بعد الانتهاء من زيارة مركز الشّيخ عبد الله السّالم الثّقافيّ في السّاعة الواحدة ظهرا، قرر أبو عمار نبيل أن نذهب إلى سوق المباركيّة لتناول الغداء، وهو سوق يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويذكرنا بسوق واقف في قطر، وسوقي مطرح ونزوى في عمان.
وهذا السّوق سابقا ملتقى التّجار الكويتيين، ويضمّ أسواق الذّهب والسّلاح والتّمور والسّمك واللّحم والبهارات والملابس كأيّ سوق شعبيّ، جاء في ويكبيديا: [سوق كويتي يقع في منطقة القبلة …. تمّ تسميته بهذا الاسم نسبة إلى الشّيخ مبارك الصّباح، ونشأ سوق المباركيّة على يد التّجار الكويتيين، الّذين كانوا يجلبون بضاعتهم من العراق والهند وإفريقيا عبر السّفن ويلتقون في هذه السّوق لتبادل البضائع].
ونحن نمشي في سوق المباركيّة مع الرّذاذ والجو الجميل، ولمّا اقتربنا من سوق السّمك سقط الغيث بقوّة، حيث الجو مع سكون المكان وجماليته، ومع الغيث وسكينته أضفى للنّفس سكينة وراحة، وتوقفنا قليلا ثمّ ذهبنا إلى مطعم الشّمم وهو مطعم كبير مزدحم بالنّاس، ويقدّم كافة المأكولات والعصائر، وعلى رأسها الأسماك المشويّة، ومن الأسماك المشهورة في العراق والكويت والخليج سمك الزّبيديّ، ويقال يعود تسميته إلى عالم سويديّ في عام 1788م، ويتميز بجسمه العريض، وحقيقة لم أسمع عنه بكثرة في عمان، مع أنّه منشر في الخليج!!
وبعد تناول الغداء والأحاديث الجانبيّة قررنا الرّجوع، وكنتُ والسّلطيّ والحبسيّ مع الأستاذ كمال في سيارته، وكان الجوّ ماطرا حتى وصلنا إلى الفندق السّاعة الرّابعة عصرا، وكان لدي تسجيل مع فضيلة الدّكتور أحمد حسين محمد السّاعة السّادسة مساء في الفندق، وهنا من التّعب أخذني النّوم فلم أستيقظ إلا على ضرب الباب من قبل أستاذي النّوفليّ بأنّ الدّكتور ينتظرني في الأسفل، وقرر مهدي أن يقوم بالتّصوير.
والدّكتور باحث كويتيّ من الطّائفة الإماميّة، له أبحاث في الوقف، ورسالة ماجستير في المواطنة بين الشّريعة والقانون، ورسالة دكتوراه في وقف الحقوق والمنافع دراسة وتحقيق أصوليّ، وله معرفة ببعض العمانيين ممّن التقى بهم في أحد مؤتمرات الجزائر.
وكان الحديث المسجل في برنامج حوارات الحلقة التّاسعة عشر على قناتي اليوتيوبيّة، والّذي بعنوان إنسانيّة الخطاب الدّينيّ في رمضان، حيث يرى أنّ الأصل في شهر رمضان يعنى بتغيير الذّات الإنسانيّة، من خلال التّأمل في المستقبل، وهنا يؤكد على ضرورة التّأمل إلانسانيّ في رمضان، لطبيعة الإنسان المتقلبة بين الصّواب والخطأ، ولهذا يمكن أن نعتبر حسب نظره رمضان بداية السّنة الإنسانيّة وليس السّنة الهجريّة أو الميلاديّة؛ لأنّ رمضان مرتبط بنزول القرآن، والقرآن جاء بدور إصلاحي كبير في المجال الإنسانيّ، ثمّ أشار أنّه لابدّ من الانطلاق من الوحدة الإنسانيّة وليس الوحدة الإسلاميّة؛ لأنّ الثّانية تدعو إلى الأولى، مستشهدا بقول الإمام علي بن أبي طالب [ت 40هـ]: الإنسان إمّا أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلْق.

ثمّ تطرقنا إلى بعض الخلافيات بين الإماميّة وباقي المذاهب، وبين المذاهب نفسها المتعلّقة برمضان، والّتي تتعلق أولا برؤية هلال رمضان، وثانيا بصلاة التّراويح، وثالثا بالفطور وقت طلوع النّجم وغياب الحمرة المشرقيّة، فيقوله سماحته إنّ الخلاف عند الشّيعة في المسألة الأولى هو ذات الخلاف عند باقي المذاهب الإسلاميّة، وإن اتفقوا على أنّ الرّؤية في الرّواية تعني العلم لكن اختلفوا في إدراك هذا العلم، فقيل بالرّؤية البصريّة، وقيل بالعين المسلحة كاستخدام التّلسكوب، وقيل بالحساب الفلكيّ، ويرى أنّ الرّؤية البصريّة هي المصداق الأتمّ في عصر النّص، حيث لا توجد آلات لتحقيق العلم بالرّؤية إلا عن طريق الجارحة، وبما أنّ المصداق يتغير فيجب على الحكم الشّرعيّ أيضا أن يتغير، والحساب الفلكيّ لم يكن مطروحا قديما بين الفقهاء لارتباطه بالتّنجيم، أمّا الآن فتغير الأمر.
وأمّا مسألة الغروب فيقول الإماميّة عندهم قولان: المشهور ما ذكر، وقول آخر كقول باقي المسلمين بسقوط قرص من الشّمس، والإشكاليّة أنّ النّاس لا تقرأ، فيتولد الجهل، فإذا تولد الجهل ساد التّعصب، ثمّ لو قرأوا ما انتقدوا تراثهم فيجمد النّاس على الماضي.
أمّا صلاة التّراويح فيقول نحن نسميه قيام اللّيل، ونافلة رمضان حسب الأدبيات الرّوائيّة لا تصلى جماعة، ويقول إنّ في إقرار عمر وترك علي بن أبي طالب لها سعة؛ لأنّ المسألة واسعة.
ثمّ تطرق إلى الوقف فقال هو تشريع إسلامي ذو منزع إنسانيّ، فهو موجود عند الأمم السّابقة، والأوقاف ليست مرتبطة فحسب على الإنسان بل تعمّ حتى الحيوانات.
وأخيرا تطرق إلى قضيّة المواطنة فيرى أنّ المواطنة عبارة عن علاقة بين الفرد والآخر، ويرى نحن ارتبطنا مع الغرب نظريّا في مفهوم المواطنة، لكنهم سبقونا عمليا، والمواطنة لا ترتبط بالجنسيّة أو مجرد الولاء القبليّ، فهي ترتبط بالالتزام القانونيّ المتمثل في الحقوق والواجبات المتعلقة بالإنسان مسلم أو غير مسلم في ظلّ العدل والعدالة.
وبعد هذا اللّقاء مع الدّكتور أحمد حسين محمد إذا بالأستاذين كمال ونبيل ينتظران للذّهاب إلى جلسة مفتوحة في مطعم السّاحة يحضرها العديد من المثقفين والعلماء والكتاب، كما سنرى في الحلقة المقبلة.
رابط الحلقة
