د. حمد بن أحمد السعدي – أستاذ القانون المدني المساعد بكلية الحقوق – جامعة الشرقية
hamed.alsaadi@asu.edu.om
قد يتفق شخصان على بيع سيارة أو منزل أو أي مال آخر، ويتبادلان الحديث حول المبيع والثمن، لكن السؤال القانوني الأهم هو: متى يتحول هذا الاتفاق إلى عقد بيع ملزم للطرفين؟ وهل يشترط أن يقول البائع صراحة: “بعت”، وأن يجيبه المشتري: “اشتريت”، أم يمكن أن ينعقد البيع بعبارات أو وسائل أخرى؟
تبدأ الإجابة من القاعدة العامة التي قررها المشرع العُماني في المادة (66) من قانون المعاملات المدنية، التي عرّفت العقد بأنه: “العقد هو ارتباط الإيجاب بالقبول وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه”، كما نصت الفقرة الأولى من المادة (69) من القانون ذاته على أنه: “ينعقد العقد بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول مع مراعاة ما يقرره القانون من أوضاع معينة لانعقاد العقد”.
ومن هذين النصين يتضح أن انعقاد عقد البيع يتطلب التقاء إرادتين: إيجابًا يصدر من أحد الطرفين، وقبولًا يصدر من الطرف الآخر.
فما المقصود بالإيجاب؟
الإيجاب هو التعبير الذي يصدر من أحد الطرفين متضمنًا رغبته الجازمة في إبرام العقد على نحو يكفي معه قبول الطرف الآخر لانعقاده. ولا يشترط أن يصدر الإيجاب من البائع دائمًا؛ فقد يبدأ المشتري بعرض شراء مال معين بثمن محدد، فإذا وافق مالكه على ذلك انعقد البيع متى توافرت بقية شروطه.
فإذا قال مالك سيارة لشخص: “أبيعك هذه السيارة بعشرة آلاف ريال عماني”، فقد صدر منه إيجاب بالبيع. وقد يحدث العكس، فيقول شخص لمالك السيارة: “أشتري منك هذه السيارة بعشرة آلاف ريال عماني”، فيصدر الإيجاب هنا من المشتري، فإذا وافق المالك انعقد العقد.
وما المقصود بالقبول؟
القبول هو التعبير الصادر ممن وُجه إليه الإيجاب، والذي يكشف عن موافقته عليه. ولا يكفي مجرد صدور القبول، بل يجب أن يكون مطابقًا للإيجاب. وقد قررت المادة (78) من قانون المعاملات المدنية أنه: “يشترط أن يكون القبول مطابقا للإيجاب، وإذا اقترن القبول بما يعدل في الإيجاب أو يقيده اعتبر رفضا يتضمن إيجابا جديدا”.
فإذا عرض شخص بيع سيارته بعشرة آلاف ريال عماني، وقال الطرف الآخر: “قبلت شراءها بعشرة آلاف ريال عماني”، تطابق القبول مع الإيجاب. أما إذا أجابه: “أشتريها بتسعة آلاف ريال عماني”، فلا يعد ذلك قبولًا؛ لأنه غيّر الثمن، وإنما يعد رفضًا للإيجاب الأول يتضمن إيجابًا جديدًا، ويكون للطرف الآخر أن يقبله أو يرفضه.
وهذا يوضح أن التوافق يجب أن ينصب على مضمون العقد؛ فلا يكفي أن يرغب أحد الطرفين في البيع والآخر في الشراء، إذا كان كل منهما يتحدث عن شروط تختلف عن تلك التي يقصدها الآخر.
وهل يجب أن يكون الإيجاب والقبول بألفاظ معينة؟
الإجابة بالنفي. فالمشرع لم يحصر التعبير عن الإرادة في ألفاظ محددة. وقد نصت المادة (70) من قانون المعاملات المدنية على أن: “التعبير عن الإرادة يكون بالكلام أو بالكتابة أو بالإشارة المتداولة عرفا أو باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكا في دلالته على حقيقة المقصود منه”.
وبذلك يمكن أن يصدر الإيجاب والقبول بالكلام، وهي من أكثر طرق التعبير عن الإرادة شيوعًا، كأن يقول البائع: “أبيعك هذه السيارة”، فيجيبه المشتري: “قبلت”؛ أو بالكتابة، كأن يعرض شخص بيع مال معين برسالة مكتوبة، فيرد الطرف الآخر كتابةً بالموافقة؛ أو بالإشارة المتداولة عرفًا، كالإيماء بالرأس أو رفع إبهام اليد إلى الأعلى متى دلت الإشارة في ظروف التعامل على الموافقة؛ أو باتخاذ موقف يدل على حقيقة المقصود، كأن يضع المشتري السلعة أمام البائع ويدفع ثمنها، فيتسلم البائع الثمن ويسلمه السلعة دون أن يتبادلا ألفاظًا صريحة بالبيع والشراء. وقد يُستفاد التعبير عن الإرادة كذلك من أي موقف آخر لا تدع ظروف الحال شكًا في دلالته على حقيقة ما قصده صاحبه.
ومتى يصبح الاتفاق عقد بيع؟
يصبح الاتفاق عقد بيع عندما يصدر إيجاب واضح ومحدد، ويقترن به قبول مطابق له، بحيث تتلاقى إرادتا الطرفين على إبرام البيع. فإذا عرض مالك سيارة بيعها بعشرة آلاف ريال عماني، وقبل الطرف الآخر شراءها بهذا الثمن، فقد تحقق التراضي بينهما، ولا يلزم – كأصل عام – أن يستخدم الطرفان صيغة لفظية محددة ما دامت إرادتهما في البيع والشراء واضحة.
ومع ذلك، فإن مجرد وجود إيجاب وقبول من حيث الظاهر لا يغني عن ضرورة توافر بقية الشروط التي يتطلبها القانون لصحة العقد ونفاذ آثاره، كما يجب مراعاة ما قد يقرره القانون من أوضاع خاصة لبعض التصرفات.
وتكمن أهمية فهم الإيجاب والقبول في أن كثيرًا من الخلافات لا تدور حول رغبة الطرفين في التعامل، وإنما حول السؤال: هل اتفقا فعلًا على العقد ذاته وبالشروط ذاتها؟ فقد يعتقد أحدهما أن البيع قد تم، بينما يرى الآخر أن ما صدر منه لم يكن قبولًا نهائيًا أو أنه كان مشروطًا بتعديل الثمن أو أحد شروط العقد.
ومن هنا، فإن الإيجاب والقبول يمثلان الوسيلة التي تلتقي بها إرادتا البائع والمشتري، ولا يصبح الاتفاق عقد بيع لمجرد وجود رغبة متبادلة في البيع والشراء، وإنما عندما تتوافق الإرادتان على نحو يكشف عن اتفاقهما على العقد ومضمونه.
إن المعرفة القانونية الصحيحة هي الضمان الأول لاستقرار المعاملات وصيانة الحقوق.
