إسماعيل بن حمد الكندي
رواية انقطاعات الموت، للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو الذي يضع من خلالها اصبعًا على تخيلات مفرطة، وحلم عجائبي بسؤال فلسفي: ماذا لو توقف الإنسان عن الموت؟ لا يأخذه الروائي لمنحى وجودي وعبثي فقط، بل يقدم من خلاله أزمة تكشف هشاشة السياسة، والدين، والإقتصاد، وليعيد توجيه مفهومًا للخلود، ونعمة أن يكون الإنسان فانيًا.
“في اليوم التالي لم يمت أحدًا”، هكذا تبدأ الرواية، هلع في المدينة، ولكن ذلك يعني الخلود، ولكنه يخالف سير الحياة، لذلك هو “هلع” بلسان العامة، بين صحفي تحقيقات يتساءل، ونظرات موجهة لوزير الصحة، تنشأ تلك التناقضات ليكوّن بها الروائي سؤالاً يقع في نفس القارئ، “أهي نعمة أم نقمة؟”.
لا يكتفي الروائي بطرح هذا التناقض كقضية رأي عام، بل ينقد من خلاله الهشاشة داخل السلطة السياسية، فبإنقطاع الموت يتبين للقارئ ضعف سير عمل المؤسسات المتسلطة، والتي لم تستعد لمواجهة أي أزمة، فالوزير يخاطب الملك قائلًا “اذا لم نعد للموت فلا مستقبل لنا”، ودون تكلف يقصد ساراماغو أن الإنسان هو أقل ما يؤرق هذه المؤسسات، فالمستقبل بلسان الوزير يعني المصير الإقتصادي، وكرسي السلطة، فخلود الشعب بالنسبة لهم حاجة تراكم الرأي، وتوجه نفس الأعين لنفس الكرسي، وبالضرورة هي توجه خوفها من الموت لخوفها على مستقبل الحياة الخالدة.
يواصل ساراماغو لينقل حالة السلطة الدينية ورأيها بالقضية، من خلال مشهد يجمع به رجال الدين من مختلف المذاهب على نفس الطاولة، لمناقشة انهيار مكانتهم تدريجيًا، لأن غياب الموت صنع حالة من الشك على الخطاب الديني لدى الشعب، ويظهر ساراماغو ليقول أن بدون الموت لا يوجد البعث، بالتالي لا وجود لما تروج من خلاله السلطة الدينية بعض أفكارها، وتلك لا يوجد لها تبرير.
تلك الخطابات السياسية والدينية، دائمًا ما كانت تواجه العقل، فالمجتمع الذي صنعه ساراماغو أصبح يعي المعاني الدعائية الخفية، ويحكم عقله ولا يقبل أي توجيه من أي سلطة كانت في ظل الأزمة، وهنا فكرة ساراماغو تتمحور حول، أن الحالة الطبيعية للخطاب الديني دائمًا ما كان يكره الآخر، والخطاب السياسي يسد الجوع، وما أن ظهرت الأزمة يدرك المجتمع أن الآخر ربه الله كذلك كما أن البسكويت لا يكفي، ففكرة الروائي بتوحيد الخطاب الديني الذي لم يعتده الجمهور لأسقاط ستار التجارة بأفكار الدين للمصلحة الشخصية، “فالدين لا يكره” تلك هي الفكرة ببساطة.
في النصف الثاني من الرواية تظهر فلسفة تكشف العمق النفسي لهذه الحالة، فينقل سارماغو الموت بطريقة ساخرة كأنسان يتحدث ويشعر، فبين أحداث الفشل والحزن والسعادة التي يعيشها الموت، يتبين للقارئ مدى الضعف البشري في النظام الطبيعي، فبمجرد أنسنة الموت يظهر الفشل، وينكشف قناع التمرد الإنساني بقوله “لا سلطة تعلو سلطتي”، وهنا يشير ساراماغو على الكيفية المثالية للطبيعة التي تجري تحت أمر الله.
لعل أكثر ما يميز هذه الفلسفة هي توضيح العلاقة بين النفس والجسد كما يراها ساراماغو، فأنسنة الموت توضح التوازي بين النفس والجسد والتي هي تشرح بأنهما مكملان لبعضهما وهم حقيقة واحدة، وذلك ما يتوافق مع فلسفة “باروخ سبينوزا” الذي يرى في كتابه “علم الأخلاق” “أن موضوع الفكرة التي تكوّن العقل الإنساني هو الجسد، أو نمط معين من إمتداد موجود بالفعل، ولا شئ غيره”، ويعني ذلك أن ما يؤثر على النفس يؤثر بشكل طبيعي على الجسد فكلاهما يعبران عن الشئ ذاته.
ينجح ساراماغو في التوفيق بين مفهوم فلسفي كالخلود، ومفهوم سياسي إعلامي كالدعاية، فهي تتضح بلسان شخصيات الرواية، من خلال حوارات تضع مفهوم الخلود في اختبار بين الخير والشر، ليصنع سارماغو الحيرة في ذهن القارئ ليدعه يقرر لأي الجانبين سينتمي، ومن خلال الإعلام تظهر طرق الدعاية التي استخدمتها السلطات لتروج لبعض الأفكار تحت ظل مفهوم الخلود.
ختامًا، إن رواية انقطاعات الموت هي جوهرة معاصرة، يضع من خلالها ساراماغو اسئلة ليجاوب على بعضها من خلال الأحداث، ويجعل قراءه كالعاده يصنعون أجوبتهم بنفسهم، فهو يتساءل لا ليعلن اعتراضه، بل ليقدم ادراكًا جديدًا لقراءه من خلال حالة روائية جديدة، فإنقطاع الموت لم يأتي ليعلن حالة متفردة تصنع أناسًا خارقين في دولة خارقة، بل جاءت لتعبر عن تنقلات هذه الحالة المتفردة بين نفس الفرد والجماعة وبين سير عمل السلطة في هذا البلد، وأخيرًا جاءت لتوضح الكيفية التي يسير بها النظام الطبيعي المثالي الذي خلقه الله تعالى.
