د. حمد بن أحمد السعدي – أستاذ القانون المدني المساعد بكلية الحقوق جامعة الشرقية
hamed.alsaadi@asu.edu.om
من خصائص عقد البيع أنه من العقود المحددة، والمقصود بالعقد المحدد أن كل متعاقد يستطيع، وقت إبرام العقد، أن يعرف بصورة واضحة – أو على الأقل أن يكون من الممكن تحديد – ما يحصل عليه من الطرف الآخر وما يلتزم بأدائه له.
وتظهر هذه الخاصية بوضوح في عقد البيع؛ فالمشتري يعرف المبيع الذي سيحصل عليه، ويعرف الثمن الذي يلتزم بدفعه، كما يعرف البائع المبلغ الذي سيحصل عليه في مقابل المبيع الذي يلتزم بتمليكه للمشتري. ولذلك تكون الالتزامات والمنافع المتبادلة بين الطرفين قابلة للتحديد منذ إبرام العقد.
ويستفاد من تعريف المشرع العُماني للبيع في المادة (355) من قانون المعاملات المدنية أن البيع يقوم على تمليك مال أو حق مالي “مقابل ثمن نقدي”. فوجود المبيع والثمن باعتبارهما محل الأداءات المتقابلة في العقد يجعل كل طرف قادرًا – من حيث الأصل – على معرفة ما له وما عليه منذ لحظة التعاقد.
ولا يشترط في العقد المحدد أن تكون قيمة ما يؤديه كل طرف مساوية اقتصاديًا لقيمة ما يحصل عليه الطرف الآخر، فالمقصود بالتحديد ليس تحقيق التعادل الحسابي بين الأداءات، وإنما أن يكون محل التزام كل طرف معلومًا أو قابلاً للتحديد وفقًا للاتفاق أو للقواعد القانونية، بحيث يستطيع المتعاقدان معرفة نطاق حقوقهما والتزاماتهما.
وفي المقابل، يختلف العقد المحدد عن العقد الاحتمالي، الذي لا يستطيع فيه المتعاقدان وقت إبرامه معرفة مقدار ما سيحصل عليه كل منهما أو ما سيؤديه على وجه اليقين، لأن ذلك يرتبط بأمر غير محقق الوقوع أو بواقعة مستقبلية غير معلومة.
ومن أمثلة العقود الاحتمالية عقد التأمين؛ فعند إبرام عقد التأمين يعرف المؤمن له مقدار القسط الذي يلتزم بدفعه، لكن لا يكون معلومًا ما إذا كان الخطر المؤمن منه سيقع أصلًا، ولا مقدار ما قد يلتزم المؤمن بأدائه إذا وقع الخطر، وهو ما يجعل عنصر الاحتمال حاضرًا في العقد.
وتكمن أهمية كون البيع عقدًا محددًا في أن المتعاقدين يدخلان العلاقة العقدية وهما قادران، في الأصل، على تقدير الحقوق والالتزامات التي ستترتب عليها. فالمشتري يعرف ما سيحصل عليه وما سيدفعه، والبائع يعرف ما سيسلمه وما سيحصل عليه في المقابل، الأمر الذي يعزز استقرار المعاملة ويقلل من عنصر المفاجأة أو عدم اليقين بشأن محل الالتزامات.
ولا يعني ذلك أن كل عنصر في عقد البيع يجب أن يكون معلومًا بمقدار رقمي ثابت لحظة إبرام العقد، وإنما يكفي أن يكون قابلاً للتحديد وفقًا لمعيار واضح ومتفق عليه أو مقرر قانونًا. فقد يتفق الطرفان، مثلًا، على أن يكون الثمن هو السعر المحدد وفق معيار معين يمكن الرجوع إليه، ما دام هذا المعيار يسمح بتحديد الالتزام بصورة تزيل الجهالة عنه.
ومن هنا يتضح أن وصف عقد البيع بأنه عقد محدد يرتبط بدرجة الوضوح والاستقرار التي تتوافر في الحقوق والالتزامات الناشئة عنه، وليس المقصود منه أن يكون كل شيء في العقد ثابتًا بصورة رقمية لا تقبل التغيير.
وهكذا، فإن عقد البيع يجمع بين تبادل الأداءات وتحديدها؛ فالبائع يقدم المبيع مقابل الثمن، والمشتري يقدم الثمن مقابل المبيع، ويستطيع كل منهما – عند إبرام العقد – أن يعرف في الأصل ما له وما عليه. وهذه الطبيعة المحددة لعقد البيع تسهم في وضوح العلاقة بين المتعاقدين وتدعم استقرار المعاملات.
إن المعرفة القانونية الصحيحة هي الضمان الأول لاستقرار المعاملات وصيانة الحقوق.
