الحبيب سالم المشهور – شؤون وطنية
استوقفني مقال الأستاذ بدر العبري، المنشور في جريدة عُمان بمناسبة اليوم الدولي للصداقة، والذي أثار سؤالًا جوهريًا حول الحوار بين الأديان والثقافات، وحدوده، وعلاقته بالصراعات السياسية. وبينما كنت أتأمل ما طرحه، وجدت نفسي أمام سؤال آخر لا يقل أهمية، بل ربما كان أكثر التصاقًا باحتياجات عصرنا: كيف ينبغي أن تتحاور الأديان والمذاهب اليوم؟
لم يعد العالم بحاجة إلى مزيد من المناظرات التي تستعيد الخلافات التاريخية، ولا إلى سجالات تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر. فالإنسان المعاصر يواجه تحديات وجودية وأخلاقية غير مسبوقة، ويبحث عن معنى لحياته، وعن قيم تحفظ إنسانيته، وعن أمل يبدد قلقه. ومن هنا، فإن نجاح الحوار لا يقاس بما يحققه من غلبة فكرية، بل بما يقدمه من إسهام في بناء الإنسان وإصلاح العالم.
والحوار المنشود ليس حوارًا يهدف إلى تذويب الخصوصيات الدينية أو المذهبية، ولا إلى حمل الآخرين على التخلي عن معتقداتهم، وإنما هو حوار ينطلق من احترام الاختلاف، ويتجه نحو التعاون في القضايا التي تجمع البشرية. فالاختلاف سنة كونية، أما التعاون على الخير فهو مسؤولية إنسانية مشتركة.
أولًا: إيمان يتسع للأسئلة ويستوعب تطلعات الشباب
أولى ساحات الحوار الحقيقي تبدأ من إيمان يتسع لتطلعات الشباب، ويتفهم أسئلتهم، ولا يقمعها. فجيل اليوم يعيش في فضاء مفتوح، ويواجه سيلًا متدفقًا من الأفكار والرؤى، ولم يعد يقبل الإجابات الجاهزة التي تتجاوز عقله أو تتجاهل واقعه.
ومن النماذج الدالة على أهمية السؤال في بناء الوعي الديني تجربة عالم الرياضيات الأمريكي جفري لانغ، صاحب كتاب “حتى الملائكة تسأل”، الذي فقد إيمانه في سن مبكرة بسبب أسئلة فكرية ووجودية عميقة، ثم قادته رحلة البحث إلى اكتشاف مساحة واسعة للحوار في القرآن الكريم، ورأى أن الخطاب القرآني لا يخاطب الإنسان بوصفه عقلًا معطلًا، وإنما يدعوه إلى النظر والتأمل والسؤال.
ويقدم القرآن نموذجًا بديعًا لعلاقة الإيمان بالسؤال في قصة إبراهيم عليه السلام، فلم يكن سؤاله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ صادرًا عن شك، وإنما عن توق إلى مزيد من المعرفة والطمأنينة؛ ولذلك جاء الجواب: ﴿بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. فهناك أسئلة لا تهدم الإيمان، بل تعمقه، لأنها تنقل الإنسان من المعرفة الموروثة إلى اليقين الواعي، وهذا يذكرنا بما قاله الغزالي في ختام كتابه (ميزان العمل): من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في متاهات العمى والضلالة!
إن بناء علاقة صحية مع الشباب يتطلب الانتقال من خطاب الوصاية إلى خطاب الصحبة، ومن تقديم الإجابات المغلقة إلى فتح مساحات السؤال والتأمل؛ لأن الإنسان لا يثبت على قناعة لمجرد أنه مُنع من السؤال، وإنما حين يصل إليها بوعي وطمأنينة
ثانيًا: ترسيخ الأخلاق في عصر السيولة
كما ينبغي أن يتحول الحوار إلى بحث مشترك في سبل تعزيز حضور الدين بوصفه مصدرًا للأخلاق والقيم. فنحن نعيش ما يسميه بعض علماء الاجتماع بعصر “السيولة”، حيث أصبحت العلاقات، والهويات، والأفكار، وحتى القيم، أكثر عرضة للتغير والاضطراب.
وفي مثل هذا الواقع، لا يحتاج العالم إلى مزيد من الجدل اللاهوتي، بقدر حاجته إلى خطاب ديني يعيد الاعتبار للصدق، والأمانة، والعدل، والرحمة، والإحسان، واحترام كرامة الإنسان؛ لأن هذه القيم هي الضامن الحقيقي لاستقرار المجتمعات.
إن حضور الدين في الحياة لا يقاس فقط بانتشار الشعارات الدينية، وإنما بقدرته على صناعة إنسان أكثر رحمة وصدقًا وعدلًا.
ثالثًا: إحياء الروحانية في عالم طغت عليه المادية
ومن أهم مجالات الحوار اليوم البحث في كيفية تعزيز الروحانية في عالم طغت عليه المادية ومظاهر الاستهلاك. فقد أحرز الإنسان تقدمًا علميًا وتقنيًا هائلًا، لكنه لم يتخلص من القلق، ولا من الشعور بالوحدة، ولا من الفراغ الوجودي.
وهنا تستطيع الأديان، مع احتفاظ كل دين بعقيدته وخصوصيته، أن تقدم للعالم خبرتها الروحية، فتذكر الإنسان بأنه ليس مجرد مستهلك أو آلة إنتاج، بل كائن يبحث عن الطمأنينة والمعنى والسكينة.
والحوار الروحي بين أتباع الأديان ليس أمرًا مستبعدًا، بل له شواهد في التجربة الدينية نفسها. وقد خلّد القرآن الكريم موقفًا إنسانيًا عميقًا لبعض رجال الدين المسيحي عندما قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
فالآية ترسم صورة للحظة لقاء روحي بين أناس اختلفت مرجعياتهم، لكنهم التقوا عند خشوع القلب أمام ما عرفوه من الحق. وهي تشير إلى أن الروحانية الصادقة قادرة على تجاوز الحواجز النفسية، وأن التواضع أمام الحقيقة يمكن أن يكون جسرًا للتعارف والتقارب.
إن الحوار بين الأديان لا ينبغي أن يغفل عن أن مركزية الله في التصور الديني ليست نقيضًا لمركزية الإنسان، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه كرامة الإنسان.
فحين يكون الله هو المرجع الأعلى للقيم، يتحرر الإنسان من جعل ذاته أو قوته أو مصالحه مركزًا مطلقًا للحياة.
رابعًا: صناعة القدوات وتنزيل الحوار إلى المجتمع
إن الشباب لا يحتاجون اليوم إلى مزيد من الخطابات التي تدين الآخر، بقدر حاجتهم إلى نماذج إنسانية تجسد الصدق، والتواضع، والنزاهة، وخدمة الناس.
ولهذا ينبغي ألا يبقى الحوار حكرًا على النخب والمؤتمرات، بل يجب أن ينتقل إلى المدارس والجامعات، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والأنشطة الشبابية، حتى يتحول من بيانات وخطب إلى ثقافة مجتمعية وسلوك يومي
فالحوار الذي لا يصل إلى المجتمع يبقى فكرة نخبوية، أما الحوار الذي يتحول إلى ممارسة فهو الذي يصنع التغيير.
خامسًا: حوار الخدمة ونصرة المستضعفين
وما قيمة الحوارات إذا بقيت حبيسة القاعات المغلقة، بينما يعيش ملايين البشر الفقر، والجوع، والمرض، واللجوء، والحرمان من التعليم والعلاج؟
إن التعاون بين أتباع الأديان والمذاهب في خدمة الإنسان، أيًا كان دينه أو عرقه أو مذهبه، هو أصدق أشكال الحوار، وهو الذي يمنح الخطاب الديني مصداقيته، ويجعل الناس يرون الدين رحمة عملية، لا مجرد شعارات.
فخدمة الإنسان تمثل مساحة واسعة للقاء؛ لأنها تنطلق من المشترك الإنساني الذي تتفق عليه الرسالات في الدعوة إلى الرحمة والتكافل وصيانة الكرامة.
سادسًا: مواجهة التحديات الكونية المشتركة
كما ينبغي أن تنصرف حوارات الأديان إلى القضايا التي تهدد مستقبل البشرية كلها، مثل حماية البيئة، ومواجهة التغير المناخي، وترشيد استخدام التقنيات الحديثة، والبحث في الآثار الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، وحماية كرامة الإنسان في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
فهذه قضايا لا تخص دينًا أو مذهبًا بعينه، وإنما تمس المصير الإنساني المشترك، والعمل فيها كفيل بأن يجعل الحوار أكثر فاعلية وأقرب إلى واقع الناس.
سابعًا: بث الأمل وصناعة المستقبل
العالم اليوم مثقل بالحروب، والنزاعات، والأزمات الاقتصادية، وتصاعد خطابات الكراهية، واتساع مشاعر القلق وفقدان اليقين. وفي مثل هذه الظروف، ينبغي أن تكون الأديان مصدرًا للأمل، لا لليأس، وللجمع، لا للتفريق، ولإحياء الثقة بإمكان بناء عالم أكثر عدلًا ورحمة.
إن الرسالات السماوية لم تأت لتغذي مخاوف الإنسان، وإنما لتفتح أمامه أبواب الرجاء، وتدفعه إلى العمل، وتعينه على إعمار الأرض وصناعة مستقبل أفضل.
لقد آن الأوان لأن ننتقل في حوارات الأديان والمذاهب من سؤال: من الأقرب إلى الحقيقة؟ أو من يملكها؟ إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كيف نجعل الحقيقة التي نؤمن بها مصدرًا لخير الإنسان وسعادته؟
فعندما يصبح الحوار قادرًا على الإجابة عن أسئلة الشباب، وترسيخ الأخلاق، وإحياء الروح، وصناعة القدوات، ونصرة المستضعفين، والتعاون في مواجهة تحديات العصر، فإنه يكون قد أدى رسالته الحقيقية. أما إذا ظل أسير السجالات التاريخية التي لا تنتهي، فإنه سيفقد قدرته على مخاطبة الإنسان المعاصر، وقد يترك فراغًا يبحث الشباب عن ملئه خارج الأطر الدينية التي عرفتها المجتمعات عبر تاريخها.
