الكاتب: بدر بن سالم العبري
في قرب السّاعة الثّالثة والنّصف عصرا وصلنا إلى مطار الكويت الدّوليّ، وهو مطار قديم إلا أنّه حدّث أكثر من مرة، والآن يبنون مطارا كبيرا حيث يؤمل أن يفتتح عام 2021م، والمطار مزدحم جدا، مقارنة بمطار مسقط، وكأنّك من كثرة السّائحين في مطار دبي أو الدّوحة.
عموما ذهبنا إلى منطقة الجوازات، بيد أنّ مهدي مع الأستاذ كمال ذهبوا إلى التّأشيرات؛ لأنّ مهدي فرنسيّ، والفرنسيّ كغيره لدخول الكويت لابدّ له من تأشيرة، إلا أنّهم لم يتأخروا، وهنا الكلّ دخل بسهولة إلا النّوفليّ؛ لأنّه ولد في الكويت، ولم يزرها، فطلب منه أن يذهب إلى مكتب في الأعلى ليحدّث البيانات، وعموما هو لم يتأخر أيضا.
ثمّ ذهبنا لاستلام الحقائب، فاستلم الجميع إلا العبد الفقير، حيث لم تصل حقيبتي، فانتظرنا حتى تتوقف آلة تدوير الحقائب، فذهبنا إلى المسؤول وقال انتظروا لعل بعض الحقائب لا زالت في الطّائرة للتّأكد، فانتظرنا فقال لنا بعد اتصال معهم لا توجد، وهنا لست الوحيد فمعي مجموعة من المسافرين ومنهم مصريّ وبعض الهنود لم تصل حقائبهم أيضا، وكانوا ترانزيت، بينما أنا مباشر، والعادة يحصل في التّرانزيت، والأستاذ مصطفى اللّواتيّ قال لي لاحقا تكرر الأمر معي في الطّيران العمانيّ ثلاث مرات، وهنا تذكرتُ الأستاذ عبد الله العليان عندما ذهبنا بصحبة الأستاذ خميس العدويّ إلى الأردن في مؤتمر الدّين والشّرعيّة والعنف، من تنظيم مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث في 4 سبتمبر 2015م في الطّيران العمانيّ حيث تأخرت حقيبته، ولم تصل إلا قبيل الرّجوع، وظل على ثوب واحد، والدّكتور العليان طويل البنية، بيد أنني والعدويّ عكسه تماما، لذا كان في وضع محرج جدا، لهذا تعلّمت من هذه السّفرة، خصوصا إذا كنت مشاركا في مؤتمر أو محاضر أن أحمل معي حقيبة صغيرة أحملها داخل الطّائرة، أضع معها لوازمي من ملابس ليوم أو يومين تحسبا لمثل هذه الأحوال!!
عموما ذهبنا إلى مكتب تقديم البلاغ، وكان مزدحما بسبب تماثل الحالة، ولا أدري هل جميعهم كانوا معنا أم من نوافذ متعددة، وللأسف فقدّتُ الورقة الصّغيرة في الطّائرة [السّكيتر] وهذي أول مرة أفقدها لأنّي استخدمتُ البطاقة، وعادة أضعها داخل الجواز، وهنا أخذ الأستاذ كمال بطاقتي؛ لأنّه يتقن الانجليزيّة، وقالوا نتصل فيهم ثمّ نتواصل معكم وأعطونا رقم M-2198، مع رقم الهاتف، فذهبنا إلى الخارج، وهنا استقبلنا الأستاذ أبو عمار نبيل، وأعدّ لنا سيارتين، سيارة يقودها هو، وسيارة يقودها رجل أردنيّ من أصل فلسطينيّ، فذهبنا مع الرّجل الفلسطينيّ ومعي السّلطيّ والحبسيّ، والباقي ذهب مع أبي نبيل، وهنا سألتُ السّائق عن مكوثه في الكويت، فقال نحن بالكويت منذ أكثر من ثلاثين عاما، وقلت له ممازحا: أين هواك الآن الكويت أم الأردن، فقال أبي فلسطينيّ وأمّي لبنانيّة وزوجتي مصريّة ولي منها ثلاث بنات، فهواي لم ينحصر في منطقة، قلتُ له: عندنا مثل [عند ترزق ما عند تخلق] فوافقني، ثمّ سألته عن نكبة 1991م، عندما حارب صدام حسين [ت 2006م] الكويت، قال كنتُ موجودا، ولم أخرج، فقلتُ له: هل كان جنوده يمارسون الاغتصاب والدّخول داخل البيوت للقتل كما يشاع، قال لا، ولكن من قاومهم قتلوه، ولكن أصعب ما واجهناه عدم وجود المياه والكهرباء، وصعوبة توفر المعيشة، واستمر الحال لمدة ثلاثة أشهر، إلى درجة ذهبنا إلى البيوت والشقق الّتي تركها من خرج من الكويت وأخذنا منها الماء، وهنا حاولتُ أن آخذ بعض الشّهادات عن هذه المرحلة المظلمة في تأريخ الكويت والمنطقة العربيّة ككل، وليت صدام لم يكن وسيلة وطعما في حربه لإيران ثمان سنوات، ثمّ الكويت، فترك العراق في حالة من البؤس والشّقاء، والّتي لا زال يعاني منها حتى اليوم، خاصة وقد بدأ قويا في التّعليم والصّحة والأمن والعسكر، فانتعشت العراق، إلا أنّه خرّب بيته بيده!!
وفي الطّريق رأيتُ الكويت وناطحات السّحاب، وكنتُ قد جئتها سابقا في شهر فبرايل 2011م بسيارتي، وبصحبتي الأساتذة عبد الله المشيقريّ وسامي المعمريّ وابن عمّه عبد الله المعمريّ ويوسف الحبسيّ، جئتها قاصدا وزارة الأوقاف والمكتبات لأخذ بعض الكتب كالموسوعة الفقهيّة الكويتيّة، وفتاوى هيئة الافتاء الكويتيّة، كما ذهبت حينها إلى مكتبات قطر والبحرين، إلا أنّ هذه المرة الرّحلة لها طعم آخر كما سنراه في المذكرات.
وعموما رأيتُ البنية في الكويت على عظمتها إلا أنّها شبه توقفت، خلافا عن مثيلاتها الإمارات وقطر مثلا، وهنا أخبرني أبو عمار أنّ الكويت بدأت بالتّوقف بعد عام 1985م، إلا أنّها بعد الغزو العراقيّ 1991م تراجعت في كلّ شيء!!
وأنا في الطّريق تذكرتُ الشّيخ الوالد علي بن عبد الله السّعيديّ من سكان ولاية السّويق، وحاليا الموالح الجنوبيّة، فقد عمل سائقا في الكويت من عام 1965م وحتى 1975م، حيث يتذكر أيام الكويت ويتذكر سورها وأبوابها، والمرقاب وخيطان والشّرق والرّميثيّة وحولي، المناطق الّتي ارتبط فيها، وطالما ذكر مسجد عبد الله المبارك، والّذي على دوار المرقاب، وقد رأيته وقد تطور المكان، وهو يرجو زيارة الكويت، وعسى أن يكون ذلك قريبا، ولو رجع لكان مثل أصحاب الكهف حيث سيرى العمران وناطحات السّحاب وكثرة الطّرق وعظم الحياة فيها!!
عموما وصلنا فندق سفير انترناشيونال في الصّفاة، والأصل أننا نسكن في شقة في الدّسمة، إلا أنّ السّعر كان مرتفعا، فلهذا سكنا في هذا الفندق، وسعر الغرفة 45 دينارا للّيلة للشّخصين في الغرفة الواحدة أي ما يعادل 57 ريالا عمانيا، وعموما أسعار السّكن في الكويت مرتفعة جدا مقارنة بعمان، وهذا ما يعانيه المقيمون فيها، وسألتُ أحدهم من المقيمين: لماذا لا تقل الأسعار إذا كان الطّلب أكثر، فقال المستثمرون في هذا معدودون، ويتفقون في الجملة على السّعر، كما أنّ سعر الدينار مرتفع، فالدّينار الكويتيّ يساوي وقت ذهابنا ريالا وثلاثمائة وعشرين بيسة، والفارق بين الدّينار الكويتي والبحرينيّ عشرون بيسة، إذ الدّينار البحرينيّ يساوي ريالا وثلاثمائة بيسة.
وصلنا الفندق، ورأينا الأخوة رتبوا كلّ شيء، والفندق كبير ومرتب ونظيف، وشخصيا كنتُ محبطا قليلا بسبب الحقيبة، ولأنّ النّدوة ستبدأ الثّامنة ليلا، ولا أمل للحصول عليها، حيث الطّائرة القادمة للطّيران العمانيّ تصل الثّامنة والنّصف، ومع هذا رضينا بما حصل، وما عند الله خير وأبقى، وهنا ذهبنا للّراحة حتى موعد النّدوة، كما سنرى في الحلقة المقبلة.
