إسماعيل بن حمد الكندي
لطالما ظن الإنسان أن منطق سير الحياة يكمن في العيش للذات، وأن الغاية هي تحقيق المصلحة دون الثقل الذي تلقيه هذه البسيطة عليه، ولكن العاطفة لا تحترم تلك الحدود، فهي لا تستأذن بل تدخل على الفرد كتشويش يعبث بالسيرورة المنطقية، هذا التناقض يظهر في رواية “المراهق” للسارد الروسي العليم دوستويفسكي، ففي إحدى حواراتها بينما تتصدر فكرة أن روسيا يجب أن تقدم نفسها للإنسانية، يرفض اركادي هذا الفكر ليعلن موقفًا في عبارة قاسية : “سأحيا لنفسي كأوقح ما تكون حياة امرئ لنفسه”.
يصعب التخلص من ذلك الموقف، فالروائي يقدم اسئلة تؤرق القارئ؛ فلماذا لا استطيع حصر وجودي لذاتي فقط إذًا؟ فرغم المحاولات دائمًا ما كنت أصطدم بالآخر متعثرًا بمأساته، وأبكي على وجعه. لعل دوستويفسكي يوجه القارئ لينظر على العاطفة نفسها بطريقة مغايرة، تبتعد عن كونها تشويشًا على منطق سير الحياة واتخاذ القرارات، فربما تكون جزءًا من المنطق، حقيقة أن ما في خارج الذات يؤثر على الذات والعكس، تلك هي الفكرة، والسؤال يكمن في معرفة العلاقة بين منطق سير الحياة والعاطفة.
إن حكم اركادي جاء من عقله بما يتوافق مع المنطق بأن التضحية من أجل الإنسانية “خسارة”، ولكن ما الإنسانية؟ ففي الإنسانية أمي وهي التي تجعل الخسارة لها شعور أرفع من أي منطق، ذلك ليس مجرد صوت يعارض المنطق، تلك العاطفة التي لم تعد خصمًا، وكما أراد الروائي العليم بأن يظهرها كعجز عن معرفة أين تبدأ العاطفة، ومتى ينتهي العقل للوصول للحكم.
تلتقي تلك الحيرة التي يضعها دوستويفسكي في ذهن القارئ، مع تصور ديفيد هيوم للمسألة فيرى الفيلسوف بقوله “العقل عبدٌ للعواطف، ولا ينبغي له أن يدعي وظيفة أخرى غير خدمتها”، ولا يقصد بذلك تغليب المشاعر على حكم المنطق، فالعواطف كلمة أوسع؛ وتشمل الرغبات والإنفعالات والدوافع، والعقل في تصوره لا يخلق الغايات التي يسعى لها الفرد، ولكنه يساعدنا على معرفة الوسائل المؤدية لها، وبالضرورة هو يخضع للعواطف والإنتماءات، وهي التي تدفع للحركة.
ولذلك تتقاطع فكرة دوستويفسكي بإعلان اركادي مع فلسفة هيوم، فعبارة “سأحيا لنفسي” ليست اعلانًا لحكم العقل وتغليبه عل العاطفة، لأنها ليست منعزلة بعقل مجمد في زاوية المنطق، بل هي كيانًا تتحد به الرغبات والمخاوف والمحبة الكراهية.
وبينما يصوغ اركادي أكثر المبادئ عقلانية وتجريدًا، يضعه دوستويفسكي كمتحدث يوجه رأيه؛ وذلك ليبرهن السارد العليم بأن المبادئ لا تختبر في لحظة إعلانها، بل حين تتكون الإنفعالات والمشاعر بين تلك الذات مع الآخرين، فبين كراهية وحب تختلط كلمة “لنفسي” لتعيش مع “الإنسانية”، التي هي خارج الذات ولكنها تصبح ذا قيمة بداخلها.
في الجانب المقابل، بين صفحات رواية “الحرب والسلم” للروائي الروسي ليو تولستوي، الذي يصنع عبر شخصية “بطرس بيزوخوف” قالبًا مماثلًا لشخصية اركادي، وعبر رحلة طويلة من الإنفعالات والرغبات والدوافع، يصل عبر مشهد تتسع فيه نفسه ليعلن “انني احب الناس جميعًا، واغفر لهم كلهم قاطبة”، ليثبت الروائي أن الإنسان يعيش لذاته عن وعي، ولكنه عبر انفعالات لاواعية يصل للإدراك بأنه يسعى للأهداف الإنسانية، وهو بدوره يسجل نفسه عبر منجزات التاريخ الإنساني، لذلك لا تبدو العاطفة آلة تحريك للمنطق ولا المنطق محركًا للعاطفة، بل كلاهما يدوران بآلة الإنسان ليصنعا معًا تاريخًا مشتركًا.
ختامًا، ان هذه العلاقة لم تكن صراعًا، بل هي جزء من الحركة الطبيعية للإنسان؛ فمشاعر الفرح تؤدي لنتيجة عظمى في الوجود، بينما الحزن يساهم في انقاصها؛ وذلك ليس الا اثر اصطدام العاطفة المستمر بالعالم، اركادي لم يكن حالة خاطئة في سجلات الإنسانية، بل لعل خطأه كان بأنه يرى العقل اختيارًا على العواطف، ولكنه في الحقيقة ظهر ككائن لم يدرك بعد بأنه يصنع منطقه بمزيج مع عواطفه؛ ومن تفاعل المنطق مع العاطفة تتشكل طريقة سير الحياة، لنفهم ذواتنا والإنسانية.
