سالم السيفي
يقوم بناء الأمم وتطور اقتصاداتها على قدرتها على استثمار الطاقات البشرية وتحويل التحديات الهيكلية إلى فرص مبتكرة، إذ يمثل الشباب عصب الأمة ومحركها الأساسي نحو التنمية المستدامة. وحين تعجز النماذج التقليدية عن استيعاب طموحات الجيل الناشئ، وتغلق التعقيدات البنكية وشح الضمانات أبواب التمويل في وجوههم، تبرز الحاجة الملحة للتفكير خارج الصندوق وتبني نماذج اقتصادية جماعية مبتكرة ترتكز على التكافل والتضامن المجتمعي.
ومن هذه الرؤية تنطلق فكرة الصناديق التخصصية المشتركة، لتشكل آلية تكافلية تنظم جهود الشباب وتستثمر طاقاتهم كل حسب توجهه وخبراته. وفي ظل شح الوظائف الحكومية والتقليدية، تشتد الحاجة الوطنية إلى تجاوز ثقافة الاتكالية المطلقة وانتظار التوظيف عبر وزارة العمل، والتحرر من التقاعس الفردي نحو تبني خيارات العمل الحر والكفاح بإرادة صلبة وطموح جاد، بما ينمي القدرات المعرفية والمهنية للشباب ويفتح أمامهم آفاقاً مستقبلية واعدة تضعهم في مسار صانعي الفرص لا الباحثين عنها فحسب.
وحينما تقوم فكرة الصناديق التخصصية للشباب على تجمع مجموعة يبلغ عددهم من خمسة إلى خمسة عشر شاباً ممن يجمعهم مجال واحد أو مجالات متكاملة مثل تقنية المعلومات والحرف اليدوية والتسويق الرقمي والزراعة الحديثة،وغيرها من احتياحات الاسواق والمناطق الصناعية واللوجستية، لإنشاء صندوق مالي واستشاري مصغر يتم تمويله بمساهمات مالية دورية رمزية أو عبر استقطاب تمويل جماعي خارجي ليكون نواة لتمويل المشاريع تباعاً.
وتدار هذه الصناديق عبر التكامل المهني بحيث لا يقتصر الصندوق على جمع الأموال بل يجمع الخبرات المتنوعة كالمبرمج والمحاسب والمسوق والمهندس مما يغني المشروع عن تكاليف الاستعانة بخبراء خارجيين، وتتحقق الحوكمة والشفافية بوضع لوائح واضحة تضمن حقوق الجميع وتحديد نسب الأرباح أو آليات استرداد القروض لدوران عجلة الصندوق ومساعدة أعضاء جدد، إلى جانب التناوب في التمويل عبر جدول زمني أو بناء على دراسة جدوى المشروع الأكثر جاهزية لتحقيق عوائد سريعة.
ولضمان انتقال المبادرة من حيز الأفكار النظري إلى التطبيق العملي المستدام، ترتكز المنظومة على الشراكة المجتمعية والمؤسسية عبر تكامل الأدوار مع مكاتب المحافظين للاستفادة من الدعم الإداري والمحلي وربط الصناديق بالاحتياجات التنموية والميزات التنافسية لكل محافظة، ومع أعضاء مجلسي الشورى والبلدي لدعم المبادرات تشريعياً وتذليل العقبات المحلية وإشراكهم في الرقابة والتوجيه لضمان الجدية،ومع الجمعيات الأهلية واللجان التطوعية لتوفير الحاضنة المجتمعية ونشر الوعي الادخاري والاستثماري.
كما تعزز هذه الكفاءة عبر مسارات تطويرية تشمل تأسيس حاضنات الصناديق الرقمية عبر منصة وطنية أو تطبيق ذكي لتنظيم الإدارة المالية وتوثيق العقود، وتطبيق نموذج التمويل الهجين لدمج مساهمات الشباب مع تمويل محفز من المسؤولية الاجتماعية للشركات أو المصارف الإسلامية، وربط المشاركة ببرامج الاحتراف المهني، وإنشاء الصناديق العابرة للمحافظات، مستلهمة تجارب عالمية ناجحة كمجموعات التضامن لبنوك الفقراء وتعاونيات العمال الإيطالية ودوائر الإقراض المجتمعي.
ولحماية استدامة هذه المنظومة وضمان عملها ضمن مظلة آمنة، تتطلب المنظومة صياغة إطار تنظيمي مرن وبيئة تجريبية تشريعية بالتعاون مع الجهات المختصة كالبنك المركزي ووزارة التجارة أو التنمية الاجتماعية لإصدار تراخيص مبسطة تسمى رخصة صندوق تضامني شبابي مصغر مع عقود موحدة ومعتمدة رقمياً،
تزامناً مع تخصيص صناديق الطوارئ واحتياطي المخاطر المشتركة لامتصاص الصدمات، وإنشاء أسواق التصريف الافتراضية والمعارض الدورية لتسهيل تسويق المنتجات، وتفعيل نظام التوجيه والإرشاد العكسي عبر الكفاءات الوطنية المتقاعدة، فضلاً عن توفير الحوافز الضريبية والتفضيل الشرائي في المناقصات المصغرة. ولتقييم عائدها التنموي بدقة، يُعتمد أداء قياسي يشمل معدل استرداد وتدوير القروض، واستدامة فرص العمل المولدة، ومعدل نمو الإيرادات، ومؤشر الشمول المالي للشباب المنتقلين لريادة الأعمال.
ولضمان تبني هذا النموذج على نطاق واسع وتحويله إلى برامج وطنية مدعومة، يبرز مساران أساسيان للتمكين؛ الأول يتمثل في المسار التشريعي والتنظيمي عبر رفع هذه الرؤية المتكاملة إلى مجلسي الدولة والوزراء لتكون رافداً أساسياً في صياغة السياسات الداعمة لتمكين الشباب، تمهيداً لرفع التوصيات التنفيذية إلى المقام السامي لتحظى بالرعاية التي تعزز الاقتصاد التضامني وتدفع بريادة الأعمال نحو آفاق أرحب. والمسار الثاني يتمثل في التمكين المؤسسي والمحلي من خلال تفعيل الشراكات الاستراتيجية مع المحافظات وغرف التجارة والجهات التمويلية لتوفير البيئة الحاضنة والمحفزة لتلك الصناديق وتسهيل إجراءات ترخيصها وتيسير أدوات عملها.
وتحقق هذه المبادرة مزايا كبرى تتمثل في تخطي عقبة التمويل كحل جذري لنقص رأس المال وغياب الضمانات، وتقليل المخاطر بتقاسمها بين الأعضاء، وصناعة الفرص عبر التحول الحقيقي للشباب من باحثين عن عمل إلى مشغلين وصانعي ثروة.
وخلاصة القول إن تطعيم فكرة الصناديق التخصصية بالتحول الرقمي، والدعم المؤسسي الموجه، والأطر القانونية المرنة، ومؤشرات الأثر الدقيقة يكفل لها الانتقال من مجرد فكرة واعدة إلى منظومة وطنية رائدة لصناعة رواد الأعمال، فعندما تتقاطع إرادة الشباب الطموحة مع التحرر من الاتكالية والدعم المؤسسي والمجتمعي والتشريعي، نضع اللبنة الحقيقية لاقتصاد وطني مرن ومستدام.
