العملية التفاوضية.. منفعلة أم فاعلة؟! (٢-٢)

الكاتب: محمد العامري*

 

يساورني شكٌ في قدرتك على مجاوزة هذا السطر بدون الرجوع للجزء الأول من المقال، فإن كنتَ مصرا، فحقك مشروعٌ تماما في اختبار كلامي..

أنا كلي شغف مثلكم تماما لاكتشاف ما ينطوي عليه المقال في جزئه الثاني..

ولا بأس بأن أزيد من وتيرة هذا الشغف بشكل ممتع، وذلك بالإجابة عن هذا السؤال ابتداء:

هل أنت جاد في رغبتك في تفعيل سباعية التهيئة (التفاوضية/الإقناعية) (٧ ت) خاصتك في كل تفاوضاتنا الصغيرة والكبيرة من التفاوض مع زميلي لتحويل وجهة السفر من جورجيا إلى إيرلندا، إلى التفاوض على شراء قطعة أرض؟

أنا أدين لهذا السؤال حقا؛ لأنه منحني الفرصة – وخاصة في هذا التوقيت – لإيضاح بُعدٍ  عميقٍ لرؤيتي بشأن الطاقة الاحتوائية للسباعية الموجَّهة لمستويات العمليات (التفاوضية/الإقناعية) والذي من شأنه أن يبدِّد ضبابية الرؤية نهائيًا..

دعوني بدايةً أؤسس جوابي على أرضية مشتركة مع السؤال، وهي كون العمليات (التفاوضية/الإقناعية) متفاوتة النوع والأهمية والحجم والاستعجال بالنسبة لكل واحد منّا..

إذن عبثًا أن أقترح عليك تفعيلَها مع كل عملية؛ لأني أنا شخصيا لا أفعل إلا إن توفر أمران:

١) أن أكون قادرا على ملءِ مرحلة التتبع بشكل يمكّنني من الوقوف جيدا في المراحل اللاحقة، وهذا يعني أن السباعية لا تكون ذات جدوى بدون مستوى معين من المعلومات الخام، على أن هذا المستوى يتحدد تلقائيا عندما نلحظ قدرة تعاطي مرحلة التحليل مع المعلومات الخام من عدمها.

٢) أن يكون العائد من تفعيل السباعية أكبر مما تستهلكه من مادة ووقت وجهد، على أن العائد المنشود ليس بالضرورة أن يكون على شكل مادة بل قد يكون معنويا، وهنا نقطة لا بد من الإشارة إليها، وهي أن حجم العائد الحقيقي تأخر وضوحه إلى في مرحلة متقدمة وهي مرحلة التخطيط، وهنا لا بد من الشعور بالامتنان نحو السباعية لأنها كفلت لك – على نحو دقيق – إظهار جدوى العملية (التفاوضية/الإقناعية) التي أنت بصدد الدخول فيها من عدمه، معترفًا في الوقت نفسه بأن السباعية تبلغ ذروة فائدتها حين تفعيلها في تفاوضات من قبيل ما يجري بين وزارات خارجية الدول وصفقات استراتيجية يبلغ حجم تشغيلها ملايين الريالات العُمانية وزرع قناعات معرفية لمجتمعٍ ما.

فلتسمحوا لي أن ألملم أوراق الإجابة بهذه الكلمة:

تكون فطينا إن قمت بتفعيل السباعية إذا ما كان توفير المعلومات الخام متاحا لك – كما تتطلبه مرحلة التتبع – واقتنعت بجدوى العائد الكبير الذي ستجنيه من تفعيل السباعية.

***

أعتقد أن مستوى الجهوزية لدينا أصبح متكاملا لمتابعة الجزء الثاني بعد التقعيد السابق..

٣-التنبؤ.

إن خلوّ أي دراسة من عنصر التنبؤ هذا يعني اقتصارها على دراسة المشكلة عند وقوعها، وليس التنبؤ بها لتفادي وقوعها أو – على الأقل – كيفية التعاطي معها بأضرار أقل، وشتان بين الأمرين، من أجل ذلك فإن مرحلة التنبؤ تُعنى بتوقع سلوك المستهدَف (مَن تتفاوض معه) من حيث الأساليب والحد الأعلى والأدنى لعرضه وردّات فعله..إلخ، وكذلك العملية (التفاوضية/الإقناعية) من حيث اتجاه مسارها، مع ضرورة أن تكون واقعيا للغاية، وهنا تحديدا أريدك أن تكون متشائما للغاية للتنبؤ بأسوإ الاحتمالات، فمتى استعددت للأسوإ هان عليك ما دون ذلك، والحذر كل الحذر أن تكون في هذه المرحلة حالِمًا يغلب عليك التفاؤل المفرط، فقد صممتُ لك مرحلة خاصة لذلك، وهي مرحلة التوقع كما سيأتي.

الجدير بالذكر أنه يحلو لي أن أسمي هذه المرحلة: شبــح السباعية؛ لأنك متى ما كنت قادرا على تحقيقها على وجه دقيق، فإن العملية لا تغدو أكثر من مشاهدة فيلم (PK) من بطولة أمير خان، للمرة الثانية، من أجل ذلك فإني أُولي هذه المرحلة بالذات عناية فائقة في برامجي التدريبية..

٤-التخطيط.

مرحلة التخطيط كلعبة البازل تماما، يتم فيها تجميع القطع الصغيرة لتشكيل اللوحة بصورة متكاملة، فيتم بلورة كل المراحل السابقة وإفراغها على منضدة التخطيط لتشكّل لك البوصلة الدقيقة لجميع حيثيات عمليتك (التفاوضية/الإقناعية) من حيث التوقيت والموقع وتقنياتك (التفاوضية/الإقناعية) ومسار تحركاتك بالإضافة إلى الخطط البديلة وفقا لنتائج مرحلة التنبؤ، ولعلك تلحظ جيدا أن دقة البوصلة – مرحلة التخطيط – ذات علاقة طردية مع دقة نتائج المراحل الثلاث السابقة.

إن مرحلة التخطيط هي بحق هندسة السباعية، فبكل ثقة أقول: لو كان التخطيط رجلا لكان مهندسا.. أنا أثق أنك تعي ما أقول جيدا، فكن إذن حريصا على اتباع إرشادات هذه الخارطة ثلاثية الأبعاد، فغاية ما عملناه في المراحل الثلاث السابقة ليس سوى بناء هذه المرحلة بشكل احترافي؛ لأن التنفيذ قائم عليها بالتمام.

٥-التجريب.

والمقصود بهذه المرحلة هو التمرُّن الافتراضي على العملية (التفاوضية/الإقناعية) بحيث يتم التدرب عمليا مرة واحدة يوميا لمدة تتراوح بين الأسبوع والثلاثة أسابيع، وذلك مع شخص متخيَّل أمامك أو زميل مستوعب تماما لمحتويات المراحل السابقة، وبصوت مسموع، وكأنك تتفاوض مع المستهدَف تماما، وفقا لإرشادات مرحلة التخطيط، وهذه العملية تقوم بتمرين تعابير وجهك ولغة جسدك ونبرة صوتك وقاموس كلماتك بشكل عجيب؛ فتتسم بالانسيابية إبَّان العملية نفسها.

وهذا يتعلق بتجريب السباعية لإتقانها كمهارة أيضا.. فإن أية مهارة تنمو بالممارسة الدورية ولا تكون وليدة اللحظة، فكما يقول مارك توين: “لا يمكن إلقاء العادات القديمة من نافذة الدور العلوي، بل يجب أن تنزل السلم بلطف درجة درجة في كل مرة” والمثل الصيني يقول: “إن ثلاث أقدام من الجليد ليست نتيجة ليوم واحد من الطقس البارد” وجميعنا يعرف قانون الاستغراق الذي أطلقه (Malcolm Gladwell) في كتابه: (Outliers) والذي يتمحور حول أن قضاء مدة (10.000) عشرة آلاف ساعة في مهارةٍ ما – أيًا كانت – يجعلك فريدًا فلتةً فيها.

***

٦- التوقع.

وإن كانت كلمة التوقع تؤدي المعنى ذاته لغويا لكلمة التنبؤ التي تم الحديث عنها كمرحلة ثالثة، غير أن المقصود بالتوقع هنا شيء مختلف تماما، فلنرَ إذن، لماذا الانتظار؟!!

أشار كيفن هوجن في كتابه التأثير الخفي [ص(١-١٣) مكتبة جرير، الطبعة الأولى، ٢٠١٥] إلى أهمية العقل المتوقِّع في العملية (التفاوضية/الإقناعية)، وهو يعني باختصار أن قوة توقعك للاستجابة الإيجابية من قِبل المستهدَف تدفعه لردة فعل متفقة مع توقعك، حيث يقول: “ما سيصبح عليه ذلك الشخص واستجابته لك وما سيؤول إليه طلبك كلها أمور تحدث الآن ما بين أذنيك … والحقيقة هي أن الرد بـ (نعم) أو (لا) غالبا ما يقع بشكل مباشر على الطاقة الإبداعية في مخيلتك أنت”.

مستندا في كلامه على عدة دراسات، من بينها الدراسة التي قامت بها جامعة مينيسوتا عام ١٩٧٧م بتكوين (٥١) زوجا من الرجال والنساء، حيث يُطلب من كل رجل إجراء مكالمات هاتفية مع امرأة لا يملك عنها سوى ورقة بيانات عادية تماما مع صورة مزيفة سواء بأن تكون أكثر جاذبية منها بكثير أو أقل جاذبية بكثير، ويُطلب منهم تسجيل انطباعاتهم عن النساء، كما يوجد من ضمن أفراد العينة حكام يُطلب منهم إعطاء انطباعات عن تلكم النساء اللاتي لم يرونهن أيضا، فماذا كانت النتيجة؟.

كان توقع الرجال الذين تم إعطاؤهم صورا جذابة للغاية للنساء قبل إجراء المكالمة الهاتفية معهن هو أنهن يمتَزْنَ بكونهن شخصيات فريدة الصفات وودودات ومثقفات وماهرات في العلاقات الاجتماعية، وحدث العكس مع الرجال الذين تم تزويدهم بصور نساء عادية تماما وربما أقرب للدمامة، فخرجت انطباعات الرجال بعد إنهاء المكالمات الهاتفية بالنتيجة ذاتها التي حددتها توقعاتهم، والأكثر غرابة هو أن الحكام لاحظوا الانطباعات نفسها على أداء النساء في المكالمات الهاتفية !! فتم الاستنتاج بأن التوقع بمقدوره تحديد نتيجة التأثير.

هذه الإشارة تعود بي إلى كلمتين عميقتين، الأولى لجيمس بورج: “عندما نقول لأنفسنا إن اتخاذ الطريق (ب) بدلا من الطريق (أ) الذي اخترناه، كان يمكن أن يؤدي إلى نتيجة أفضل؛ لأنه من الممكن أن يؤدي إلى (هذا) بدلا من (ذاك) فإننا نخلق واقعا كاملا من صنع خياراتنا”[قوة العقل، ص٥٥، مكتبة جرير، الطبعة الثانية ٢٠١٣م] والثانية لروبين نيكسون: “عند تخيل نتيجة ترغب في التوصل إليها فإنك بذلك ترسم صورة أو سلسلة من الصور معقدة في ذهنك، كثيرا ما تصاحبها صور حسية أيضا، ومن خلال قيامك بذلك فإنك تثير الخلايا العصبية التي تكوِّن فيما بعد روابط مع بعضها مما يغير من طريقة تفكيرك على نحو خفي، ومع الوقت يتضخم هذا التأثير، وعندما يتخيل شخص خجول على سبيل المثال أنه اكتسب ثقة أكبر بنفسه، تظهر له طرق جديدة أكثر إيجابية لتحل محل الطرق القديمة، ويكتسب هذا الشخص السمة التي يتخيلها”[نعم أستطيع، ص10 مكتبة جرير، الطبعة الأولى، 2013م]   فهذا التوقّع عندما يتم تعزيزه، لا ريب أنه سيكون له كبيرُ أثر؛ لأنه ينتقل بذلك إلى طور قوة النية التي تفعل الأعاجيب، ولا أدلَّ على ذلك من قوة (Placebo effect)  في علاج الأمراض! وما التوكيدات اللفظية إلا ضربٌ من تعزيز التوقّع.

وتحضرني هنا القصة المشهورة لجورج دانزيج عالم الحساب الأمريكي عندما كان طالبا في الدراسات العليا بجامعة كاليفورنيا وقد وصل متأخرا للحصة، حيث وجد أستاذه قد كتب على السبورة  أربعة أمثلة لمشكلات إحصائية مشهورة لم يتم التوصل لحل لها، فظن جورج أنها مجرد واجب منزلي، فتوصل لإيجاد حل لاثنتين منها ! إنه سحر التوقّع.

وكخلاصة لمرحلة التوقع خليقٌ بي أن أؤكد على أنني أتفق مع نظرية العقل المتوقّع لكيفن هوجن بشرط أن يكون توقيتها هنا أي بعد إتمام المراحل العملية السابقة، أمّا أن تُمَنِّي نفسك بالقدرة على السباحة متخيلا أنك السباح العالمي مايكل فيلبس، وتقول لنفسك: لن أغرق.. لن أغرق، ثم تقصد عرض البحر وأنت لا تجيد السباحة، فسيكون حالك كما قال نزار قباني:

الموج الأزرق في عينيك.. يجرجرني نحو الأعمق

وأنا ما عندي تجربة

في الحب.. ولا عندي زورق

إن كنت أعز عليك فخذ بيدي

فأنا عاشقة من رأسي حتى قدمي

إني أتنفس تحت الماء..

إني أغرق..

أغرق..

أغرق !!

 

٧-التقييم

– كل المراحل الست الماضية منطقية من حيث ترتيبها، إذْ إنها كائنةٌ قبل العملية (التفاوضية/الإقناعية) غير أن التقييم مرحلة لاحقة للعملية نفسها وليست متقدمة، فكيف تأتّى لك إدراجها ضمن السباعية المعنية أساسا بالتهيئة المسبقة للعملية؟

— ملاحظتك دقيقة جدا إلا أن علمنا أن التقييم ينقسم إلى قسمين:

أ-التقييم المرحلي: وفيه يتم التقييم بعد كل جلسة من جلسات العملية (التفاوضية/الإقناعية)، وهذا يدفعني بقوة نحو ضرورة إيضاح ثلاث نقاط على وجه السرعة:

١)العمليات التفاوضية الاحترافية يجب ألّا تقل عن جلستين، حتى تتدارك العمل بتوصيات مرحلة التقييم.

٢)عندما يكون المستهدَف جديدا عليك، فلا تدخل معه في صفقات كبيرة من أول مرة، بل الأفضل أن تبدأ بصفقات صغيرة تدريجيا، حتى تستهلك قوته من ناحية، وتكتشف الإطار العام لأجندته التفاوضية من ناحية أخرى، وحينها لا بد من أن تحرص على تبديل أساليبك، فقوة (المفاوِض/المُقْنِع) كامنة في أن تحركاته غير متوقّعة، وقليلٌ ما هُم !!

٣)يجب ألا يأخذك العناد على الإصرار على إرشادات مرحلة التخطيط، فإنها لا تعدو أن تكون قائمة على تنبؤات وتحليلات ظنية؛ فدائما ما تكون توصيات مرحلة التقييم أكثر دقة وواقعية.

ب- التقييم النهائي: وبالرغم من أنه يتم بعد الانتهاء بالكامل من العملية (التفاوضية/الإقناعية) غير أنه مهم جدا للعمليات القادمة خاصة إذا كانت مع المستهدَف نفسه، وأهم نقطة في التقييم هو معرفة مدى دقة تخطيطك، بالإضافة إلى التزامك بإرشادات التخطيط، فالتقييم أشبه بقطف الثمرة بعد الجهد المضني المبذول لسقي الشجرة.

همسة: لا أستغرب من كونك قد عرفت سر الثقة العجيبة التي يمتلكها متّبعوا سباعية التهيئة (التفاوضية/ الإقناعية) (٧ ت).

إن كنتَ قد قرأتَ قصة السمكات الثلاث مع الصيادين من كتاب كليلة ودمنة فقد عرفتَ رسالة المقال، وإن كنت لم تقرأها بعدُ فأنا على ثقة بأنك ستستمتع بها، وكُن بالجوار عزيزي (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف، فالمقال القادم ستجد فيه طرحا استثنائيا..

 

**كاتب متخص*كاتب متخصص في التنمية البشرية، مؤسس فرضية الإقناع السري ( SPx8) مسجلة لدى دائرة الملكية الفكرية بوزارة التجارة والصناعة، ماجستير لغة عربية، مدرب في التفاوض والإقناع، ممارس معتمد من المركز الأمريكي للتنويم الإيحائيص في التنمية البشرية، مؤسس فرضية الإقناع السري ( SPx8) مسجلة لدى دائرة الملكية الفكرية بوزارة التجارة والصناعة، ماجستير لغة عربية، مدرب في التفاوض والإقناع، ممارس معتمد من المركز الأمريكي للتنويم الإيحائي*كاتب متخصص في التنمية البشرية، مؤسس فرضية الإقناع السري ( SPx8) مسجلة لدى دائرة الملكية الفكرية بوزارة التجارة والصناعة، ماجستير لغة عربية، مدرب في التفاوض والإقناع، ممارس معتمد من المركز الأمريكي للتنويم الإيحائي