خليل بن علي الهادي
العمل على امتداد سنوات، وفي مختلف المسميات الوظيفية في مؤسسة ما، يجعلنا نعاصر تعاقب المديرين، وإن لم تكن علاقتنا بهم مباشرة. ومع ذلك، فإننا ندرك نهج إدارتهم، ونلمس الأثر الذي يتركونه في نفوس موظفيهم حتى بعد مغادرتهم المنصب. فهو أثرٌ تصوغه سنوات من العطاء، ويتجاوز حدود الأقسام والدوائر ليشمل بيئة العمل بأكملها، كالمطر الذي يحيي الأرض فيكسوها حياةً واخضرارًا.
ولعل القيمة الحقيقية لأي مدير مؤسسة لا تُقاس بما يصدره من قرارات، بل بما يتركه من أثر في ثقافة المؤسسة، وبما يغرسه من ثقةٍ في نفوس العاملين. فالقرارات قد تنتهي بانتهاء ظروفها، أما الأثر الإنساني فيبقى شاهدًا على مرحلةٍ كاملة من العمل والعطاء.
وهكذا تأتي القيادات كما تأتي السحب؛ فمنها ما يحمل إلينا الطمأنينة والسعادة، فيترك في نفوسنا أثرًا جميلًا يبقى حتى بعد انقضاء أيامه، ومنها ما يصحبه دويُّ الرعود، فتكون نتائجه قاسية، تعصف ببيئة العمل وتبعدها عن مسارها الطبيعي. أما المزن، فهو رمزٌ للغيث الرحيم، يأتي في هدوء، ويمنح الأرض خصبها دون ضجيج أو استعراض. وكذلك هو القائد الحق؛ يترك أثره الطيب دون أن يخلف خسائر أو أعباءً تُذكر كلما ذُكر اسمه.
فالقيادة ليست حضورًا إداريًا فحسب، بل هي البيئة التي تنمو فيها الكفاءات، وتُحتضن فيها المبادرات، ويشعر فيها الموظف بأن جهده محل تقدير، فيتحول الإنجاز من التزامٍ وظيفي إلى قناعةٍ راسخة تنعكس على المؤسسة بأسرها.
ولا يُقاس الإنسان إلا بمواقفه؛ فسنوات العمل هي التي ترسخ القيم، والمشوار المهني كفيلٌ بأن يكشف أيَّ القيادات كانت كالمزن؛ حضورٌ إنساني هادئ، وعطاءٌ صادق، وأثرٌ طيب يبقى مهما تعاقبت الظروف أو اشتدت العواصف.
وبطبيعة الحال، يدرك الموظفون هذا النوع من القيادات؛ لأنها لا تكون عبئًا عليهم، بل سندًا لهم. فبابها مفتوح، وترد إليها الطلبات من مختلف الأشخاص، ومع ذلك تبقى محافظةً على هدوئها، بعيدةً عن التذمر أو التنمر أو التلميح. وحتى عندما تتكرر الأفكار والمقترحات، فإنها تستقبلها بصدرٍ رحب، ونظرةٍ استراتيجية، تمنح الموظف شعورًا بأنه محل اهتمام وتقدير.
وقد يختلف معي البعض، فيرون أن الجميع رابح في تلك الدائرة لقربهم من المدير العام، وليكن ذلك الربح خيرًا من التجاهل أو التقصير؛ لأن التقصير الآخر يقع على الموظفين الذين يمتنعون عن إيصال أصواتهم. فإذا كان الباب مفتوحًا، أفلا تكون الأذن صاغية، والقلب منصفًا؟ ثم إن هذا الربح لا يقف عند موظفي المؤسسة وحدهم، بل يمتد إلى المؤسسة بأسرها؛ فعندما يزدهر الموظف في بيئة عمله، ويشعر بالثقة والتقدير والعدل، ينعكس ذلك على عطائه وإنجازه. ويزداد هذا الأثر عندما تكون القيادة قدوةً للمسؤولين في الأقسام والدوائر المختلفة، فيحذون حذوها في الممارسة القيادية.
فالمدير العام لا يُقاس بطول بقائه في منصبه، ولا بعدد الاجتماعات التي ترأسها، وإنما بما يبقى منه في ذاكرة العاملين، وفي ثقافة المؤسسة بعد رحيله. فالمناصب تتعاقب، أما القيم التي يغرسها القائد فتظل تنبض في تفاصيل العمل، وتورثها الأجيال لمن يأتي بعدها.
ولهذا، فإن كل موظف يرى هذا النهج من مديري العموم يدرك أنه رسالة في العدل، ومنهج في الإنسانية، واستثمار في المستقبل، وطمأنينة في المسار المهني. ويظل صاحبه في مصاف الكبار، بأخلاقه، وحسه القيادي، وإنسانيته، لأنه قدَّم الإنسان قبل الوظيفة، وجعل من احترامه وتقديره أولويته القصوى.
فالقيادات تمضي كما تمضي الفصول، غير أن بعضها يمر كالسحاب العابر، بينما يمضي بعضها الآخر تاركًا الأرض أكثر اخضرارًا. وهؤلاء هم الذين لا تحفظهم المناصب، بل تحفظهم ذاكرة الناس، ويظل أثرهم حاضرًا كلما ذُكر العطاء؛ لأن القيادة الحقيقية لا تُقاس بما يملكه القائد من صلاحيات، وإنما بما يزرعه في الإنسان من قيمٍ تبقى بعد رحيله.
