أحمد بن سليمان الكندي
المقدمة
عندما يجري الحديث عن التنويع الاقتصادي، ينصرف الذهن في الغالب إلى قطاعات مثل الصناعة والخدمات اللوجستية والتعدين والسياحة. غير أن هناك قطاعا آخر أصبح خلال العقود الأخيرة أحد أكثر القطاعات قدرة على تحريك عجلة الاقتصاد وتنشيط الحركة التجارية والسياحية في العديد من دول العالم، وهو قطاع الفعاليات الكبرى.
فلم تعد الفعاليات في المفهوم الحديث مجرد مناسبات ترفيهية أو احتفالات موسمية تقام لفترات محدودة ثم تنتهي آثارها بانتهاء أيامها، بل تحولت إلى صناعة متكاملة تضم منظومة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والإعلامية والسياحية والثقافية. وأصبحت بعض المدن والدول تبني جزءا مهما من مكانتها الاقتصادية والسياحية على قدرتها على استضافة الفعاليات وتنظيمها وتحويلها إلى علامات تجارية عالمية تستقطب الزوار والاستثمارات والاهتمام الإعلامي.
وتكشف التجارب الدولية أن الفعالية الناجحة لا تقتصر آثارها على موقع إقامتها فقط، بل تمتد إلى الفنادق والمطاعم وشركات النقل والأسواق التجارية ووسائل الإعلام والعديد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها. كما أنها تساهم في بناء صورة ذهنية إيجابية عن الوجهة المستضيفة، وتوفر أسبابا جديدة للزيارة تتجاوز المقومات الطبيعية أو التاريخية التقليدية.
وفي ظل الاهتمام المتزايد بتنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد، يبرز تساؤل جدير بالتأمل: هل يمكن النظر إلى صناعة الفعاليات الكبرى باعتبارها إحدى الأدوات الواعدة للتنويع الاقتصادي في سلطنة عمان؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال تستدعي النظر إلى الفعاليات من منظور أوسع من كونها أنشطة موسمية أو برامج ترفيهية، والاقتراب منها بوصفها صناعة اقتصادية قادرة على خلق القيمة المضافة، وتحفيز الاستثمار، وتنشيط السياحة، وتعزيز حضور السلطنة على الخريطة الإقليمية والدولية للفعاليات المتخصصة.
لماذا أصبحت الفعاليات جزءاً أساسياً من الصناعة السياحية الحديثة؟
كان ينظر إلى الفعاليات في السابق بوصفها أنشطة مصاحبة للسياحة أو وسائل ترفيهية تكميلية تضاف إلى المقومات السياحية الأساسية للوجهة. غير أن هذا التصور تغير بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، حتى أصبحت الفعاليات في العديد من الدول واحدة من أهم الأدوات التي تعتمد عليها صناعة السياحة الحديثة في جذب الزوار وتنشيط الحركة الاقتصادية.
ويعود ذلك إلى أن الفعالية تمتلك قدرة فريدة على تحويل الوجهة السياحية من مكان يزوره الناس للمشاهدة إلى مكان يقصدونه من أجل تجربة محددة ومميزة. فالسائح الذي قد يتردد في السفر لمجرد زيارة معلم طبيعي أو تاريخي، قد يتخذ قرار السفر بسهولة عندما يجد أمامه فعالية أو حدثا ينتظره ويرغب في حضوره والمشاركة فيه.
ولهذا السبب أصبحت العديد من الوجهات العالمية تعتمد على الفعاليات الكبرى بوصفها محركات رئيسية للحركة السياحية. فهذه الفعاليات لا تمنح الزائر سببا إضافيا للزيارة فحسب، بل تخلق تجربة متكاملة تبقى حاضرة في ذاكرته لفترة طويلة بعد انتهاء الرحلة. والواقع أن الكثير من السياح في الوقت الحاضر أصبحوا يبحثون عن التجارب أكثر من بحثهم عن المواقع، وعن المشاركة أكثر من المشاهدة، وهو ما يجعل الفعاليات قادرة على تلبية هذا التوجه بصورة مباشرة.
كما أن الفعاليات تتيح الوصول إلى شرائح جديدة من الزوار قد لا تكون مهتمة أصلا بالمعالم السياحية التقليدية. فمحبو الرياضة يسافرون لحضور البطولات، وعشاق الفنون يتنقلون بين المهرجانات الثقافية، والمهتمون بالمغامرات يقصدون السباقات والتحديات الرياضية، فيما تستقطب المعارض والمؤتمرات المتخصصة آلاف الزوار من رجال الأعمال والمستثمرين والخبراء. وهكذا تصبح الفعالية في حد ذاتها منتجا سياحيا مستقلا قادرا على جذب فئات متنوعة من الجمهور.
ولا تتوقف أهمية الفعاليات عند الجانب السياحي فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي بصورة مباشرة. فكل فعالية ناجحة تنعكس آثارها على قطاعات متعددة تشمل الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والتسوق والخدمات المختلفة. كما تخلق فرصا للأعمال الصغيرة والمتوسطة، وتفتح مجالات جديدة للتشغيل والاستثمار والرعاية التجارية.
ومن زاوية أخرى، تمثل الفعاليات منصة طبيعية لبناء الشراكات بين القطاعين العام والخاص. فكلما ازداد حجم الفعالية واتسعت دائرة جمهورها، ازدادت قدرتها على جذب الرعاة والمستثمرين والشركات الراغبة في الاستفادة من الزخم الإعلامي والجماهيري المصاحب لها. ولهذا أصبحت صناعة الفعاليات في كثير من الدول قطاعا اقتصاديا قائما بذاته يحقق إيرادات كبيرة ويوفر فرصا استثمارية متنوعة.
ومن هنا يمكن القول إن الفعاليات لم تعد مجرد عنصر مكمل للسياحة، بل أصبحت أحد أهم أدواتها الحديثة. فهي تصنع أسبابا جديدة للزيارة، وتخلق تجارب يصعب نسيانها، وتنشط الاقتصاد، وتفتح أبواب الاستثمار والشراكات، وهو ما يجعلها جديرة بأن تنظر إليها بوصفها صناعة اقتصادية متكاملة لا مجرد نشاط موسمي عابر.
صناعة بمليارات الدولارات: ماذا تقول التجارب العالمية؟
إذا كانت الفعاليات تمثل اليوم أحد أهم محركات السياحة الحديثة، فإن أهميتها لا تقتصر على قدرتها على جذب الزوار فحسب، بل تمتد إلى كونها أصبحت صناعة اقتصادية متكاملة تدر مليارات الدولارات سنويا في مختلف أنحاء العالم.
فخلال العقود الأخيرة أدركت العديد من الدول أن تنظيم الفعاليات الكبرى لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه نشاطا ترفيهيا أو ثقافيا فقط، بل باعتباره استثمارا اقتصاديا قادرا على تحريك قطاعات واسعة في وقت واحد. ولهذا ظهرت مدن بنت جزءا كبيرا من شهرتها الاقتصادية والسياحية على قدرتها على استضافة الأحداث الكبرى، وأصبحت تتنافس فيما بينها لاستقطاب البطولات الرياضية العالمية والمعارض الدولية والمهرجانات الثقافية والفنية والمؤتمرات المتخصصة.
وتكمن قوة صناعة الفعاليات في أنها لا تخلق قيمة اقتصادية داخل موقع الحدث فقط، بل تولد سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المصاحبة. فكل زائر يحتاج إلى وسيلة نقل، ومكان للإقامة، ومطاعم، وخدمات ترفيهية، وتسوق، وأنشطة أخرى مختلفة. كما تستفيد منها شركات الإعلان والإعلام والتنظيم والتقنية والأمن والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات المرتبطة بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولهذا السبب أصبحت بعض الدول تخصص استثمارات كبيرة لاستقطاب الفعاليات وتنظيمها، رغم أن العائد المباشر من بيع التذاكر قد لا يكون دائما هو العنصر الأهم في حسابات الجدوى الاقتصادية. فالقيمة الحقيقية غالبا ما تكمن في الإنفاق الذي يرافق حضور الزوار، وفي الأثر الإعلامي الذي تحققه الفعالية، وفي الصورة الذهنية التي تتركها عن الوجهة المستضيفة، وهكذا تحولت بعض المهرجانات والبطولات الرياضية والمعارض الدولية إلى علامات اقتصادية تدر عوائد بمليارات الدولارات وتجذب ملايين الزوار سنويا، حتى أصبحت جزءا من الهوية الاقتصادية والسياحية للمدن التي تستضيفها.
كما أن الفعاليات الكبرى تمتلك قدرة استثنائية على جذب الاهتمام الإعلامي العالمي. فالدول تنفق سنويا مبالغ ضخمة على الحملات التسويقية للتعريف بنفسها، بينما تستطيع فعالية ناجحة واحدة أن تحقق حضورا إعلاميا يتجاوز في قيمته كثيرا ما يمكن أن تحققه الحملات التقليدية. ولهذا أصبحت الفعاليات في كثير من الأحيان جزءا من أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لتعزيز حضورها الدولي والتعريف بقدراتها وفرصها الاقتصادية والسياحية.
وتظهر أهمية هذه الصناعة بوضوح في عدد من التجارب الدولية المعروفة. فبعض المدن أصبحت ترتبط في الوعي العالمي بفعاليات محددة تستقطب مئات الآلاف من الزوار سنويا وتحقق عوائد اقتصادية كبيرة للفنادق والمطاعم وقطاعات النقل والتجارة. كما تحولت بعض المهرجانات والمعارض والبطولات الرياضية من أحداث محلية محدودة إلى علامات تجارية عالمية تدر دخلا بمليارات الدولارات وتساهم بصورة مباشرة في تعزيز الصورة الدولية للوجهة المستضيفة.
ومن زاوية أخرى، فإن صناعة الفعاليات تتميز بقدرتها على النمو والتوسع التدريجي. فالكثير من الأحداث العالمية الشهيرة اليوم بدأت كفعاليات محلية محدودة، ثم تطورت مع مرور الوقت حتى أصبحت تستقطب مئات الآلاف من الزوار وتحظى بمتابعة دولية واسعة. وهذا يعني أن بناء صناعة فعاليات ناجحة لا يتطلب بالضرورة البدء بمشروعات عملاقة، بل يتطلب رؤية طويلة المدى وقدرة على تطوير الفعاليات وتراكم نجاحاتها عاما بعد عام.
ومن هنا، فإن التجارب العالمية تؤكد أن الفعاليات ليست نشاطا جانبيا أو موسما ترفيهيا عابرا، بل قطاع اقتصادي متكامل يمتلك القدرة على تحفيز السياحة والاستثمار والتسويق والتنمية المحلية في آن واحد. وهو ما يدعو إلى التساؤل حول حجم الفرص التي يمكن أن تتيحها هذه الصناعة للسلطنة إذا ما تم التعامل معها باعتبارها أحد مسارات التنويع الاقتصادي الواعدة.
ما الذي تمتلكه السلطنة لبناء صناعة فعاليات ناجحة؟
عندما يثار الحديث عن صناعة الفعاليات الكبرى، قد يتبادر إلى الذهن أن نجاحها يتطلب إمكانات استثنائية أو بنية تحتية ضخمة لا تتوفر إلا لدى عدد محدود من الدول. غير أن مراجعة التجارب الدولية تكشف أن العنصر الحاسم في نجاح الفعاليات لا يتمثل فقط في حجم الإنفاق أو عدد المنشآت، بل في قدرة الدولة على استثمار ما تمتلكه من مقومات وتحويلها إلى أحداث وتجارب تجذب الناس وتدفعهم إلى المشاركة والحضور.
ومن هذه الزاوية، تبدو سلطنة عمان في موقع جيد يؤهلها لبناء صناعة فعاليات متنوعة تستند إلى عناصر قوة حقيقية تمتلكها بالفعل. فالسلطنة تتمتع بتنوع جغرافي استثنائي يتيح إقامة أنواع مختلفة من الفعاليات على امتداد العام وفي بيئات متباينة يصعب أن تجتمع في كثير من الدول الأخرى. فهناك الجبال الشاهقة في مسندم والجبل الأخضر وجبل شمس، والشواطئ الممتدة على طول السواحل العمانية، والصحارى الواسعة، والأودية والعيون المائية، إضافة إلى الخصوصية المناخية التي تتمتع بها محافظة ظفار خلال موسم الخريف.
كما تمتلك السلطنة رصيدا ثقافيا وتراثيا غنيا يمكن أن يشكل أساسا لعدد كبير من الفعاليات المتخصصة. فالتاريخ البحري العماني، وتراث الخيل العربية، والصناعات الحرفية، والفنون الشعبية، وتاريخ اللبان، والقلاع والحصون، والموروث الزراعي والبدوي، كلها عناصر تمتلك من الخصوصية ما يجعلها قابلة للتحول إلى فعاليات تحمل هوية عمانية واضحة وتقدم محتوى يصعب تكراره في أماكن أخرى.
ويضاف إلى ذلك ما تتمتع به السلطنة من استقرار وأمن وسمعة إيجابية على المستوى الإقليمي والدولي، وهي عوامل تزداد أهميتها في صناعة تعتمد على جذب الزوار والمشاركين من مختلف دول العالم. فالمستثمر أو المنظم أو الزائر يبحث دائما عن بيئة مستقرة وآمنة تضمن نجاح الفعالية وتحقيق أهدافها.
كما أن البنية الأساسية التي تم تطويرها خلال السنوات الماضية توفر قاعدة يمكن البناء عليها. فالمطارات الحديثة وشبكات الطرق والفنادق ومراكز المؤتمرات والمنشآت الرياضية تمثل عناصر مهمة تساعد على استضافة عدد كبير من الفعاليات دون الحاجة إلى البدء من نقطة الصفر.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المقومات لا تكمن في وجودها بحد ذاتها، بل في القدرة على تحويلها إلى منتجات وفعاليات جاذبة. فالجبل وحده ليس فعالية، والقلعة ليست فعالية، والخريف ليس فعالية، والبحر ليس فعالية. لكنها جميعا يمكن أن تتحول إلى منصات تحتضن فعاليات رياضية أو ثقافية أو فنية أو سياحية أو اقتصادية قادرة على استقطاب الزوار وصناعة الاهتمام الإعلامي.
ومن هنا، قد لا يكون السؤال المطروح هو ما إذا كانت السلطنة تمتلك المقومات اللازمة لبناء صناعة فعاليات ناجحة، بل كيف يمكن تحويل هذه المقومات إلى روزنامة سنوية من الأحداث والفعاليات التي تحمل هوية عمانية واضحة وتصبح مع مرور الوقت جزءا من المشهد السياحي والاقتصادي للبلاد. فالمقومات موجودة بالفعل، والتحدي الحقيقي يكمن في كيفية استثمارها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
من الفعالية إلى العلامة التجارية: كيف نصنع أحداثاً ينتظرها الناس كل عام؟
لا تكمن القيمة الحقيقية للفعاليات في قدرتها على جذب الزوار خلال أيام انعقادها فقط، بل في قدرتها على التحول مع مرور الوقت إلى علامات تجارية مستقلة تمتلك حضورا دائما في أذهان الناس. فالكثير من الفعاليات العالمية الناجحة لم تحقق مكانتها الحالية لأنها أقيمت مرة واحدة بصورة مميزة، وإنما لأنها تكررت عاما بعد عام حتى أصبحت جزءا من هوية المكان الذي تستضيفه.
ولهذا السبب، فإن بناء صناعة فعاليات مستدامة لا ينبغي أن يقوم على تنظيم أحداث متفرقة أو مناسبات عابرة، بل على تطوير فعاليات تمتلك شخصية واضحة وهوية مستقلة ورسالة يمكن أن تتراكم قيمتها مع الزمن. فكل نسخة ناجحة من الفعالية تضيف إلى رصيدها الجماهيري والإعلامي، وتزيد من قدرتها على استقطاب الزوار والرعاة والمستثمرين في السنوات اللاحقة.
ومن هذا المنطلق، تمتلك السلطنة فرصا واعدة لتطوير مجموعة من الفعاليات التي تستند إلى خصوصيتها الطبيعية والثقافية والتاريخية. فبدلا من الاكتفاء بإقامة فعاليات عامة يمكن أن تنظم في أي مكان، قد يكون من الأجدى تطوير أحداث ترتبط ارتباطا وثيقا بالهوية العمانية نفسها.
ففي محافظة ظفار، على سبيل المثال، يمكن تطوير فعاليات دولية ترتبط بالخيل العربية أو بتاريخ اللبان أو بالفنون والتراث العماني، مستفيدة من الزخم الكبير الذي يصاحب موسم الخريف. وفي محافظة مسندم يمكن بناء فعاليات رياضية ومغامرات دولية تستند إلى طبيعة الجبال والمسارات الوعرة التي تتميز بها المحافظة. كما يمكن للبيئة البحرية العمانية أن تكون أساسا لبطولات وأنشطة بحرية تحمل أسماء عمانية وتستفيد من الامتداد الساحلي الكبير للبلاد.
ومع مرور الوقت، يمكن لهذه الفعاليات أن تتحول من مجرد أحداث سنوية إلى علامات سياحية واقتصادية معروفة على المستوى الإقليمي والدولي. فعندما يصبح الزوار يخططون لإجازاتهم وفقا لموعد فعالية معينة، أو عندما تبدأ وسائل الإعلام بتغطيتها بصورة منتظمة، فإن الفعالية تكون قد تجاوزت مرحلة الحدث المؤقت وأصبحت جزءا من الهوية السياحية للوجهة نفسها.
ولعل الطموح الأكبر يتمثل في الوصول إلى مرحلة تمتلك فيها السلطنة فعالية وطنية كبرى تحمل اسم عمان نفسها، وتصبح موعدا سنويا ثابتا على الأجندة الإقليمية والدولية. فكما ارتبطت بعض المدن العالمية بمهرجانات أو بطولات أصبحت جزءا من صورتها الذهنية، يمكن لعمان أيضا أن تطور فعالية كبرى تعكس شخصيتها الحضارية والثقافية والطبيعية وتتحول إلى نافذة عالمية للتعريف بها.
إن بناء مثل هذه العلامات لا يتحقق بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى رؤية طويلة المدى واستمرارية في التنظيم والتطوير والتسويق. غير أن العائد الذي يمكن أن تحققه الفعالية الناجحة يتجاوز بكثير أيام انعقادها، لأنها تتحول مع الزمن إلى أصل اقتصادي وسياحي وإعلامي تتزايد قيمته عاما بعد عام.
ومن هنا، فإن التحدي لا يتمثل فقط في تنظيم فعاليات جديدة، بل في القدرة على بناء فعاليات تمتلك ما يكفي من التميز والخصوصية لتتحول إلى أسماء ينتظرها الناس، ويخططون للسفر من أجلها، ويتابعونها كما يتابعون أشهر الأحداث العالمية المعروفة اليوم.
من يمول صناعة الفعاليات؟ ولماذا يحتاج نجاحها إلى شراكة مع القطاع الخاص؟
إذا كانت الفعاليات الكبرى قادرة على تحقيق آثار اقتصادية وسياحية وإعلامية واسعة، فإن نجاحها واستدامتها يرتبطان بصورة مباشرة بوجود نموذج تمويلي قادر على دعمها وتطويرها عاما بعد عام. وهنا تبرز أهمية النظر إلى الفعاليات بوصفها مشروعات اقتصادية قابلة للاستثمار، لا مجرد برامج ترفيهية تعتمد بصورة كاملة على التمويل الحكومي.
ففي كثير من التجارب العالمية الناجحة، لا تتحمل الحكومات وحدها كلفة تنظيم الفعاليات الكبرى، بل تقوم بدور المنظم أو الميسر أو الشريك الاستراتيجي، بينما يشارك القطاع الخاص بصورة فاعلة في التمويل والتنظيم والتشغيل والرعاية والتسويق. ويرجع ذلك إلى أن الفعالية الناجحة تخلق فرصا اقتصادية متنوعة تجعل من المشاركة فيها فرصة استثمارية مجدية لكثير من الشركات والمؤسسات.
فالفعاليات الكبرى توفر للشركات منصة للوصول إلى جمهور واسع ومتفاعل، وتمنحها فرصا للتسويق وتعزيز حضور علاماتها التجارية. ولهذا أصبحت الرعاية التجارية أحد أهم مصادر تمويل الفعاليات في مختلف أنحاء العالم. فالشركات لا تنظر إلى ما تدفعه بوصفه دعما للفعالية فقط، بل باعتباره استثمارا تسويقيا يحقق لها عوائد مباشرة وغير مباشرة.
كما تفتح الفعاليات المجال أمام نماذج استثمارية أخرى تشمل حقوق البث الإعلامي، وتأجير المساحات التجارية، وبيع التذاكر، والأنشطة المصاحبة، والمنتجات التذكارية، والخدمات اللوجستية، وغيرها من المصادر التي تجعل من الفعالية مشروعا اقتصاديا متكاملا قادرا على توليد الإيرادات.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من المناسب أن ينظر إلى الفعاليات الكبرى في السلطنة باعتبارها فرصا لبناء شراكات اقتصادية حقيقية بين القطاعين العام والخاص. فالحكومة تستطيع توفير البيئة التنظيمية والدعم المؤسسي والبنية الأساسية، بينما يمتلك القطاع الخاص الخبرة الاستثمارية والتشغيلية والمرونة اللازمة لتطوير الفعاليات وتعظيم عوائدها الاقتصادية.
كما أن إشراك القطاع الخاص يسهم في تخفيف الأعباء المالية المباشرة على الموازنة العامة، ويمنح الفعاليات فرصا أكبر للنمو والاستدامة. فالفعالية التي تعتمد بالكامل على الدعم الحكومي قد تواجه تحديات مرتبطة بالأولويات المالية أو تغير الظروف الاقتصادية، بينما تمتلك الفعالية التي تقوم على نموذج اقتصادي مستدام فرصا أكبر للاستمرار والتطور على المدى الطويل.
ولا يقتصر دور القطاع الخاص على الشركات الكبرى فقط، بل يمتد إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال الذين يمكن أن يجدوا في الفعاليات فرصا جديدة لتقديم الخدمات والمنتجات المرتبطة بها. فكل فعالية ناجحة تخلق حولها منظومة اقتصادية واسعة تستفيد منها شرائح متعددة من المجتمع وقطاع الأعمال.
ومن هنا، فإن بناء صناعة فعاليات قوية لا يعتمد فقط على جودة الأفكار أو توافر المقومات، بل يعتمد أيضا على القدرة على تطوير نماذج شراكة واستثمار تجعل من الفعالية مشروعا اقتصاديا جاذبا وقادرا على تمويل نفسه والنمو مع مرور الوقت. فكلما نجحنا في تحويل الفعاليات من أنشطة ممولة إلى أصول اقتصادية منتجة، ازدادت قدرتها على الإسهام في التنويع الاقتصادي وتحقيق قيمة مستدامة للبلاد.
من روزنامة فعاليات إلى صناعة وطنية
إذا كانت الفعالية الواحدة قادرة على تحقيق آثار اقتصادية وسياحية مهمة، فإن القيمة الحقيقية تتضاعف عندما تنتقل الدولة من مرحلة تنظيم فعاليات متفرقة إلى مرحلة بناء صناعة متكاملة للفعاليات تعمل وفق رؤية طويلة المدى وأهداف واضحة ومحددة.
فالتجارب الناجحة حول العالم لا تعتمد عادة على حدث واحد أو موسم واحد، بل على روزنامة سنوية متكاملة تضم سلسلة من الفعاليات المتنوعة التي تتوزع على مدار العام، وتستهدف شرائح مختلفة من الجمهور، وتحقق قدرا أكبر من الاستقرار والاستدامة للحركة السياحية والاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد النظر إلى الفعاليات في السلطنة باعتبارها منظومة وطنية متكاملة لا مجرد مبادرات منفصلة تنظم بصورة متفرقة. فالتنوع الجغرافي والثقافي الذي تتمتع به البلاد يتيح إمكانية توزيع الفعاليات على مختلف المحافظات بما يتناسب مع خصوصية كل منطقة وما تمتلكه من مقومات طبيعية أو تاريخية أو ثقافية.
فمحافظة ظفار يمكن أن تصبح مركزا لفعاليات الخريف والتراث والخيل واللبان، بينما تمتلك مسندم مقومات مثالية لفعاليات المغامرات والرياضات الجبلية والبحرية. كما يمكن للداخلية أن تستضيف فعاليات ثقافية وتراثية مرتبطة بالقلاع والحصون والتاريخ العماني، في حين تمتلك المحافظات الساحلية فرصا واسعة لتطوير الفعاليات البحرية والأنشطة المرتبطة بالبيئة الساحلية.
كما أن بناء صناعة فعاليات وطنية يتطلب درجة عالية من التكامل بين مختلف القطاعات والمؤسسات. فالسياحة والثقافة والرياضة والإعلام والطيران والنقل والاستثمار جميعها أطراف رئيسية في نجاح هذه الصناعة. وكلما ازدادت درجة التنسيق بين هذه الجهات، ازدادت قدرة الفعاليات على تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياحية والإعلامية.
وقد يكون من المناسب أيضا التفكير في وجود برنامج وطني أو إطار مؤسسي يتولى تطوير صناعة الفعاليات بصورة منهجية، بحيث لا يقتصر دوره على تنظيم الأحداث، بل يمتد إلى بناء العلامات التجارية للفعاليات، واستقطاب الشراكات والاستثمارات، ورفع كفاءة التنظيم، وقياس العوائد الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها.
فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إقامة فعالية ناجحة هذا العام أو العام المقبل، وإنما في بناء صناعة قادرة على النمو والتراكم والتطور لعقود قادمة. فكل فعالية ناجحة تضيف إلى رصيد الخبرة الوطنية، وتزيد من ثقة المستثمرين، وتعزز من قدرة السلطنة على استقطاب أحداث أكبر وأكثر تأثيرا في المستقبل.
ومن هنا، فإن الانتقال من مفهوم “تنظيم الفعاليات” إلى مفهوم “صناعة الفعاليات” يمثل خطوة جوهرية في مسار التنويع الاقتصادي. فحين تصبح الفعاليات جزءا من التخطيط الاقتصادي والسياحي طويل المدى، وحين تتحول إلى أصول وطنية تزداد قيمتها مع الزمن، فإن أثرها لن يقتصر على تنشيط موسم أو منطقة معينة، بل سيمتد ليصبح رافدا اقتصاديا مستداما يسهم في تعزيز النمو وخلق الفرص ودعم مكانة السلطنة على المستويين الإقليمي والدولي.
الخاتمة: الفعاليات ليست ترفيهاً فقط
عندما يثار الحديث عن الفعاليات، ينصرف التفكير في كثير من الأحيان إلى جانبها الترفيهي أو الثقافي أو الاجتماعي. غير أن التجارب الحديثة أثبتت أن الفعاليات الكبرى أصبحت اليوم أكثر من مجرد مناسبات مؤقتة أو تجمعات جماهيرية عابرة، بل تحولت إلى صناعة اقتصادية متكاملة تمتلك القدرة على تحفيز السياحة والاستثمار والتسويق وخلق فرص العمل وتعزيز الحضور الدولي للدول والمدن التي تنجح في تطويرها.
وفي سلطنة عمان، تبدو الفرصة متاحة للاستفادة من هذا المسار التنموي الواعد. فالمقومات الطبيعية والثقافية والتاريخية التي تتمتع بها البلاد، إلى جانب ما تحقق من تطور في البنية الأساسية والاستقرار الذي تنعم به، توفر قاعدة قوية يمكن البناء عليها لتطوير صناعة فعاليات تمتلك هوية عمانية واضحة وقادرة على المنافسة إقليميا ودوليا.
غير أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب الانتقال من التفكير في الفعالية بوصفها حدثا منفردا إلى النظر إليها باعتبارها استثمارا طويل الأجل. فالفعالية الناجحة لا تقاس فقط بعدد الحضور أو أيام انعقادها، وإنما بما تتركه من أثر اقتصادي وسياحي وإعلامي يمتد إلى ما بعدها، وبقدرتها على التحول مع الزمن إلى علامة تجارية وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
كما أن نجاح هذا التوجه يتطلب شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، ورؤية واضحة تستهدف بناء روزنامة وطنية من الفعاليات المتخصصة التي تستند إلى خصوصية كل محافظة وما تمتلكه من مقومات ومزايا تنافسية. فكل منطقة في السلطنة تمتلك قصة يمكن أن تتحول إلى فعالية، وكل فعالية ناجحة تمتلك القدرة على أن تصبح منتجا اقتصاديا قائما بذاته.
وربما لا يكون السؤال اليوم ما إذا كانت السلطنة قادرة على تنظيم فعاليات ناجحة، فقد أثبتت العديد من التجارب السابقة قدرتها على ذلك. وإنما يتمثل السؤال الأهم في ما إذا كان الوقت قد حان للنظر إلى صناعة الفعاليات باعتبارها أحد المسارات الواعدة للتنويع الاقتصادي، وأحد القطاعات القادرة على تحويل المقومات الطبيعية والثقافية إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
فالسلطنة لا تفتقر إلى المقومات التي يمكن أن تقوم عليها صناعة فعاليات ناجحة، فهي تمتلك الطبيعة والتاريخ والثقافة والاستقرار والبنية الأساسية. والتحدي الحقيقي لا يتمثل في البحث عن عناصر جديدة، بل في تحويل ما نملكه بالفعل إلى أحداث وتجارب وعلامات تجارية قادرة على خلق قيمة اقتصادية مستدامة تتجدد عاما بعد عام.
ففي عالم تتنافس فيه الدول على جذب الزوار والاستثمارات والاهتمام الإعلامي، لم تعد الفعاليات مجرد وسيلة للترويج، بل أصبحت صناعة قائمة بذاتها. وكلما نجحت الدول في بناء هذه الصناعة وتطويرها، ازدادت قدرتها على خلق فرص جديدة للنمو والازدهار. ولعل هذا ما يجعل من صناعة الفعاليات الكبرى أداة مهمة للتنويع الاقتصادي، وفرصة جديرة بأن تحظى بمزيد من الاهتمام والتخطيط والاستثمار خلال السنوات القادمة.
