كتب: عادل الحمداني
يشهد العالم ثورة رقمية متسارعة أدت إلى ظهور شكل جديد من الأمية يرتبط بالقدرة على فهم التقنيات الحديثة وتوظيفها بفاعلية. وتشير العديد من الدراسات الإعلامية إلى أن هذا التحدي يشمل الأفراد والمؤسسات على حد سواء، وفي مقدمتها المؤسسات الإعلامية، التي أصبحت مطالبة بتمكين كوادرها من أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقنيات التحول الرقمي للحفاظ على قدراتها التنافسية، ومواصلة أداء رسالتها المهنية في بيئة إعلامية سريعة التغير.
وفي ظل تصاعد تحديات التزييف العميق، وتراجع الثقة بالمحتوى، وتغيّر أدوات العمل الصحفي، تؤكد الدراسات أن الذكاء الاصطناعي سيكون شريكًا في إنتاج المحتوى وتحليل البيانات وصناعة القرار. كما تؤكد الحاجة إلى تدريب الصحفيين وتأهليهم لفهم استخدام الذكاء الاصطناعي بكفاءة ومسؤولية.
وسط هذا التشكل الجديد للعمل الإعلامي والصحفي انبثقت مبادرة “ثورة الذكاء الاصطناعي” استجابة لقناعة الصحفية الاستقصائية إيمان الوراقي بأن المهنة تقف أمام تحول تاريخي يفرض عليها مواكبة الثورة الرقمية المتسارعة. وتؤكد إيمان أن المبادرة تستهدف تمكين الصحفيين من امتلاك الأدوات الضرورية مع الحفاظ على موثوقية العمل الصحفي في عصر الخوارزميات.
وترى إيمان الوراقي أن ما يميز المبادرة أنها لا تقتصر على التعريف بالأدوات أو شرح آليات استخدامها، وإنما تقديمها رؤية متكاملة تفرض على الصحفي إعادة التفكير في أساليب الإنتاج الإعلامي وأخلاقياته. لذلك تجمع المبادرة بين التدريب العملي على أحدث التطبيقات، وبين التحقق من المعلومات، والانحيازات الخوارزمية، وتوظيف التقنيات في التحقيقات وفي صناعة المحتوى، مع وعي حقيقي يحمي الهوية الصحفية ويرسخ الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة باعتبارها أدوات تعزز الإبداع الإنساني.
وتنظر الوراقي إلى مبادرة “ثورة الذكاء الاصطناعي” بوصفها بداية لمسار أوسع يهدف إلى الإسهام في بناء منظومة رقمية عربية قادرة على مواكبة التحولات العالمية. وتؤكد أن تحقيق هذا الهدف لابد من تضييق الفجوة بين التقنية والتطبيق المهني. وتضيف: “في المبادرة، نتحرك عبر ثلاثة مسارات.. التوسع في التدريبات المتقدمة لتشمل صحافة البيانات والتحقيقات المدعومة بالخوارزميات، تقديم استشارات رقمية للمؤسسات لتطوير مواثيق أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ودعم أتمتة غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية لرفع كفاءة الإنتاج مع الحفاظ على الهوية والإبداع البشري”.
التحديات الأبرز في طريق المبادرة
ورغم الحراك الذي أحدثته المبادرة، فإنها تواجه تحديات، في مقدمتها محدودية الموارد والاعتماد على الجهود الذاتية. تقول إيمان الوراقي: “نواجه مقاومة وتخوفًا من بعض الزملاء تجاه الذكاء الاصطناعي، نابعًا من القلق على مستقبل الوظائف أو التوجس من تعقيد التقنية وجفافها”. وتؤكد الوراقي أن التجربة أثبتت أن هذه الأدوات جاءت لمساندة الصحفي وتحريره من الأعمال الروتينية، بما يمنحه وقتًا أكبر للإبداع والتحليل وإنتاج محتوى أكثر إبداعًا.
وتُعد مبادرة “ثورة الذكاء الاصطناعي” محاولة للانتقال من مرحلة الخوف من التقنية إلى مرحلة فهمها، والاستفادة منها، حتى لا يجد الصحفي نفسه خلال سنوات قليلة خارج المنافسة. كما يُنظر إلى المبادرة باعتبارها خطوة مهمة نحو دمج الذكاء الاصطناعي في الإعلام بطريقة واعية ومنظمة.
وخلال السنوات الماضية، نجحت مبادرة الوراقي في تدريب مئات الصحفيين المصريين والعرب على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحقيقات المدعومة بالخوارزميات. وحرصت على المشاركة في مختلف البرامج داخل نقابة الصحفيين المصريين، وفي مكتبة الاسكندرية، وفي الجامعات والكليات، وفي عدد من السفارات والمراكز الثقافية العربية.
الإنسان في عصر الآلة
ترى إيمان الوراقي أن مستقبل الصحافة يعتمد على امتلاك مهارات جديدة، مثل إتقان الهندسة الفورية، وتحليل البيانات الضخمة، والتحقق الرقمي من المعلومات لمواجهة الأخبار المضللة. وتقول: “أصبح صناعة المحتوى متعدد الوسائط، من فيديوهات قصيرة وبودكاست، باستخدام أدوات التوليد الذكي ضرورة ملحة للوصول للجمهور الحديث”. وتؤكد أن هذه التقنيات تمنح الصحفي فرصة اختصار وقت البحث، وتسريع وتيرة تحليل الوثائق، والقيام بالكثير من المهام الروتينية، بما يتيح مساحة أكبر للإبداع والتحليل وصناعة المحتوى الإنساني.
وتؤمن الوراقي بأن الصحفي يظل صاحب الرؤية والضمير المهني، فيما يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على الإنجاز السريع ومعالجة البيانات. وتوضح أنها تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مساعدًا يتولى الأعمال الروتينية، حتى يتفرغ الصحفي لما لا تستطيع الآلة القيام به، وهو فهم الإنسان والتعاطف مع قضاياه، واتخاذ القرارات المهنية والأخلاقية التي تمنح العمل الصحفي معناه الحقيقي.
وتشير إيمان الوراقي إلى أن كبرى المؤسسات الإعلامية العالمية أصبحت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره شريكًا يعيد تشكيل بيئة العمل داخل غرف الأخبار، وليس كبديل للبشر. وتؤكد أن : “الذكاء الاصطناعي يمنح هذه المؤسسات السرعة والعمق، لكنها تحرص دائمًا على وضع محرر بشري في نهاية الدورة الصحفية لضمان الدقة والموثوقية”. هذا المبدأ هو ما تشدد عليه الوراقي باعتباره يمثل جوهر فلسفة مبادرة “ثورة الذكاء الاصطناعي”، حيث تبقى الكلمة الأخيرة دائمًا للصحفي.
وتصف الوراقي واقع المؤسسات الإعلامية العربية بأنه متفاوت؛ فهناك مؤسسات بدأت في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى وتطوير منصاتها الرقمية، بينما ما تزال مؤسسات أخرى تعاني فجوة واضحة بسبب نقص الإمكانات أو مقاومة التغيير وغياب الاستراتيجيات الرقمية. “الاستعداد الحقيقي”، كما تؤكد إيمان، “لا يعني شراء برمجيات حديثة، بل يبدأ من الاستثمار في الإنسان وتدريب الصحفيين، وهو التحدي الذي نحاول جاهدين سده من خلال مبادرتنا”.
مستقبل الصحافة بلغة الذكاء الاصطناعي
في أكثر من مناسبة حرصت إيمان الوراقي على التذكير بأن الذكاء الاصطناعي يتفوق على الإنسان في كثير من المهام التي تعتمد على السرعة والكفاءة اللوجستية، مثل تحليل وفحص كميات هائلة من البيانات والوثائق، واستخراج الأنماط والمؤشرات، وإنجاز الترجمة الفورية، وتفريغ المقابلات الصوتية، وإعداد الأخبار الرقمية المتعمدة على البيانات والأرقام. لكنها تؤكد: “الذكاء الاصطناعي يكسب دائمًا في معارك السرعة والمعالجة الكمية، لكنه يترك لنا دائمًا المساحة الأجمل والأعمق: اللمسة الإنسانية، الحس النقدي، والقصة النابضة بالحياة”.
ترى الوراقي أن تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة يتطلب توافقًا بين المؤسسات الإعلامية والخبراء والممارسين لوضع ميثاق أخلاقي يحكم استخدام هذه التقنيات. وأكدت أن هذا الميثاق يجب أن يستند على مبادئ أساسية، أبرزها الشفافية المطلقة، وإخضاع المحتوى لمراجعة بشرية قبل نشره، ومكافحة الانحياز والتضليل، إلى جانب حماية الملكية الفكرية والخصوصية، لضمان عدم انتهاك حقوق الآخرين أثناء تدريب الآلات أو استقاء المعلومات، وضمان توظيف التكنولوجيا لخدمة المهنة دون الإضرار بقيمها.
وفيما يتعلق بالمخاطر التي تفرضها قضايا الدقة والشفافية والملكية الفكرية وأخلاقيات الاستخدام، تقول إيمان: “تفرض هذه القضايا مخاطر جسيمة تهدد جوهر العمل الإعلامي؛ فغياب الدقة والشفافية يؤدي إلى تفشي الأخبار الزائفة وتآكل ثقة الجمهور في الصحافة، أما انتهاكات الملكية الفكرية، فتقوض حقوق المبدعين وتهدد استدامة صناعة المحتوى”. وأشارت إلى أن الانحيازات الخوارزمية قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج التضليل إذا لم تخضع للرقابة والمساءلة، وهو ما يجعل الالتزام بالأخلاقيات المهنية ضرورة لا تقل أهمية عن امتلاك التقنية نفسها.
في هذا الجانب، تؤكد الوراقي أن العالم العربي أصبح بحاجة إلى إطار تشريعي موحد ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، معتبرة أن ذلك ضروري لحماية البيئة الإعلامية من مخاطر التضليل والانحيازات الرقمية. وتضيف بروح لا تخلو من الدعابة: “الطريف في الأمر، أننا إذا انتظرنا طويلا دون تشريع موحد، فقد نجد الروبوتات هي من تجتمع في جامعة الدول العربية لتضع لنا قانونًا ينظم استخدام البشر في غرف الأخبار”، في إشارة إلى ضرورة أن يسبق الإنسان التطور التقني بتنظيمه وإدارته.
إيمان الوراقي.. من ميادين الصحافة إلى مستقبل الإعلام
بدأت إيمان الوراقي العمل في مهنة الصحافة منذ سن مبكرة، وخاضت تجارب صحفية متنوعة، تمكنت خلالها من إنجاز العديد من التحقيقات الاستقصائية. وتصف نفسها بأنها، رغم انشغالها اليومي بالذكاء الاصطناعي وتدريب الآخرين على استخدامه، ما تزال تؤمن بأن الإنسان سيبقى جوهر كل قصة صحفية. وتقول: “بدأتُ رحلتي من شغف الصحافة المحلية الميدانية، حيث تفاصيل الناس البسيطة، حتى وصلتُ بفضل الله للصحافة الدولية، حصدت ثماني جوائز دولية ومحلية، ورشحت لأكثر من جائزة دولية”.
وترى أن نشأتها في الريف المصري وتجربتها كامرأة شقت طريقها بالاعتماد على نفسها، أسهمتا في تشكيل شخصيتها المهنية، وقادتها لاحقًا إلى الجمع بين الصحافة الاستقصائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي عبر إطلاق مبادرة “ثورة الذكاء الاصطناعي”. وبعيدًا عن العمل، ترى نفسها إنسانة منحازة للأدب، والموسيقى، والسفر إلى الأماكن التاريخية.
وفي ظل انشغالها المتواصل بالذكاء الاصطناعي، تبدي إيمان الوراقي قلقها من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الآلات إلى تراجع قدرة الإنسان على التفكير والتحليل، وأن يصبح القرار البشري أسيرا للخوارزميات. لكنها في المقابل، ترفض الاستسلام للتشاؤم فتقول: “أنا متفائلة لأن الذكاء الاصطناعي حين يرفع عنا عبء المهام الروتينية المملة، سيعيد إلينا أثمن ما نملك: الوقت لنبدع، ونفكر، ونمارس إنسانيتنا بكامل تفاصيلها الدافئة، الآلة ستساعدنا لتكبير عقولنا، لكن قلوبنا ستظل هي من تدير المشهد بنبضها الحي”.
ومن واقع تجربتها العملية، تنظر الوراقي إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مساعدًا ذكيًا يتولى المهام المتكررة والمستهلكة للوقت، مثل تفريغ المقابلات وتحليل البيانات وترتيب المعلومات، ليمنح الصحفي مساحة أوسع للتركيز على الإبداع وصناعة الأفكار وإضفاء البُعد الإنساني على القصة الصحفية. وتؤكد أن هذه الأدوات، تظل بحاجة إلى عقل الإنسان وحسه النقدي وبوصلته الأخلاقية.
الذكاء الاصطناعي بعد عقد من الزمن
مستقبل الصحافة، كما تتوقعه إيمان الوراقي، سيكون على هيئة شراكة تعيد تعريف العمل الصحفي. وترى أن المستقبل، سيكون من نصيب الصحفي الذي يتقن توظيف المساعدات الذكية ويجعلها جزءا من أدواته اليومية، بينما ستتراجع فرص من يرفض التكيف مع التحولات الرقمية. وتتوقع أن تختفي معظم الأعمال الروتينية داخل غرف الأخبار، ليتفرغ الصحفي أكثر للتحقيقات العميقة، وصناعة الفكر، وتقديم القصص الإنسانية، في حين يتولى الذكاء الاصطناعي المهام التي لا تتطلب الحس الإبداعي.
تشبه إيمان الوراقي ما يجري في ظل كل هذه التحولات التقنية المتسارعة، بأن الذكاء الاصطناعي هو قطار سريع سيقوده من يمتلك الوعي والأخلاق، والباقون ستجرفهم الخوارزميات.
