الدكتور علي بن خصيف بن جمعه البلوشي
يتميز المجتمع العماني بأصالته وتلاحمه المستمد من تعاليم الدين الإسلامي، والقيم العربية الاصيلة التي تقوم على التعاون والتراحم والتكاتف، وهي قيم لم تكن يومًا شعارات، بل ممارسات اجتماعية تظهر في المواقف التي يحتاج فيها الإنسان إلى من يقف بجانبه ويسانده، حيث يمثل التعاون والتكاتف الاجتماعي ركيزة أساسية في الهوية الوطنية العمانية، ويتجسد ذلك في مظاهر متأصلة تنعكس في حياة الأفراد والمؤسسات.
وفي هذا الإطار، تجسدت المسؤولية الاجتماعية والتلاحم الوطني، حيث جاءت الحملة التي أطلقها أبناء عمان بمحافظة ظفار لمساندة الطفل “أحمد العجمي” مثالاً حيًا على تضافر الجهود الإنسانية بهدف مساعدته في استكمال رحلة علاجه بالخارج، وقد تحولت هذه الحملة الى مبادرة مجتمعية واسعة شارك فيها أفراد المجتمع بمختلف فئاته، الى جانب مؤسسات القطاع الخاص، وجمعيات المجتمع المدني، ولم تتوقف أصداء هذا التعاضد عند حدود محافظة ظفار بل امتدت لتشمل مختلف محافظات سلطنة عمان، حيث وجد المجتمع في حالة الطفل “سالم الشيدي” امتدادًا للمسؤولية الإنسانية ذاتها، فهب لمساندته في مواجهة التحدي الصحي الذي يمر به.
إن هذه التجربة العمانية الاصيلة ليست مجرد عادة اجتماعية مرتبطة بمكان معين، بل هي قيمة وطنية إنسانية تستحق أن تتحول الى ثقافة مجتمعية عامة تنتشر في مختلف ارجاء الوطن العزيز، لتصبح نموذجًا يعزز من حضور قيم العطاء والمسؤولية الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، حيث تعكس هذه المواقف ما يتميز به المجتمع العماني من تلاحم وترابط وقدرته على توحيد الجهود من أجل الوقوف مع أفراده في أوقات الحاجة.
وتأتي هذه التجربة منسجمة مع النهج الذي أكده حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -أعزه الله- في اهتمامه بالإنسان العماني باعتباره محور التنمية وغايتها، وفي تأكيده المستمر على أهمية تمسك المجتمع بهويته العمانية، انطلاقًا أن بناء الوطن لا يتحقق بالجهود الحكومية وحدها، بل بتكامل أدوار جميع أفراد المجتمع ومؤسساته.
وفي هذا السياق، تأتي هذه المبادرات المجتمعية متوافقة مع التوجه العام لسلطنة عمان نحو تعزيز دور المجتمع ومؤسساته، وترسيخ مفهوم الشراكة بين الدولة والمجتمع في تحقيق التنمية الاجتماعية، حيث يمثل اصدار قانون مؤسسات المجتمع المدني بموجب المرسوم السلطاني رقم 64 لسنة 2026م اطارًا قانونيًا داعمًا لتنظيم هذا القطاع وتعزيز دوره بما يواكب أهمية العمل التطوعي في خدمة المجتمع، كما ينسجم هذا التوجه مع مرتكزات رؤية عُمان 2040م التي تؤكد على أهمية الأنسان العماني وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتمكين المؤسسات غير الربحية والفرق التطوعية في أداء أدوارها التنموية.
ومن هنا، يبرز الدور المهم لرجال الأعمال وأصحاب المؤسسات والقطاع الخاص في دعم وتعزيز هذه الثقافة وترسيخ قيم المسؤولية الاجتماعية، فإلى جانب دورهم الاقتصادي في بناء الوطن، فإن مساهمتهم في دعم المبادرات الإنسانية ورعاية الحالات الاجتماعية والمشاريع الخيرية تمثل صورة من صور الشراكة الحقيقية بين القطاع الخاص والمجتمع، كما أن تبنيهم لمثل هذه المبادرات لا يقتصر أثره على تقديم الدعم المادي، بل يسهم في نشر ثقافة العطاء وتدفع الآخرين الى المشاركة والبذل.
ولا شك، أن وزارة التنمية الاجتماعية تقوم بدور كبير ومقدر في دعم منظومة العمل الاجتماعي، ورعاية البرامج التي تخدم المجتمع، وتعزيز الشراكة مع الجمعيات الأهلية والفرق التطوعية، وهو دور يستحق الإشادة، ويمكن البناء على هذه الجهود من خلال تشجيع مثل هذه المبادرات المجتمعية، وتفعيل ونشر دور المنصات الإلكترونية التابعة للجمعيات والفرق التطوعية للتعريف بالحالات الإنسانية والبرامج الداعمة لها وفق تنظيم يحفظ الخصوصية والكرامة.
وفي خلاصة القول، فلتكن هذه التجربة الاجتماعية رسالة لكل المحافظات: أن الفزعة والتكافل ليستا مجرد موقف عابر، بل نهج اجتماعي يمكن أن يجعل عُمان نموذجًا في التراحم والتعاون بين أفرادها.
