الدكتور حمد بن أحمد السعدي – أستاذ القانون المدني المساعد بكلية الحقوق جامعة الشرقية
hamed.alsaadi@asu.edu.om
من أبرز خصائص عقد البيع أنه عقد رضائي، فما المقصود بذلك؟ وهل يعني هذا أن كل عقد بيع لا يحتاج إلى كتابة أو توثيق؟
للإجابة عن ذلك، لا بد من الرجوع إلى القاعدة العامة التي قررها المشرع العُماني في الفقرة الأولى من المادة (69) من قانون المعاملات المدنية، والتي نصت على أن: “ينعقد العقد بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول مع مراعاة ما يقرره القانون من أوضاع معينة لانعقاد العقد”.
ويتضح من هذا النص أن الأصل في العقود، ومن بينها عقد البيع، أنها تنعقد بمجرد توافق إرادة المتعاقدين، أي باتفاق البائع والمشتري على المبيع والثمن، دون الحاجة إلى أي إجراء آخر، ما لم يشترط القانون خلاف ذلك.
ولذلك يوصف عقد البيع بأنه عقد رضائي؛ لأن التراضي هو الأساس الذي يقوم عليه. فمتى صدر الإيجاب من أحد الطرفين، واقترن به قبول مطابق من الطرف الآخر، انعقد العقد وترتبت آثاره القانونية، ولو لم يحرر في ورقة مكتوبة.
ولا يعني ذلك أن الكتابة لا أهمية لها، وإنما ينبغي التمييز بين انعقاد العقد وإثباته. فانعقاد العقد يتحقق بتوافق الإرادتين، أما الكتابة فقد تكون وسيلة لإثبات وجود العقد عند نشوء نزاع بين الطرفين. ولذلك قد يكون عقد البيع صحيحًا ومنتجًا لآثاره رغم عدم كتابته، متى أمكن إثباته بإحدى وسائل الإثبات التي يجيزها القانون.
ومن المهم أيضًا التمييز بين العقود الرضائية وغيرها من العقود. فهناك العقود الشكلية التي لا يكفي فيها التراضي وحده، بل يشترط القانون استيفاء شكل معين لانعقادها، كالرهن التأميني (الرسمي)، أو بعض البيوع التي اشترط القانون تسجيلها، مثل بيع السفينة وبيع المحل التجاري. وهناك كذلك العقود العينية التي لا تنعقد بمجرد التراضي، وإنما يتطلب القانون، بالإضافة إلى الإيجاب والقبول، تسليم محل العقد، ومن أشهر أمثلتها هبة المنقول.
ومع أن عقد البيع يعد في الأصل عقدًا رضائيًا، فإن المشرع خرج على هذا الأصل في بعض الحالات التي رأى فيها ضرورة توفير حماية أكبر للمتعاملين، فاشترط التسجيل في بعض البيوع، مثل بيع السفينة وبيع المحل التجاري. كما نصت المادة (901) من قانون المعاملات المدنية على أن: “لا تنتقل الملكية ولا الحقوق العينية الأخرى في العقار سواء بين المتعاقدين أو في حق الغير إلا بالتسجيل وفقًا لأحكام القوانين الخاصة به.”
وقد يظن البعض أن اشتراط تسجيل بيع العقار يعني أنه لم يعد عقدًا رضائيًا، إلا أن هذا الفهم غير دقيق. فالتسجيل ليس شرطًا لانعقاد عقد بيع العقار، وإنما هو شرط لانتقال الملكية. ولذلك يظل العقد منعقدًا بمجرد توافق الإرادتين، بينما يتأخر انتقال ملكية العقار إلى حين استكمال إجراءات التسجيل.
وقد أكدت المحكمة العليا هذا المعنى في أحد مبادئها القضائية عندما قررت أن تطابق الإيجاب والقبول في عقد البيع يكفي لانعقاده، وأن عدم التسجيل لا ينفي الطبيعة الرضائية للعقد، وإنما يؤخر فقط انتقال ملكية العقار إلى أن يتم التسجيل وفقًا للقانون. (المبدأ رقم 47، الطعن رقم 1322/2016م)
وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ سلطان الإرادة يمنح المتعاقدين حرية الاتفاق على تشديد شروط انعقاد العقد، فيجوز لهما أن يتفقا على ألا ينعقد عقد البيع إلا إذا تم تحريره كتابةً، أو بعد تسليم المبيع، وبذلك يتحول العقد – باتفاقهما – من عقد رضائي إلى عقد يشترط فيه شكل أو إجراء معين، احترامًا لإرادتهما.
إن الحكمة من اعتبار عقد البيع من العقود الرضائية تتمثل في أن البيع هو أكثر العقود تداولًا بين الناس، وتتعدد صوره وتتنوع معاملاته بصورة يومية، الأمر الذي يجعل اشتراط الكتابة أو الرسمية في جميع حالاته أمرًا مرهقًا للمتعاملين ويؤدي إلى تعطيل مصالحهم. لذلك جعل المشرع الأصل هو انعقاد البيع بمجرد توافق الإرادتين، تحقيقًا للسرعة والمرونة في المعاملات، مع استثناء بعض البيوع التي تقتضي طبيعتها أو أهميتها الاقتصادية إخضاعها لشكل معين، حمايةً للحقوق وتحقيقًا للأمن القانوني.
وهذا لا يعني أن المشرع قلل من أهمية الكتابة، وإنما فرق بين الحاجة إليها كوسيلة لإثبات العقد عند النزاع، وبين اشتراطها لانعقاد العقد. فالأصل أن الرضائية تكفي لقيام عقد البيع، أما الكتابة فلا تكون ركنًا في انعقاده إلا إذا نص القانون أو اتفق المتعاقدان على ذلك.
إن المعرفة القانونية الصحيحة هي الضمان الأول لاستقرار المعاملات وصيانة الحقوق.
