عادل الحمداني
مطلع هذا الشهر نشرت صحيفة “شؤون وطنية” إنفوجرافيك إحصائيًا يوضح بالأرقام الحضور في السير الذاتية المنشورة في الموسوعة العالمية “ويكيبيديا”، كاشفًا عن فجوة بينة في تمثيل النساء مقارنة بالرجال.
توضح البيانات أن ويكيبيديا تضم أكثر من 13.4 مليون سيرة ذاتية بجميع لغاتها، بعد اجتيازها مجموعة من المعايير التحريرية الصارمة. ومن بين هذه السير، يشكل الرجال نحو 80%، أي ما يقارب 11 مليون سيرة، فيما لا تتجاوز نسبة النساء 20%، بما يقارب 3 ملايين سيرة. وفي النسخة العربية ترتفع نسبة السير الذاتية للرجال إلى نحو 84% . أما الحضور العُماني فيبلغ 328 سيرة ذاتية، يستحوذ الرجال على أكثر من 80% منها، مقابل نحو 20% للنساء العُمانيات.
الأرقام تطرح سؤالًا لا يتعلق بويكيبيديا وحدها: هل صنعت الموسوعة هذه الفجوة، أم أنها تعكس فجوة أقدم منها في الطريقة التي ننتج بها المعرفة ونوثقها ونحفظها؟.
للإجابة عن ذلك، علينا أولًا فهم طبيعة ويكيبيديا. فالموسوعة لا تصنع شهرة الأشخاص من تلقاء نفسها، وإنما تعتمد في جانب أساسي من عملها على وجود مصادر مستقلة وموثوقة تناولت الشخصيات والأحداث. لذلك فإن غياب سيرة شخصية ما قد لا يعني بالضرورة أنها غير جديرة بالتوثيق، وإنما قد يعني أن حضورها في المصادر المنشورة محدود، أو أن ما كتب عنها لم يكن كافيًا لاستيفاء معايير الموسوعة.
غير أن المسألة لا يمكن أن تكون بهذه البساطة. فالمصادر التي تعتمد عليها الموسوعة تحمل في داخلها اختلالات تاريخية متراكمة في الإعلام والبحث والتأليف. ومعنى ذلك أن قاعدة التوثيق قد تكون محايدة تمامًا، بينما تكون المادة التي تُوثَّق بها غير متوازنة أصلًا. بعبارة أخرى، فإن تطبيق قاعدة عادلة على واقع غير عادل، ينتج في النهاية نتيجة غير عادلة.
بناءً على هذا، فإن الفجوة في ويكيبيديا تصبح أشبه بالمرآة؛ فهي لا تعكس الموسوعة وحدها، وإنما تعكس إلى حد كبير ما أنتجناه ووثقناه ونشرناه عن أنفسنا وعن الآخرين.
من هذا المنطلق، يمكن فهم انخفاض عدد السير الذاتية للنساء باعتباره نتيجة عوامل متداخلة: ضعف التغطية الإعلامية لبعض منجزات النساء، محدودية المصادر المستقلة المتاحة عنهن، قلة الدراسات والكتب التي توثق تجاربهن، وضعف مشاركة المحررين في إنتاج المحتوى المتعلق بهن، فضلا عن إرث ثقافي طويل حظيت فيه الشخصيات الذكورية بحضور أكبر في كتب التاريخ والإعلام والسير.
ويكيبيديا لا تنشر السير الذاتية لمجرد الشهرة أو الرغبة في التكريم؛ فهناك معايير تتعلق بالملحوظية ووجود المصادر الموثوقة وإمكانية التحقق من المعلومات واستقلالية المصادر. لذا فإن الطريق إلى ويكيبيديا لا يبدأ بالضرورة من صفحة الموسوعة، وإنما قد يبدأ قبل ذلك بسنوات في غرفة أخبار، أو قاعة جامعة، أو مركز بحث، أو دار نشر.
ماذا عن الحضور العُماني في هذه الموسوعة؟
الحالة العُمانية في ويكيبيديا لا يبدو متناسبة مع التاريخ الثقافي والعلمي والسياسي للبلاد. ف328 سيرة فقط لبلد بهذا العمق الحضاري رقم متواضع مقارنة بدول خليجية مجاورة تتقارب معها في عدد السكان، وهو ما يكشف أن المشكلة لا تكمن في نقص الشخصيات الجديرة بالتوثيق، بقدر ما تكمن في ضعف ثقافة التوثيق وإنتاج المعرفة المتراكمة.
نحتفي كثيرًا بالأشخاص عندما يحققون إنجازًا، لكن ما الذي يحدث بعد ذلك؟.
تنشر الصحف خبرًا عن شخصية عامة أو باحث أو كاتب أو فنان، وقد تجري معه مقابلة، وقد تكرمه مؤسسة أو تمنحه جائزة، ويتوقف الأمر عند ذلك الحد.
تبقى تلك المادة حبيسة أرشيف المؤسسة الإعلامية، ولا تتحول إلى كتاب أو دراسة أو قاعدة بيانات مفتوحة أو سيرة موثقة. فالمشكلة إذن ليست في غياب الإنجاز، وإنما في عدم تحويله إلى معرفة قابلة للبقاء والاسترجاع.
ويتضاعف الأمر عندما يتعلق الأمر بالنساء العُمانيات؛ فبعض إنجازاتهن حاضر محليًا، لكنه غائب عن التغطية الدولية، فلا يحظى بالانتشار أو الدراسة أو التوثيق في الفضاء المعرفي الأوسع. وقد تكون هناك شخصية موثقة باللغة العربية، لكن حضورها يبقى محدودًا في اللغات الأخرى لأن المعرفة عنها لم تنتقل إلى تلك اللغات بعد.
وهنا تبرز مسؤولية الإعلام؛ فالتقرير المتعمق، والتحقيق الصحفي، والدراسة الأكاديمية، والكتاب المنشور، كلها مواد يمكن أن تصبح لاحقًا مصادر يعتمد عليها الباحثون ومحررو الموسوعات.
أما الاكتفاء بالخبر القصير عن الإنجاز ثم الانتقال إلى الخبر التالي، فيجعل كثيرًا من الشخصيات حبيسة اللحظة التي ظهرت فيها.
قد يرى البعض أن الموسوعة العالمية “ويكيبيديا” تتحمل جانبًا من المسؤولية، بما أن معاييرها تعتمد على مصادر تعكس تحيزات موجودة أصلًا في المجتمع والإعلام، وهو رأي يستحق النقاش الجاد فعلًا؛ فمعايير الملحوظية نفسها صيغت في بيئة غربية ذكورية، وقد لا تنصف بالضرورة سياقات ثقافية أخرى. لكن معالجة هذه الفجوة لا تكون بتخفيف معايير التوثيق أو تجاوزها، وإنما بإنتاج مصادر أكثر تنوعًا وعدالة وجودة، بحيث يكون حضور النساء في المعرفة المنشورة نتيجة طبيعية لوفرة المادة الموثقة عنها، لا استثناءً منحته الموسوعة.
فلماذا لا نُقر بأن إنتاجنا المعرفي الضئيل عن الشخصيات العُمانية هو السبب الحقيقي وراء تلك الفجوة التي نشهدها في ويكيبيديا، فنكثف جهودنا للتعامل مع ذاكرتنا الوطنية والثقافية بشكل أفضل مما عليه الآن؟.
إذا أردنا أن يطّلع الآخرون على ما قدمه علماءنا ومبدعونا وكتّابنا وباحثونا وفنانونا ومؤسساتنا، فعلينا أن نوثقه اليوم، بلغات متعددة، وبمصادر موثوقة، ونجعله معرفة متاحة وسهلة الوصول إليها.
المسألة تبدأ من عندنا، لا من عند ويكيبيديا. فالموسوعة لا يمكنها أن توثق ما عجزنا نحن عن توثيقه. وفجوة صفحاتها أقل اتساعًا من فجوة ا
لذاكرة التي كشفتها.
