أسيل بدر القاسمية -شؤون وطنية
من OQX26 إلى مضيق هرمز… كيف يمكن لعُمان تحويل الموقع إلى قوة في سلاسل الإمداد؟
حين ندرس اللوجستيات وسلاسل الإمداد، نتعلم في البداية عن النقل والتخزين والموانئ والمخزون ومسارات البضائع. لكن الأحداث الكبرى سرعان ما تكشف لنا أن سلاسل الإمداد ليست نشاطًا تجاريًا منفصلًا عن السياسة، بل قد تكون أحيانًا واحدة من أكثر الأدوات حساسية في العلاقات بين الدول.
وهذا ما جعلني أتوقف عند التصريحات الأخيرة لرئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف، الموجهة إلى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت.
وسط لغة سياسية حادة، طلب قاليباف منه مراقبة ثلاثة مؤشرات:
OQX26 | USGG10YR | DOESSPR
ما أثار اهتمامي، كطالبة سنة ثالثة في تخصص الخدمات اللوجستيات وسلاسل الإمداد في عُمان، هو المؤشر الأول تحديدًا: OQX26، المرتبط بعقد خام عُمان لشهر نوفمبر 2026.
السؤال الذي خطر لي لم يكن فقط: لماذا ذكر قاليباف خام عُمان؟
بل كان أوسع:
ماذا يعني أن يصبح مؤشر مرتبط بعُمان جزءًا من قراءة أزمة دولية تتداخل فيها الطاقة والملاحة والأسواق وسلاسل الإمداد؟
ومن هذا السؤال بدأت قراءة المشهد بطريقة مختلفة.
السوق لا يسعّر النفط وحده
كان بإمكان قاليباف الاستشهاد ببرنت أو خام غرب تكساس، لكنه اختار عقدًا مرتبطًا بخام عُمان، وهو أحد المراجع المهمة في تسعير النفط المتجه إلى الأسواق الآسيوية.
ولا يعني ذلك بالطبع أن قاليباف كان يوجه رسالة سياسية إلى عُمان أو يتحدث باسمها. لكن اختيار المؤشر مهم من زاوية أخرى.
فعندما تتعرض منطقة مثل مضيق هرمز للتوتر، لا تنظر الأسواق فقط إلى كمية النفط المتاحة اليوم، وإنما تبدأ في حساب ما قد يحدث غدًا.
هل ستعبر الناقلات؟
هل سترتفع تكلفة التأمين؟
هل ستتأخر الشحنات؟
هل تحتاج السفن إلى تغيير مساراتها؟
وهل تستطيع الدول المستهلكة تعويض أي نقص محتمل؟
كل هذه الأسئلة تتحول في النهاية إلى أرقام على شاشات الأسواق.
ومن هنا يمكن القول إن السوق لا تسعّر البرميل وحده؛ بل تسعّر المخاطر التي تحيط بوصول ذلك البرميل إلى وجهته.
وهذه في جوهرها مسألة من مسائل سلاسل الإمداد.
من هرمز تبدأ القصة العُمانية
بالنسبة إلى عُمان، لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر بحري بعيد عن اقتصادنا.
الجغرافيا وضعت السلطنة في موقع شديد الخصوصية عند واحد من أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة في العالم، وفي الوقت نفسه منحتها سواحل وموانئ مفتوحة على بحر عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي.
وهذه مفارقة جغرافية تستحق التفكير.
فعُمان موجودة عند نقطة الاختناق، لكنها تمتلك في الوقت نفسه منافذ تقع خارجها.
ومن منظور سلاسل الإمداد، هذه ميزة مهمة جدًا.
فإحدى القواعد التي نتعلمها في هذا المجال أن الشبكة الأكثر قدرة على الصمود ليست بالضرورة الأقصر أو الأرخص، وإنما التي تمتلك بدائل عندما يتعطل المسار الرئيسي.
وهنا يصبح موقع عُمان أكثر من مجرد موقع على الخريطة.
يمكن أن يصبح جزءًا من مفهوم أوسع يسمى مرونة سلاسل الإمداد.
الممر والمرجع والوساطة
عند محاولة جمع عناصر المشهد، أجد أن عُمان تمتلك ثلاث أوراق متزامنة:
الممر: موقعها في مضيق هرمز.
المرجع: خام عُمان وحضوره في أسواق تسعير الطاقة.
الوساطة: قدرة مسقط السياسية على التواصل مع أطراف تختلف، بل وتتواجه، فيما بينها.
هذه العناصر الثلاثة تبدو منفصلة، لكنها في الواقع مترابطة.
فالممر يتعلق بحركة التجارة والطاقة.
والمرجع يتعلق بالسوق وتسعير المخاطر.
والوساطة تساعد في المحافظة على البيئة السياسية التي تسمح باستمرار الحركة.
ومن هنا بدأت أرى اللوجستيات بصورة مختلفة: ليست فقط عملية نقل البضاعة من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»، وإنما منظومة تتأثر بالدبلوماسية والأمن والطاقة والقانون والعلاقات الدولية.
ماذا يمكن أن تضيف عُمان إلى أمن هرمز؟
المباحثات العُمانية الإيرانية الأخيرة بشأن الملاحة في المضيق تفتح سؤالًا مهمًا حول الدور الذي يمكن أن تلعبه السلطنة مستقبلًا.
ربما لا ينبغي أن يقتصر التفكير على كيفية إعادة السفن إلى مساراتها بعد كل أزمة.
يمكن التفكير أيضًا في بناء آليات دائمة للتعاون في سلامة الملاحة، وتبادل المعلومات البحرية، والاستجابة للحوادث، والإنقاذ، ومواجهة التلوث، وإدارة المخاطر التي تؤثر في حركة السفن.
ومن منظور لوجستي، كلما أصبحت حركة الممر أكثر قابلية للتوقع، انخفضت المخاطر على سلسلة الإمداد.
وهذا مهم لأن الشركات لا تخشى ارتفاع التكلفة وحده؛ إنها تخشى أيضًا عدم القدرة على التنبؤ.
فالميناء قد يتعامل مع الازدحام، والشركة قد تتحمل زيادة محدودة في تكلفة النقل، لكن عدم معرفة موعد وصول السفينة أو إمكانية عبورها أصلًا يجعل التخطيط للمخزون والإنتاج والتوزيع أكثر تعقيدًا.
لهذا فإن الاستقرار السياسي والأمني في هرمز له قيمة لوجستية قابلة للقياس اقتصاديًا.
من أمن الملاحة إلى أمن سلسلة الإمداد
أعتقد أن هذه النقطة تستحق اهتمامًا أكبر.
عندما نتحدث عن أمن مضيق هرمز، يتجه التفكير تلقائيًا إلى السفن والناقلات والقوات البحرية.
لكن مفهوم الأمن من منظور سلاسل الإمداد أوسع.
ماذا يحدث للمصنع في آسيا عندما تتأخر مادة خام؟
ماذا يحدث للأسعار عندما ترتفع تكاليف الشحن والتأمين؟
وماذا يحدث للمخزون عندما يصبح زمن الوصول غير معروف؟
هنا نكتشف أن حادثًا يقع في مساحة بحرية صغيرة يمكن أن يصل أثره إلى مصنع أو متجر أو مستهلك يبعد آلاف الكيلومترات.
وهذه هي طبيعة سلاسل الإمداد الحديثة: العالم شبكة، والاضطراب المحلي قد يتحول بسرعة إلى تكلفة عالمية.
لذلك فإن حماية هرمز ليست قضية نفطية فقط، وإنما قضية تتعلق باستقرار شبكة واسعة من التجارة والطاقة والإنتاج.
الموانئ العُمانية: الموقع وحده لا يكفي
وهنا نصل إلى الدقم وصلالة وصحار.
كثيرًا ما نسمع أن الموقع الجغرافي لعُمان استراتيجي، وهذه حقيقة، لكن دراسة اللوجستيات تجعلني أعتقد أن الموقع وحده لا يكفي.
الموقع يصبح ذا قيمة عندما نستطيع تحويله إلى خدمة وحركة واتصال.
أي عندما يرتبط الميناء بالطرق والمناطق الاقتصادية والمخازن والمطارات والخدمات البحرية، وبشبكات النقل البرية والسككية مستقبلًا، ثم بالأسواق التي يريد المستثمر الوصول إليها.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية للموانئ العُمانية لا تكمن فقط في أنها خارج مضيق هرمز أو قريبة من طرق التجارة الدولية، وإنما في قدرتها على أن تصبح أجزاء مترابطة من شبكة لوجستية أوسع.
فالسفينة لا تبحث عن رصيف فقط.
إنها جزء من سلسلة تبدأ قبل وصولها إلى الميناء وتستمر طويلًا بعد مغادرته.
الطريق إلى الخليج لا ينتهي عند الرصيف
وهنا يظهر البعد البري للمعادلة.
فالربط المباشر بين عُمان والمملكة العربية السعودية عبر الربع الخالي، وما يمكن أن يتطور حوله من ممرات تجارية أكثر كفاءة، يمنح الموانئ العُمانية معنى إضافيًا.
إذا وصلت البضائع إلى ميناء عُماني مفتوح على المحيط الهندي، ثم استطاعت الانتقال بكفاءة إلى الأسواق الخليجية برًا، فإننا لا نتحدث عن ميناء عُماني فقط، وإنما عن مسار لوجستي خليجي محتمل.
والعكس صحيح: يمكن للمنتجات القادمة من عمق شبه الجزيرة العربية أن تجد عبر عُمان منافذ إضافية نحو المحيط والأسواق الآسيوية والأفريقية.
وهنا تتغير طريقة النظر إلى البنية الأساسية.
الطريق لم يعد مجرد طريق.
والميناء لم يعد مجرد ميناء.
كلاهما يصبح جزءًا من شبكة خيارات.
ومن أهم عناصر قوة أي سلسلة إمداد أن تمتلك أكثر من خيار.
عندما تصبح اللوجستيات جيوسياسة
ربما تكون هذه أكثر فكرة جذبتني أثناء قراءة الموضوع.
اعتدنا أن نربط القوة الدولية بالجيوش والاقتصادات الكبيرة والموارد الطبيعية.
لكن العالم الحديث أضاف نوعًا آخر من القوة:
القدرة على إبقاء الأشياء تتحرك.
الدولة التي تمر عبر موانئها التجارة، وتعتمد الشركات على طرقها، وتوجد فيها منشآت التخزين والخدمات، وتستطيع تقديم مسارات بديلة عند حدوث أزمة، تكتسب أهمية تتجاوز العائد المالي المباشر لهذه الأنشطة.
فكلما أصبحت البنية الأساسية لدولة ما جزءًا من خطط الآخرين، أصبحت استمرارية تلك الدولة واستقرارها جزءًا من مصالحهم أيضًا.
وهنا تتحول اللوجستيات تدريجيًا إلى قوة جيوسياسية هادئة.
لا تحتاج إلى رفع الصوت، لأنها موجودة داخل حسابات الآخرين.
ماذا يمكن أن تفعل عُمان؟
من وجهة نظري كطالبة ما زالت في بداية دراسة هذا المجال، تبدو أمام عُمان فرصة تستحق التفكير على عدة مستويات.
يمكن تعزيز تكامل الموانئ العُمانية بدل النظر إلى كل ميناء بصورة منفصلة، وتسريع الربط بين الموانئ والمناطق الاقتصادية والطرق والأسواق الخليجية، وتطوير خدمات التخزين وإعادة التصدير والخدمات البحرية، والاستثمار بصورة أكبر في التقنيات التي تجعل حركة البضائع أكثر كفاءة وشفافية.
كما يمكن أن يصبح تخصص إدارة مخاطر سلاسل الإمداد مجالًا مهمًا لعُمان مستقبلًا.
فإذا كانت الجغرافيا قد وضعتنا بجوار أحد أهم الممرات وأكثرها حساسية في العالم، فلماذا لا تصبح السلطنة أيضًا مركزًا للمعرفة والخدمات المتعلقة بإدارة مخاطر التجارة البحرية؟
وهنا يأتي دور الجامعات ومؤسسات التدريب والبحث العلمي أيضًا.
فبناء مركز لوجستي عالمي لا يحتاج إلى الأرصفة والرافعات والمستودعات فقط؛ يحتاج إلى عقول تعرف كيف تدير الشبكة.
الدرس الذي أعطاني إياه OQX26
ربما لهذا السبب أثار انتباهي ذلك الرمز الصغير الذي وضعه قاليباف في رسالته إلى بيسنت.
OQX26.
قد يراه المتداول عقدًا نفطيًا.
وقد يراه السياسي مؤشرًا على الضغط الاقتصادي.
أما أنا، كطالبة لوجستيات وسلاسل إمداد، فقد جعلني أراه بطريقة أخرى:
خلف السعر ناقلة.
وخلف الناقلة مضيق.
وخلف المضيق موانئ وطرق وشركات ومخازن ومصانع وأسواق.
وخلف كل ذلك سلسلة طويلة من القرارات والمخاطر والعلاقات بين الدول.
وهنا فهمت بصورة أوضح لماذا لا يمكن دراسة سلاسل الإمداد بمعزل عن العالم الذي تتحرك داخله.
بالنسبة لعُمان، ربما تكون الفرصة أكبر من مجرد الاستفادة من موقع جغرافي مميز.
الفرصة هي أن نحول هذا الموقع إلى منظومة.
منظومة تربط هرمز بالموانئ، والموانئ بالطرق، والطرق بالخليج، والخليج بالمحيط، والطاقة بالأسواق، والدبلوماسية بالاقتصاد.
وعندها لا تعود أهمية عُمان نابعة فقط من أنها تقع على طريق التجارة.
بل من أن التجارة، عندما تضطرب طرقها، قد تجد في عُمان طريقًا آخر.. وختاما أستطيع القول إن أهم فكرة خرجت بها من قراءة أزمة سياسية:
(في عالم مترابط، قد تبدأ الجغرافيا على الخريطة… لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى سلسلة إمداد لا يستطيع العالم تجاهلها)..
