مطر بن سالم الريامي
يُعد مفهوم التمكين من أبرز المفاهيم الإدارية الحديثة التي أسهمت في إعادة تشكيل الفكر القيادي داخل المؤسسات، حيث يقوم على تعزيز قدرات الأفراد وتوسيع دائرة مشاركتهم في اتخاذ القرار، وتحويلهم من منفذين إلى شركاء في صناعة الإنجاز، غير أن هذا المفهوم، رغم حداثته في الأدبيات الإدارية، يجد جذوره العميقة في نماذج قرآنية ثرية تقدم رؤية متكاملة للقيادة وصناعة الإنسان، وتحديدًا نحن هنا بصدد الحديث عن سورة الكهف التي تعرض أربع تجارب إنسانية يمكن قراءتها ضمن إطار فكري إداري يعيد تعريف التمكين بوصفه منظومة قيم ومعرفة ومسؤولية ، فحين يرد الحديث عن التمكين يتجه الذهن غالباً إلى معاني السلطة والنفوذ والمال، غير أن التأمل في القرآن الكريم يكشف أن التمكين أعمق من ذلك بكثير، فالتمكين في جوهره ليس ما يملكه الإنسان من أدوات القوة، وإنما ما يمتلكه من قدرة على توظيف تلك الأدوات في تحقيق رسالته وإعمار الأرض، وهي من السور التي تقدم رؤية متكاملة لهذا المفهوم و التي اعتاد المسلمون قراءتها كل يوم جمعة طلباً للهداية والنجاة من الفتن، بينما تحمل بين آياتها منهجاً متدرجاً لبناء الإنسان المُمكَّن القادر على مواجهة تحديات الحياة ، فلقد ارتبطت سورة الكهف في الوعي الإسلامي بمفهوم النجاة من الفتن، وهو ارتباط يستند إلى ما ورد في السنة النبوية من الحث على قراءتها وما اشتملت عليه من قصص تمثل نماذج متنوعة للابتلاء والاختبار الإنساني، غير أن الاقتصار على هذا البعد وحده قد يحجب جانباً مهماً من الرسالة الحضارية التي تحملها السورة ، فالتأمل المتدبر في بنية السورة ومقاصدها يكشف أنها لا تعلم المسلم كيف ينجو من الفتنة فحسب، بل تعلمه كيف يبني ذاته ومجتمعه بعد النجاة منها ، كذلك يكشف أن القصة لا تركز على الهروب من الفتنة بقدر ما تركز على بناء الشخصية المؤمنة القادرة على مقاومة الضغوط ، فالنجاة في التصور القرآني ليست غاية نهائية، وإنما خطوة أولى في طريق أوسع يتمثل في الاستخلاف والإعمار والإصلاح ، ومن هنا تبدو سورة الكهف وكأنها ترسم رحلة متدرجة تبدأ بحماية الإنسان من الانحراف، ثم تنتقل إلى تأهيله للقيام بدوره الحضاري في الحياة ، ولهذا فإن السورة تقدم نموذجاً متكاملاً للتمكين الإنساني، يبدأ من بناء العقيدة، ويمر ببناء المعرفة، ثم تهذيب العلاقة مع المال، وينتهي ببناء القيادة القادرة على خدمة الناس وتحقيق العمران.
حيث تبدأ سورة الكهف بقصة أصحاب الكهف الذين واجهوا واقعًا اجتماعيًا ضاغطًا على هويتهم وقيمهم، فكان قرارهم قائمًا على وعي عميق بالذات وثبات على المبدأ، قبل أي اعتبار للنتائج أو المآلات ، هذا النموذج يكشف أن التمكين لا ينطلق من الأدوات أو الصلاحيات، بل من بناء الإنسان القادر على اتخاذ موقف واعٍ تجاه بيئته ، وفي السياق الإداري المعاصر، تمثل هذه القصة الأساس الأول للتمكين، حيث لا يمكن لأي منظومة مؤسسية أن تحقق أثرًا مستدامًا ما لم تكن قائمة على قيم واضحة ورؤية مشتركة تشكل الإطار الحاكم للسلوك والقرار، ومن هنا فإن تمكين القيم يمثل نقطة الانطلاق الأولى في أي مشروع قيادي ناجح.
ثم تأتي قصة صاحب الجنتين لتناقش قضية لا تقل أهمية عن الإيمان والعلم، وهي قضية إدارة الموارد، فالرجل امتلك المال والنجاح الاقتصادي، لكنه لم يمتلك الوعي الذي يمكنه من إدارة هذه النعمة على الوجه الصحيح ، وتكشف القصة أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة تحقيق التمكين ، فقد تتحول الثروة إلى عامل ضعف إذا ارتبطت بالغفلة والغرور، كما قد تتحول الإمكانات المحدودة إلى مصدر نجاح إذا صاحبتها الحكمة والشكر والمسؤولية ، وتنعكس هذه الحقيقة في كثير من التجارب المعاصرة؛ فهناك دول ومؤسسات امتلكت ثروات ضخمة لكنها أخفقت في تحقيق التنمية المستدامة، في حين استطاعت مجتمعات أخرى بإمكانات أقل أن تحقق تقدماً ملحوظاً بفضل حسن الإدارة والاستثمار في الإنسان.
ثم تنتقل السورة إلى نموذج أكثر عمقًا في بناء المعرفة، يتمثل في رحلة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح، والتي تعكس بعدًا جوهريًا في الفكر القيادي، وهو أن التمكين الحقيقي لا يكتمل دون انفتاح على المعرفة وتجاوز حدود الخبرة التقليدية، ففي هذه القصة يتعلم الإنسان أن العلم ليس امتلاك الإجابات الجاهزة، بل امتلاك القدرة على التعلم المستمر وفهم تعقيد الواقع ، فقد خرج نبي كريم في موقع القيادة والتوجيه طلبًا للعلم، في دلالة واضحة على أن القيادة ليست موقعًا ثابتًا للاكتفاء بالمعرفة، بل مسار مستمر من التعلم وإعادة الفهم، وفي الإطار الإداري يعكس هذا النموذج أهمية تمكين المعرفة داخل المؤسسات، من خلال بناء بيئات تعلم مستمرة، وتعزيز ثقافة التطوير المهني، وإعادة تعريف الخبرة بوصفها عملية ديناميكية لا حالة جامدة، لقد خرج موسى عليه السلام في رحلة شاقة طلباً للعلم، رغم منزلته النبوية الرفيعة، وفي ذلك رسالة خالدة مفادها أن التمكين المعرفي يبدأ من التواضع العلمي، فالأمم التي تتوقف عن التعلم تتوقف عن التقدم، والمؤسسات التي تكتفي بأمجاد الماضي تفقد قدرتها على المنافسة في المستقبل، ومن هنا يمكن القول إن قصة موسى والرجل الصالح تقدم أساساً قرآنياً لفكرة التعلم مدى الحياة، وهي الفكرة التي أصبحت اليوم من أهم مرتكزات التنمية البشرية وبناء المجتمعات المعرفية.
أما النموذج الرابع فيتمثل في ذي القرنين، الذي مُكّن في الأرض وأُعطي من كل شيء سببًا، لكنه تعامل مع هذا التمكين بوصفه مسؤولية أخلاقية وتنموية في آن واحد، فقد وظّف القوة والإمكانات لبناء الحلول، وحماية المجتمعات، وصناعة الاستقرار، لا للهيمنة أو الاستعلاء، ويجسد هذا النموذج ذروة التمكين الإداري، حيث تتحول الموارد والصلاحيات إلى أدوات لصناعة الأثر، ويصبح القائد مسؤولًا عن توجيه الإمكانات نحو تحقيق التنمية والعدالة ، وهنا يتجلى أن التمكين التنفيذي ليس مجرد تفويض صلاحيات، بل هو قدرة على إدارة القوة بوعي مهني وأخلاقي يوازن بين الكفاءة والقيم، وتنسجم هذه الصورة مع المفاهيم الحديثة للقيادة الخادمة والقيادة التحويلية، التي ترى أن القائد الحقيقي هو من يرفع قدرات الآخرين ويحول الإمكانات المتاحة إلى منجزات تخدم المجتمع وهنا تصل السورة إلى رسالتها النهائية وهي إن التمكين ليس امتلاك القوة، وإنما حسن توظيفها.
وعند جمع هذه النماذج الأربعة ضمن إطار واحد، تتشكل ملامح رؤية متكاملة لمفهوم التمكين، تبدأ من القيم التي تصنع الاتجاه، مرورًا بالمعرفة التي تصنع القدرة، وصولًا إلى الموارد التي تصنع الأثر، فليست هذه النماذج منفصلة، بل هي حلقات مترابطة في بناء الإنسان القيادي القادر على التفاعل مع الواقع وإعادة تشكيله وفق رؤية واعية.وفي الواقع المؤسسي الحديث، يمكن قراءة هذا التصور كإطار مرجعي متقدم للقيادة، حيث لم يعد نجاح المؤسسات يقاس بحجم مواردها أو دقة أنظمتها فقط، بل بقدرتها على تمكين الأفراد ليصبحوا جزءًا فاعلًا من صناعة القرار والإنجاز، فالمؤسسة التي تنجح في تمكين القيم تضمن الاتجاه، والتي تنجح في تمكين المعرفة تضمن التطوير، والتي تنجح في تمكين الموارد تضمن الاستدامة والأثر.
وبذلك تقدم سورة الكهف نموذجًا فكريًا عميقًا يعيد تعريف التمكين بوصفه عملية متكاملة لبناء الإنسان وصناعة الأثر، حيث تتداخل القيم مع المعرفة، وتتحول الموارد إلى مسؤولية، ويصبح التمكين رحلة تبدأ من الداخل وتنتهي في الواقع الخارجي ، لا مجرد ممارسة إدارية عابرة، وهكذا تؤكد السورة أن التمكين الاقتصادي لا ينفصل عن المنظومة الأخلاقية، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من حسن توظيف النعمة لا من حجمها.
ومن هنا يمكن النظر إلى السورة باعتبارها منهجاً قرآنياً متكاملاً للتمكين، يربط بين صلاح الفرد ونهضة المجتمع، وبين النجاة من الفتنة والقدرة على صناعة المستقبل، إنها تعلمنا أن الحضارات لا تُبنى بالموارد وحدها، ولا بالسلطة وحدها، وإنما تُبنى أولاً بالإنسان الذي يعرف ربه، ويدرك رسالته، ويحسن توظيف ما أُوتي من علم ومال وقوة في خدمة الخير والإصلاح لمجتمعه .
