عادل الحمداني- كاتب وإعلامي
ربما لاحظت، كما لاحظت أنا، أن العالم الرقمي الذي دخل حياتنا ليقرب المسافات، أصبح في بعض الأحيان سببًا في اتساعها. فخلال سنوات قليلة فقط، تغيرت طريقة حديثنا وتواصلنا وتبادلنا للأفكار بصورة يصعب مقارنتها بأي مرحلة سابقة.
قبل سنوات، كانت طريقة تلقي الخبر والمعرفة مختلفة عن ما عليه الآن، في ظل التحول الرقمي الذي نشهده، والذي لم يحمل دائمًا نتائج إيجابية؛ فبعض الاستخدامات تحولت إلى مساحة للفوضى أو التضليل أو الإضرار بالآخرين.
ولهذا، أصبح من المألوف أن يظهر بين الحين والآخر ناشر أو مؤثر أو صانع رأي يقدم محتوى لا ينسجم مع قيم المجتمع وعاداته، فتنهال التعليقات الرافضة لما يقدمه، وتتزايد المطالبات بتشديد العقوبات وتعزيز أدوات الردع.
هذه التحولات دفعت العديد من الدول إلى إعادة رسم ملامح المشهد الإعلامي، بعد أن وجدت نفسها أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حماية الفضاء الرقمي من الاستخدامات المسيئة، وفي الوقت ذاته الحفاظ على هامش حرية التعبير.
وتعد سلطنة عُمان واحدة من الدول التي عملت خلال السنوات الماضية على إعادة بناء منظومتها التشريعية المتعلقة بإدارة الفضاء الإلكتروني وضبط المحتوى الإعلامي الرقمي.
وفي هذا المقال نسلط الضوء من خلال هذا الملف على هذه المنظومة التي سعت سلطنة عُمان إلى بنائها وتطويرها منذ مطلع الألفية الثالثة، وذلك من خلال مجموعة من المحاور، من بينها السياق التشريعي، وبنية الضوابط القانونية، والعلاقة التكاملية بين قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون الإعلام العُماني.
الإطار التشريعي والتاريخي
لفهم ضوابط المحتوى الإعلامي لابد من العودة إلى السياق التشريعي الذي تطورت هذه المنظومة من خلاله.
فعلى مدى عقود طويلة، ظل قانون المطبوعات والنشر الصادر عام 1984 يمثل الإطار القانوني المنظم للعمل الصحفي والإعلامي في سلطنة عُمان. وقد أشارت دراسة أكاديمية بعنوان “اتجاهات الصحفيين العُمانيين نحو مشروع قانون الإعلام الجديد 2024” إلى الحاجة الملحة لتطوير هذا الإطار القانوني، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والانفجار المعلوماتي الذي يشهده العالم (1).
ومع تصاعد الثورة التقنية، وتزايد الاعتماد على الوسائل الرقمية، وظهور أنماط جديدة من الجرائم الإلكترونية، صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات عام 2011 ليكون أول تشريع متخصص في هذا المجال. وتشير وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، عبر موقعها الإلكتروني، إلى أن القانون جاء لتحقيق الردع اللازم فيما يتعلق بالجرائم الإلكترونية المرتبطة بالاعتداء على البيانات والنظم المعلوماتية وإساءة استخدام وسائل تقنية المعلومات (2).
وشهدت المنظومة التشريعية العُمانية المتعلقة بالفضاء الرقمي والإعلامي مراحل تطور متتابعة من التطور. فبعد قانون عام 2011، جاءت مرحلة التنظيم الإعلامي الشامل من خلال صدور قانون الإعلام الجديد عام 2024، الذي حل محل عدد من القوانين السابقة، ووحد الإطار القانوني المنظم للعمل الإعلامي.
وقد وصف البروفيسور حسني نصر في مقال نشرته جريدة عُمان، صدور هذا القانون بأنه يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الإعلام في عُمان، تقوم على قدر أكبر من الوضوح القانوني والمرونة الإجرائية، بما يسمح بولادة مبادرات إعلامية جديدة في مجالات الصحافة المكتوبة و الإعلام الرقمي و الإذاعات ومحطات التلفزيون الخاصة (3).
وفي يونيو 2026، صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجديد بموجب المرسوم السلطاني رقم 61/2026، ليعيد رسم حدود الفضاء الرقمي وفق رؤية تشريعية أكثر شمولًا، وليقدم مراجعة شاملة للقانون السابق، استجابة للتغيرات التقنية المتسارعة، ومعالجة لبعض الجوانب الإجرائية التي كشفتها التجربة العملية.
إذا عدنا بالذاكرة إلى عام 2011، فسندرك حجم التحول الذي حدث خلال فترة ليست طويلة. في ذلك الوقت، لم يكن أحد يتخيل أن صورة واحدة يمكن أن تُصنع بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، أو أن مقطعًا صوتيًا مزيفًا قد يُقنع الناس بأنه حقيقي. في ذلك الوقت، كانت الهواتف تؤدي وظائف محدودة مقارنة بما تفعله اليوم. أما الآن، فقد أصبحت الأجهزة المحمولة والمنصات الرقمية قادرة على التأثير في الأمن والاستقرار والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، بل وحتى في سمعة الدول والمؤسسات والأفراد.
ومن هنا، بات من الواضح أن الخريطة التي رسمها قانون 2011 لم تعد قادرة على استيعاب التحولات الجديدة التي فرضها الذكاء الاصطناعي وتقنيات توليد المحتوى الزائف والتوسع في المنصات الرقمية. ولذلك، جاء قانون عام 2026 ليضع حدودًا أكثر وضوحًا بين حرية التعبير التي يكفلها القانون وبين الممارسات التي تؤدي إلى الإضرار بالأفراد أو المجتمع أو المؤسسات.
وقد يتساءل صانع المحتوى أو الصحفي أو حتى المستخدم العادي: ماذا تعني هذه التشريعات بالنسبة إليه؟
خلال إعداد هذا الملف، لم أجد أن المسألة معقدة كما قد يتصور البعض. فالقانون في صورته الحالية يتعامل مع المحتوى الرقمي بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع أي سلوك اجتماعي آخر. فالمسألة لا تتعلق بمجرد نشر الأفكار أو الآراء، وإنما بالكيفية التي تُطرح بها، وبالنتائج التي يمكن أن تترتب عليها.
وبعبارة أخرى، فإن القانون يضع ضوابط تهدف إلى حماية السمعة والخصوصية والبيانات الشخصية، ويجرّم أفعال التشهير والسب والقذف والابتزاز والتهديد والاحتيال الإلكتروني، كما يمنع نشر أي شيء يمس النظام العام أو يحرّض على الكراهية أو العنصرية أو الإرهاب.
إذًا، فإن القضية لا تتعلق بالعقوبات وحدها، وإنما ترتبط أيضًا بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية، وبالحاجة إلى بناء ثقافة إعلامية أكثر وعيًا.
المحتوى الرقمي أصبح متاحًا بصورة غير مسبوقة. ومع هذا التدفق الهائل للمعلومات، اختلطت الحقيقة بالإشاعة، والخبر المهني بالمحتوى المضلل، والصورة الأصلية بالصورة المولّدة أو المعدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
الضوابط العامة للمحتوى الإعلامي
يقدم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات مجموعة من الضوابط التي يمكن تصنيفها ضمن عدة محاور رئيسية، ينبغي على صناع المحتوى والصحفيين والمستخدمين العاديين الإلمام بها وعدم تجاهلها.
ومن أبرز هذه الضوابط حظر نشر أي محتوى من شأنه التأثير في الاستقرار الأمني أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو المالي أو الصحي.
ويرتبط هذا الجانب بصورة مباشرة بحياة الناس اليومية؛ فالشائعة قد تثير الذعر بين المواطنين، والمعلومة المضلّلة قد تؤثر في الثقة العامة، والمحتوى المسيء قد يهدد التماسك المجتمعي. يكفي أن تنتشر رسالة غير دقيقة عبر أحد تطبيقات التواصل حتى يبدأ القلق بالتسلل إلى الناس. ويمكن أن يتحول خبر غير موثق إلى حديث المجالس خلال وقت قصير.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح المسؤولية مرتبطة بدقة المعلومات والآثار المحتملة المترتبة عليها. وهنا لا يمكن لأي شخص أن يتذرع بحرية التعبير لتبرير سلوك يرقى إلى مستوى التحريض أو الإساءة؛ لأن التعبير عن الرأي يختلف تمامًا عن نشر الكراهية أو الإضرار بالآخرين.
ويجرّم القانون أيضًا التشهير والابتزاز والاحتيال الإلكتروني، ويؤكد أهمية احترام الخصوصية والملكية الفكرية والقيم المجتمعية.
ومع التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبح التلاعب بالصور والمقاطع الصوتية والمرئية أكثر سهولة من أي وقت مضى. وهذه القوة التقنية، إذا أُسيء استخدامها، قد تتحول إلى أداة للإضرار بالآخرين بدلًا من أن تكون وسيلة للإبداع.
ومن الجوانب اللافتة في القانون، تقديم تعريفات واضحة لأنظمة الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي باعتبارها جزءًا من منظومة تقنية المعلومات الخاضعة لأحكام القانون، وهو ما يعني أن استخدام هذه الأدوات لا يعفي أصحابها من المسؤولية القانونية.
ويولي القانون اهتمامًا كبيرًا بحماية الأفراد والنسيج المجتمعي من الجرائم المتعلقة بانتهاك الخصوصية والسب والقذف والمحتوى الإباحي والاتجار بالبشر عبر الإنترنت.
كما يولي اهتمامًا خاصًا بحماية الأطفال من الاستغلال في المحتوى الإعلامي، ويمنع استخدامهم أو استخدام العمالة المنزلية بصورة سلبية في صناعة المحتوى، ويحظر كذلك المحتوى الذي يروج للعنف أو يقدم نماذج سلوكية ضارة للأطفال.
وفي إطار حماية الأمن الوطني، يضع القانون ضوابط تمنع نشر تحركات الأجهزة الأمنية والعسكرية أو تداول المعلومات التي قد تؤدي إلى كشف بيانات حساسة أو الإضرار بالمتطلبات الأمنية.
ويتصدى القانون أيضًا للمحتوى الذي يتضمن أفكارًا أو رسائل تخدم الأغراض الإرهابية، كما يحظر كل أشكال العنصرية والتمييز الديني أو القبلي أو المناطقي.
ولا يغفل القانون جانبًا آخر يتعلق بالمحتوى الذي يقوم على الابتذال في الألفاظ أو السلوك أو العناصر البصرية، بغض النظر عن حجم انتشاره أو عدد مشاهديه. وهذا يقودنا إلى نتيجة مهمة مفادها أن نجاح المحتوى لا يُقاس بعدد المشاهدات أو حجم التفاعل فقط، وإنما يُقاس أيضًا بمدى احترامه للقيم المجتمعية والتزامه بالمسؤولية المهنية والأخلاقية.
وعلى المستوى الجغرافي الواسع، يمتد نطاق تطبيق القانون ليشمل الجرائم المرتكبة داخل سلطنة عُمان وخارجها متى ما ترتب عليها أثر داخل البلد. وهذا يعني أن المنشور الرقمي لا يفقد أثره القانوني بمجرد نشره خارج الحدود.
وفي النهاية، بعد الإطلاع على هذه التشريعات والنظر في سياقها التاريخي، خرجت بانطباع شخصي مفاده أن القضية ليست معركة بين حرية التعبير والقانون، كما قد يعتقد البعض. إنها محاولة لإيجاد توازن دقيق بين حق الإنسان في أن يقول ما يريد، وحق المجتمع في أن يحمي نفسه من الفوضي والإساءة.
فالحرية، مثلها مثل أي قيمة إنسانية أخرى، لا تزدهر إلا عندما تقترن بالمسؤولية. أما التقنية، مهما اتسعت إمكاناتها، أو بلغت قدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية، فإنها لا تستطيع تجاوز الحدود الأخلاقية والقانونية. وربما لهذا السبب تحديدًا، جاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات ليؤكد أن العالم الرقمي، رغم اتساعه، ما يزال جزءًا من العالم الحقيقي الذي نعيش فيه، وأنه جاء ليكون درعًا للحماية في ظل الفوضى الرقمية التي نراها.
المراجع:
دراسة أكاديمية بجامعة اليرموك حملت عنوان “اتجاهات الصحفيين العُمانيين نحو مشروع قانون الإعلام الجديد 2024” للباحثة أنفال السنيدي، ونشرته مجلة قاف للدراسات.
الموقع الإلكتروني لوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات.
مقال بعنوان “عام على قانون الإعلام الجديد: ما الذي تغيّر؟” للبروفيسور حسني نصر، نشرته جريدة عُمان بتاريخ 11 نوفمبر 2025.
