قرأ الكتاب- إبراهيم بن أحمد الصلتي
ظلت الكتب والمكتبات على مدى التاريخ البشري عرضة للتدمير والتلف والحرق، وقد نالت نصيبها من الإهمال في فترات طويلة من عمر البشرية، وكانت الكتب والمكتبات ضحية لكوارث طبيعية مثل السيول والزلازل وغيرها من حوادث الطبيعة، إلا أنها إيضا واجهت كوارث متعمدة من صنع الإنسان نفسه الذي أوجدها وخط فيها فكره وصاغ فيها رؤيته ووثق مسيرته البشرية، كذلك وقعت الكتب والمكتبات ضحية الإهمال من حيث الدراسة والبحث عن الأسباب والدوافع في إبادتها وحرق كنوز المعرفة فيها.
إن قضية إبادة الكتب قضية تحتاج إلى المزيد من الاهتمام والدراسة ومعرفة الدوافع والغايات التي تدفع الأفراد أو الأنظمة إلى تدمير الكتب والمكتبات، حيث تشكل الدراسة والبحث ومعرفة الأسباب أهمية كبرى للأجيال التي ضعف اهتمامها بالكتب والمكتبات والقراءة وعدم امتلاكها لأدوات البحث والتفكيك والقراءة الواعية والتي تساهم في دائرة التفكير والادراك لما يدور حولها.
تنطلق ربيكا نوث في كتابها (إبادة الكتب: تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين) والصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، ضمن سلسلة عالم المعرفة 2018م والذي ترجمه عاطف سيد عثمان ويقع الكتاب في 375 صفحة مقسم إلى تسعة فصول من الحجم المتوسط؛ تنطلق من طرح العديد من الأسئلة التي ارتكزت عليها المؤلفة في تأليف هذا الكتاب والحاجة التي دعتها في لفت الانتباه إلى دور الأنظمة السياسية في القرن العشرين إلى إبادة الكتب وحرق المكتبات.
استخدمت المؤلفة اللغة السهلة والمفهومة للباحثين وللقراء المستنيرين مبتعدة بذلك عن المصطلحات الغارقة في التخصص لأن الكتاب كما تقول المؤلفة : جاء ليحقق مصلحة عامة في تجاوز الانفعال وصولا إلى قراءة آليات التدمير المنهجي للكتب والمكتبات.
استخدمت المؤلفة مصطلح إبادة الكتب للإشارة إلى التدمير واسع النطاق للكتب والمكتبات ويدخل هذا المصطلح داخل إطار الإبادة الجماعية والأثنية، إلا أن ظاهرة إبادة الكتب ظلت غير مرئية إلى حد بعيد.
وأشارت المؤلفة إلى أن مصطلح الإبادة الجماعية تم تعريفه من قبل الأمم المتحدة في اتفاقيتها لعام 1948م بأنها الأفعال التي تستهدف إلحاق الأذى الجسدي وفرض ظروفا معيشية مادية بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو أثنية.
كما تم طرح مصطلح الإبادة الأثنية بطريقة غير رسمية لوصف الارتكاب المنظم لجرائم معينة بغرض القضاء على ثقافة ما، سواء قضاء كليا أو على جزء جوهري منها.
تشير المؤلفة بعد بيان التعريف إلى الفرق بين الإبادة الجماعية والإبادة الأثنية ومن ثم حدوث خلط غير متعمد بين المصطلحين وذلك بسبب تتابع وتزامن التدمير البشري والثقافي في الوقت نفسه.
ومن الملحظ أن مصطلح الإبادة الأثنية لم يحظ بالكثير من الاهتمام والدراسة والبحث بالرغم من أن الدوافع الأساسية للإبادة الجماعية يكون منطلقها في الكثير من الأحيان هو تدمير الثقافة والنفي والاقصاء لجماعة ما، ولذلك يتم مهاجمة الكتب والمكتبات لإخفاء كل ما يشير إلى جماعة بشرية معينة وكل منجزاتها الثقافية والحضارية.
أما عن الأسباب التي جعلتها تحصر تدمير الكتب والمكتبات في القرن العشرين وهو أنه لم يتم توثيق التدمير الذي حصل للكتب والمكتبات في القرون الماضية توثيقا منهجيا ولم يتم حصر عدد المكتبات التي تم حرقها وتدميرها، كما أنها أرادت التركيز على القرن العشرين لأن الأنظمة السياسية هي من قامت بفعل التدمير المنهجي والمتعمد للكتب والمكتبات، كما أن القرن العشرين يعتبر الأكثر دموية من بين القرون التي مرت على البشرية، حيث بدأ القرن العشرين ومن خلال الإبادة الألمانية لشعب الهيريرو بجنوب أفريقيا في الفترة من عام 1904م إلى العام 1907، انتهاء بالتطهير الأثني الذي تعرض له مسلموا البوسنة والهرسك على يد القوات الصربية في التسعينيات.
قدمت المؤلفة في الكتاب خمسة براهين لأنظمة سياسية سعت إلى تدمير متعمد للكتب والمكتبات وهذه الأنظمة كان لديها هدف مرسوم وخطط مسوغة بعناية في إطار الصراعات التي اندلعت بين رؤى متعارضة للعالم في القرن العشرين، حيث سعت هذه الأنظمة المتطرفةنحو بناء يوتوبيا أرضية انتهكت كل الحدود المتخيلة إذ تحولت منظوماتها العقائدية إلى إيديولوجيات راديكالية.
أما عن الأنظمة السياسية المتطرفة التي تناولتها المؤلفة بالدراسة والتحليل هي ألمانيا النازية وخاصة في الفترة الهتلرية، وصربيا وحربها الشرسة ضد مسلمي البوسنة والهرسك، كما تناولت نموذجاعربيا وهو غزو العراق للكويت وسياسات الاجرام التي قامت بها العراق، بعد ذلك تناولت النظام الصيني وخاصة أثناء حكم ماو تسو الذي دفع الصينيين إلى اعتناق الماوية وهي شكل من أشكال الشيوعية ورفض الديانة الكونفوشية، بعد ذلك تناولت الحالة التبتية وما واجهته من تدمير ثقافي على يد الصين التي اعتبرت التبت جزءا لا يتجزأ من الصين العظيمة.
تعترف المؤلفة عن خياراتها بشأن اللغة المستخدمة في كتابة الكتاب والنظرية التي اعتمدتها فيه بالإضافة إلى دراسة الحالات الخمس؛تعترف بأن ذلك مرده إلى النزعة الإنسية الديمقراطية الليبرالية التي تؤمن بها.
إلا أن المؤلفة وبعد تقديمها لهذه النماذج الخمسة من أنظمة اعتبرتها أشد عداوة وضراوة على الكتب والمكتبات والثقافة والحضارة حيث تجاهلت وبشكل متعمد أهم نموذج في القرن العشرين وهو النموذج الصهيوني المحتل لأراضي عربية والتي سعت منذ اليوم الأول لاحتلالها على مسح وتغييب وتدمير متعمد لهوية السكان الأصليين وعلى تغليب الديانة اليهودية على حساب أهم ديانتين في الشرق الأوسط وهي الديانة الإسلامية والديانة المسيحية.
استطاعت المؤلفة الإجابة عن العديد من التساؤلات وأوضحت الكثير من الجوانب المهمة في قضية إبادة الكتب وحرق المكتبات، وما تفعله الأنظمة المتطرفة من إبادات جماعية وإثنية ، غايتها القضاء الكلي أوبعض جوانبه من ثقافة وحضارة جماعة ما.
