبل عام 1952م أعطت الحريّة للبهائيين في مصر، فكان لهم دار نشر لمطبوعاتهم، وخصصت لهم مدافن خاصّة، وكان يرسل الملك مبعوثا خاصّا لحضور الاحتفالات البهائيّة في حيّ العباسيّة بالقاهرة، لكن تغير الحال بعد ثورة اثنين وخمسين، ووصول جمال عبد النّاصر [ت 1970م] إلى الحكم، فصدر قرار 1960م بحلّ المحافل البهائيّة ومراكزها ومصادرة أملاكها، وحظر ممارسة الطّقوس”. [للمزيد ينظر: كتاب رحلتي من الإيمان إلى الإيقان، وموقع مجتمع على الشّبكة العالميّة].

وبطبيعة الحال الدّكتورة أرخت لمعاناتها ومعاناة جماعتها من البهائيين، واستمعنا لطرفها ولم نستمع إلى الطّرف الآخر، وسبب الاعتقالات والتّهميش، فيبقى في دائرة الخبر.

وأنا عقبت على قضيتين: الأولى العنوان، وهو رحلتي من الإيمان إلى الإيقان، فهل الإيقان هنا اليقين، أم الإيقان كتاب الإيقان للبهاء حسين عليّ النّوريّ [ت 1892م]، وهو الكتاب الثّاني بعد الأقدس من حيث رتبة المقدّس عند البهائيين، فإن كان الأول فلا يستقيم المعنى؛ لأنّ الإيمان تصديق، وهو من ثمرة اليقين، إلا إذا يقصد بالإيمان الإسلام، وإن كان الثّانيّ فكذلك غير منضبط أيضا، إلا إذا كان الأمر درجات الإيمان بهذه الدّيانة، بداية من التّصديق وصولا إلى درجة اليقين والاطمئنان.

والتّعقيب الثّاني وهو قضيّة التّبشير، حيث أنّ غالب الدّول العربيّة والعديد من الدّول الأخرى ترى أنّ التّبشير بدين جديد أو مذهب أو فكر مخالف لما عليه المجتمع؛ تراه تهديدا للسّياج المجتمعيّ، وهو بذاته تهديد للأمن القوميّ، فضلا إذا ارتبطت الدّيانة أو المذهب بولاءات خارجيّة، أمّا الممارسة الفرديّة بدون تبشير من حيث أصل الإيمان والاقتناع بدين أو فكر أو مذهب فهذا غير مجرّم، وهو حريّة شخصيّة، إلا إذا اقترن بالدّعوة والتّبشير، فهنا – حسب علميّ – تكون المسائلة، وقد يكون التّجريم، من باب حفظ السّياج المجتمعيّ العام الّذي استقر عليه هذا المجتمع.

أمّا التّعقيب الأول فقد طرح، والتّعقيب الثّاني لم يطرح؛ لأنّ التّعقيب في المؤتمر يكون مكتوبا في ورقة صغيرة لا تحدّثا!!

عموما كانت بعدها استراحة لربع ساعة، وهنا استثمرت الوضع في توقيع كتابين للدّكتورة، الأول الكتاب المذكور، والثّاني كتاب جنّة الكلمة الإلهيّة، دراسة في الكتب المقدّسة، والثّاني بالاشتراك مع عبد العزيز الهاديّ، من طبع دار السّاقيّ، وكان توقيعها: أدعو الله أن يجمعنا في ظلّ الكلمة الإلهيّة يوم لا ظلّ إلا ظلّه.

ثمّ بدأت الجلسة الثّانية في السّاعة الحادية عشرة، وكانت حلقة نقاش بعنوان الوحدة في التّنوع، بإدارة السّيد عمرو حسنيّ، حيث كانت كلمة أخيرة عن الموضوع للمحاضرين: السّيد سمندريّ هنداويّ، والسّيدة نهى كرمستجيّ، والسّيد مريوان النّقشبنديّ، والدّكتورة ناديا بو هناد، والدّكتورة سوسن حسنيّ.

وختاما كانت كلمة الشّكر وتأملات المشاركين، وختام المؤتمر، ثمّ ودعنا الجميع، وهنا كنت مع أسرة عراقيّة، جاءت إلى أمريكيا منذ فترة طويلة، ولا يعرفون العربيّة، وهم كبار في السّن، ولما تشاهد الرّجل في لباسه كأنّك ترى الهنود الحمر في الأفلام، وهو رجل لطيف جدّا، فتحدّثنا طويلا عن الهنود الحمر، فقال ما شاهدته في الأفلام ليس صحيحا في أغلبه، حيث يقومون بتشويه صورتهم، وتصويرهم بالسّذج والبربريّة الّذين لا يبالون بقانون، مع سفكهم للدّم، وأصر أكثر من مرة أن أذهب معه إلى منطقته نسيت اسمها، وهي تبعد عن شيكاغو بالسّيارة حوالي اثنتي عشرة ساعة، ووعدته يوما سأزوركم، وسوف أوثق بنفسي ما أرى بإذن الله تعالى، فعسى أن يكون ذلك قريبا.

بعد المؤتمر ذهبنا إلى الغداء والنّزل للّراحة قليلا، ثمّ ذهبنا إلى منطقة Downtown Chicago وهنا رأيتُ عظمة المدينة، ورأيت ناطحات السّحاب، والجسور والمحلات، وعظمة البناء لم أر مثله في حياتي إلا في الأفلام، خاصّة شارع Magnificent Mile والنّاس كلّ في فلك يسبحون، والمدينة منظمة جدّا ونظيفة ولا تسمع ضوضاء أو صخبا، وممرنا على ماكدونالدز، فقيل لنا هذه أكبر فرع لها في العالم، وشركة ماكدونالدز تأسست في عام 1940م، ثمّ ذهبنا إلى حديقة Millennium Park أو الحديقة الألفيّة، جاء في الموسوعة العالميّة ويكبيديا أنّها افتتحت عام 2004م، وكلّفت ما يقارب خمسمائة مليون دولارا، وهي من أهم الأماكن التّرفيهيّة في شيكاغو.

والدّخول إلى الحديقة بالمجان، تمر بداية بمرحلة تفتيش، يتكرر أكثر من مرة في أجزاء الحديقة، مررنا بداية بمسرح Jay Pritzker Pavilion والّذي صممه المعماريّ فرانك غيري، وكانت فيه أمسيّة موسيقيّة، والجلوس فيه مجانا.

بعدها ذهبنا إلى بوابة السّحاب، وهو بناء مبنيّ من الفولاذ المصقول والعاكس كالمرآة، والمكان مزدحم بالكثير، ويعكس جميع الصّور في الأعلى، وهنا الكلّ يلتقط صورة تذكاريّة، ونحن كذلك قمنا بالأمر نفسه.

كذلك يوجد في الحديقة نافورة كبيرة، كما يوجد العديد من المبادرات الشّبابيّة في الخدمات المجتمعيّة الأهليّة.

ثمّ ذهبنا إلى بحيرة Lake Michigan، حيث حولها ممشى كبير، وحديقة كبيرة أيضا خصصت للمشيّ، ومطاعم ومقاهي جلسنا في أحدها، وفي نهاية الممشى تشاهد ناطحة سحاب باسم الرّئيس الأمريكيّ الحاليّ Trump، يقال هو شريك كبير فيها، ولها فروع في أمريكا، وظهر في أحد الأفلام الأمريكيّة بعنوان: وحدي في المنزل، عندما أرادوا التّصوير في فندقه، فتطوع بالظّهور مع طفلة، وانتشر المقطع بعد رئاسته كثيرا.

بعدها ذهبنا إلى السّوق، وهنا مررنا بمتشردين، بعضهم لا يملك نزلا، فيطلب مالا لليلة واحدة، فيكتب لوحة تشير إلى ذلك، وبعضهم يطلب المال، ولكن بطريقة مرتبة، فلا يأتيك للطّلب، وإنّما يجلس في مكان، ويضع بعض الصّور، مع صندوق أو كبعة أو إناء بسيط، إن شئت أعطيته أو لا.

كذلك وجدنا طفلا يضرب على آلة موسيقيّة كما نراه صغارا في الأفلام الكرتونيّة، كما في المسلسل الكرتونيّ الشّهير دروب ريميّ، عندما انضمت إلى فرقة فيتالس الغنائيّة، بعد هروبها من زوج أمّها الّذي أراد أن يبيعها، وكما شاهدناه في بعض الأعمال السّينمائيّة، وهنا يقدّم هذا الطّفل مقطوعات، مع وضع صندوق الآلة الموسيقيّة مفتوحا لمن أراد أن يتصدّق له.

وعلى قرب من هذا الطّفل وجدنا جماعة شهود يهوة، تأسست على يدي تاز راسل [ت 1916م] في ولاية بنسلفانيا الأمريكيّة في سبعينات القرن التّاسع عشر الميلاديّ، ويسمون أنفسهم بتلاميذ الكتاب المقدّس، وسمو بشهود بمعنى خدام أي القائمين بخدمة الرّب، ويهوة أي الله، وأصبح هذا الاسم لقبا رسميّا لهم عام 1931م، ويرون أنّ المترجمين حرّفوا يهوة إلى ربّ، وهم يرفضون عقيدة التّثليث، ويرون الخالق فقط يهوة، والمسيح ليس إلها، ولا ابنا للرّب، وهو أعظم شخصيّة في التّأريخ، والرّوح القدس عبارة عن طاقة كالطّاقة الشّمسيّة، ويرفضون الاحتفالات بعيد الميلاد، ولا يخدمون في الجيش، ولا يشاركون في الحروب، ولا يحملون السّلاح، ولا يتدخلون في السّياسة، ويحرّمون التّدخين، ويهتمون بالأسرة، ويعتبرون تحيّة العلم نوعا من عبادة الأصنام، مع أنّهم يشددون في احترام قوانين أيّ دولة يعيشون فيها، ويحرّمون التّبرع بالدّم؛ لأنّ كلّ إنسان يمتلك حياته في دمه، ولا يجوز أن تنتقل تلك الحياة لإنسان آخر إلا من خلال دم المسيح، بيد أنّهم يقبلون البدائل الطّبيّة للدّم، ويرون أنّ المسيح لم يمت على صليب؛ بل على خشبة لذا يرفضون وضع الصّليب في البيوت والأجساد، ويرفضون استخدام التّصاوير والتّماثيل أثناء العبادة. [للمزيد ينظر موقع ويكبيديا على الشّبكة العالميّة وكتاب حوار على الباب مع شهود يهوة لجون يونان].

وهم يهتمون بالتّبليغ، وتعتبر من أكثر الجماعات تبليغا حيث وصل عددهم إلى أثر من ثمانية ملايين في العالم، ويذهبون إلى البيوت، ولهم نشرات [كتب وكتيبات ومطويات ومجلات وأفلام ومقاطع بجميع اللّغات]، ومن مجلاتهم الشّهيرة برج المراقبة، ويدقون أبواب البيوت، وهم لا يناقشون، فقط أستمع إليهم، ويهتمون كثيرا بالأناقة والمظهر الخارجيّ للرّجال والنّساء، ويرون أنّهم يخدمون يهوة، ويتمثلون شخص المسيح، لذا يرون أنفسهم مسيحيين، ويفترقون عن باقي المسيحيين في المعتقد أنّهم لا يؤمنون كما أسلفنا بألوهيّة المسيح، ولا يعتبرونه ابنا لله، وليس أقنوما في الثّالوث، بيد أنّه نزل من السّماء كإنسان كامل فدية عن البشر، وهو يحكم الآن كملك لحكومة الله السّماويّة الّتي ستحقق قريبا السّلام في جميع أرجاء الأرض، ولا يقدّمون العبادة له بل ليهوة وحده، ولا يؤمنون بخلود الرّوح أو النّفس، أو أنّ إلها يعذّب النّاس في جهنّم إلى الأبد، ولا يحصرون الخلاص لشهود يهوة، بل لكلّ خدام الرّب، والمسيح هو الّذي يقرر من يخلّص وحده، وليس عندهم قساوسة أو بابوات، ولا يعطون من يعمل في النّشاط الدّيني ألقابا ترفعهم فوق الآخرين، ولهم ترجمتهم الخاصّة للكتاب المقدّس، ولا يرون خلق الكون في ستة أيام كما جاء في سفر التّكوين من العهد القديم حرفيا، بل إشارة للمراحل الزّمنيّة وليس بالمعنى المعهود لليوم أي أربعا وعشرين ساعة، فلا تناقض بين العلم والكتاب المقدّس، ولا يسمون مكان اجتماعهم وعبادتهم كنيسة، وإنّما يسمونها قاعة ملكوت.

كذلك يرون الزّواج رباطا دائما، والمواعدة على الزّواج محصور في سنّ مناسبة للزّواج، عندما تكون الشّهوة قويّة جدّا، وفيه إرادة جادّة للزّواج، ويحرّمون العلاقات الجنسيّة قبل الزّواج، لهذا تكون المواعدة وسيلة للزّواج وليس لأجل الممارسة الجنسيّة، ويحرّمون أن يجتمع المتواعدان أي الشّاب والشّابة لوحدهما، فلابدّ مع جماعة، أو وجود شخص ثالث، ويستثنون المراسلات الهاتفيّة شريطة أن تكون وسيلة للزّواج، والمطلق لا يتزوج ثانية؛ لأنّ الرّباط بين الرّجل والمرأة مقدّس لا ينفك إلا حال العهارة، أو مع حالات استثنائيّة ضيقة كالإساءة الجسديّة البالغة، أو تعرض أحد الزّوجين لضغوطات التّخلي عن وصايا يهوة، والزّواج يكون بين المؤمنين المعمدين أي في مذهبهم.

ويوجبون على الأولاد طاعة والديهم، ويرون احترام جميع النّاس بصرف النّظر عن معتقداتهم الدّينيّة، وينهون عن التّكلف والتّزين في المآتم، لذا يحاربون قضيّة السّهر على جثة الميت، أو التّكلف في المأتم، أو ذبح الحيوانات لإرضائه، وهم يقومون بذكر خيرات الميت، وما يناسب ذلك دون أخذ أجر ماديّ، ويفتحون قاعة الملكوت أو أي مكان ليكون مأتما.

والصّلاة عندهم دعاء، ولا تكون تحت وضعيّة معينة، فيمكن أن تصليّ وأنت واقف أو جالس أو ساجد أو نائم، وتكون ليهوة وحده، وتكون نابعة من القلب قصرت أم طالت، وفي أيّ وقت وظرف، ويختمون صلاتهم بآمين، ويرون الصّيام اختياريّا، ويعترفون بصيام الأربعين عند المسيح، وصيام الكفارة، إلا أنّهم يرونه اختياريّا، ولا يعرف الآخرون به، ومرتبط بالتّوبة.

وهم لا يؤيدون الصّهيونيّة، ولا يرفعون شعبا على آخر، ولا يؤيدون حكومة بشريّة دون سواها، إلا أنّهم يرون أنّ عودة اليهود إلى فلسطين وتجمعهم له علاقة بنبوات إلهيّة. [للمزيد ينظر: موقع شهود يهوة على الشّبكة العالميّة].

وعموما ذهبنا إلى جماعة شهود يهوة، وهو عبارة عن كشك بسيط تعمل فيه فتاتان من السّود، والظّريف أنّ أصولهما من تنزانيا، وتعرفان بشكل بسيط عن عُمان وسلاطينها في زنجبار، ولديهم منشورات منها بالعربيّة، وطلبت تسجيل حلقة يوتيوبيّة معهم، أو يرشدوني إلى أحد منهم فرفضوا، وقالوا نأتيك الفندق للتّدارس والموعظة، وعلمت أنّهم لا يناقشون ويجادلون، وهذا يشبه الّذي عندنا جماعة التّبليغ أو جماعة الخروج والدّعوة، فأنت تسمع لهم، ومع هذا وافقت وحددنا موعدا العاشرة صباحا من اليوم التّالي لأنّ ظهرا عندنا موعد مع السّيد كريس في مشرق الأذكار لتسجيل حلقة يوتيوبيّة معه عن البهائيّة، كما سنرى في الحلقة القادمة، ومع هذا لم يأتوا، وتواصلت معهم في موقعهم لمّا رجعت عمان، ولم يصلني ردّ حتى السّاعة!!

بعد هذا اللّقاء السّريع ذهبنا إلى تناول العشاء، ثمّ الرّجوع إلى النّزل لنستعدّ ليوم جديد!!!