ناصر المنجي
نعم، الشاعر سماء عيسى سماء عُمانية نجومها القصائد وأقمارها الإبداع المستمر دون إنقطاع، شموسها الحب الذي تُشرق من قلبه الجميل ، حُب للطفولة وللحرية، للمنفى من قصيدةٍ لأخرى، للزُّهاد في الدنيا إلا من محبة الله، حب للفرح بولادة مبدعٍ عماني في مختلف جنان الإبداع، للشهداء ودمائهم الزكية التي ترسم وتُعبِّد دروب الحرية، قصائده تنضح بثيمات الموت والفقد والطبيعة مع نبرة صوفية ووجدانية، جربته من أكثر التجارب كثافةً في معالجة “شعرية الموت” في الشعر العماني والعربي المعاصر.
ولد شاعرنا في خمسينيات القرن الماضي حيث عُمان كانت تعيش في عُزلة وإنغلاق في تلك الفترة، تلقّفه الشعر باكراً عندما بدأ بنشر قصائده في أواخر الستينيات في بعض المجلات اليمنية، هو الأب والمؤسس الحقيقي لقصيدة النثر ليس في عمان وحدها بل في الخليج العربي إلى جانب شعراء آخرين كالشاعر الراحل من دنيانا الباقي في قلوبنا زاهر الغافري وآخرين أتو بعده مثل محمد الحارثي عليه رحمة الله وصالح العامري وعبدالله البلوشي وناصر العلوي وآخرين، تلقى تعليمه بدايةً في السلطنة ثم في البحرين ودولة الكويت التي أكمل بها المرحلة الثانوية لينتقل بعدها إلى القاهرة التي تخرج من إحدى جامعاتها في العام 1974، لذا يرتبط بصداقات مع العديد من الصداقات مع الكثير من الشعراء العرب كالراحل سعدي يوسف وحسن طلب وأمين صالح وقاسم حداد وآخرين.
( أنا الذي حياتي | أشبه بوردةٍ قطفها جندي | هرب بها إلى ساحة المعركة | هناك راقب الوردة نزيف دمه | ابتسمت له قبل الموت | وحيدة بكت عليه بعد موته) هكذا يقول شاعرنا في إحدى قصائده في نص شعري باذخ ومُكثّف حاملاً دلالات الموت والحياة والعذاب والحب والحنين، “من هناك يأتي سماء عيسى منذراً بفجيعةٍ ما، معه نمشي من خراب طاغٍ يسود الكون والعناصر، إنه قادم من حروب خاسرة ذاهب إلى منفى الأعماق والدواخل وكأن سماء عسى قد جاء قبل كل هذه الفجيعة التي يتمرغ فيها الآن، يكتب منذ سنوات دون أن يعبأ بما لا يحدث أو بمن لا يكترث بما يحدث، يكتب حيناً ويكبت أكثر الأحيان، في عمان ظل في الجزء الخلفي من المشهد، عادة العمانيين الذين يمارسون جديتهم في الحضور الرزين، سماء عيسى ظل في الظل الذي الذي درجة الحرارة فيه أكبر من القلب”، هكذا يقول عنه رفيق دربه وشعره الكاتب البحريني قاسم حداد، ولعمري ان هذا أبلغ وأجمل وصف لتجربة سماء عيسى.
“ماء لجسد الخرافة” باكورة دواوين سماء عيسى الشعرية الذي صدر في ثمانينيات القرن المنصرم من أعمارنا وليس من الروح الجميلة التي هي الشعر، توالت بعدها أكثر من عشرين مجموعة شعرية أثرت وأثّرت في الساحة الشعرية، الشعر فتح عينية على عوالم إبداعية أخرى ففي السرد له بعض المجموعات، السينما رفيقة المبدع دوماً وبالنسبة لسماء عيسى لم يكتفي بالمشاهدة والفرجة بل كتب سيناريوهات لبعض الأفلام، ساهم مع احسن مير وأنور سونيا في تأسيس جماعة الدائرة التي تجمع بين الفن المفاهيمي والشعر والسرد، لست هنا في مدح سماء عيسى بل للتدليل على الطاقة الإبداعية اتي لدى هذا الإنسان النبيل.
فلج من أفلاج عمان هو سماء عيسى، أول من شق هذا الفلج ورفد سواعده هو مالك بن فهم الأزدي ومن بعده ساعده آخرون مثل سليمان بن سليمان النبهاني والخليل بن أحمد الفراهيدي وسعيد بن أحمد البوسعيدي وأبا مسلم البهلاي وعبدالله الخليلي سعيد بن خلفان البوسعيدي وراشد بن خميس الحبسي وكثرٌ غيرهم، الفرق بين هذا الفلج الإبداعي أن من يشرب من مائه لا يرتوي بل يزاد عطشه لعذوبة مائه.
