د. رحمة البلوشي – أكاديمية مختصة في الدراسات والتميز المؤسسي
لم تكن زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى الجمهورية الفرنسية مجرد محطة دبلوماسية في سجل العلاقات الثنائية بين مسقط وباريس، بل بدت أقرب إلى لحظة سياسية كاشفة عن طبيعة التحول الذي تشهده السياسة الخارجية العُمانية في عهدها المتجدد، تحول لا يغادر ثوابته التاريخية في الحكمة والاتزان والحياد الإيجابي، لكنه يعيد توظيفها في عالم تتغير فيه موازين القوة، وتضطرب فيه سلاسل الإمداد، وتتزاحم فيه القوى الكبرى على الممرات البحرية، والطاقة، والتكنولوجيا، والأسواق الناشئة.
تأتي هذه الزيارة، التي وصفتها البيانات الرسمية بأنها زيارة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وفتح آفاق أوسع للتعاون، في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، حيث تتداخل أزمات الأمن البحري، وتحولات الطاقة، والتنافس الجيوسياسي، مع حاجة الدول إلى بناء شراكات أكثر مرونة وواقعية، وقد شهدت الزيارة توقيع حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وإعلانات النوايا في مجالات متعددة، شملت الاقتصاد والطاقة والفضاء والنقل والخدمات والصحة والثقافة، إلى جانب انعقاد منتدى الأعمال العُماني الفرنسي، وهذا في حد ذاته يعكس أن الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل زيارة ذات مضمون اقتصادي واستراتيجي واضح.
إن القراءة الأعمق للزيارة تكشف أن سلطنة عُمان تمضي نحو إعادة صياغة شراكاتها الدولية وفق منطق جديد: ليس منطق الاصطفاف، ولا منطق الارتهان لمحور بعينه، وإنما منطق تنويع الشركاء، وتعظيم المصالح، وتحويل الموقع الجغرافي والثقة السياسية إلى رأس مال استراتيجي، ففرنسا، بوصفها قوة أوروبية مركزية وعضوا دائما في مجلس الأمن وفاعلا اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا مهما، لا تمثل لعُمان شريكا ثنائيا فحسب، بل بوابة أوسع نحو أوروبا، ونحو منظومات المعرفة والصناعة والابتكار والاستثمار.
وفي المقابل، لا تنظر باريس إلى مسقط من زاوية الاقتصاد وحده، بل من زاوية الدور العُماني المتنامي في الإقليم، فعُمان اليوم ليست دولة هامشية في خرائط التوازن، بل دولة تملك رصيدا نادرا من الثقة السياسية، وموقعا حيوياعلى تخوم أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وخبرة طويلة في إدارة المسافات بين الخصوم، ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الفرنسي بالدور العُماني في أمن الملاحة، ولا سيما في ضوء ما أُعلن عن التعاون بشأن تأمين الممرات البحرية وضمان حرية المرور في مضيق هرمز.
إن جوهر هذه الزيارة يكمن في أنها تنقل العلاقات العُمانية الفرنسية من مستوى الصداقة التاريخية إلى مستوى الشراكة متعددة الأبعاد، فالشراكة الحديثة لم تعد تقاس فقط بحجم التبادل التجاري، بل بقدرتها على إنتاج قيمة استراتيجية مضافة: استثمار، معرفة، تدريب، تكنولوجيا، نقل خبرة، صحة، موانئ، لوجستيات، فضاء، وثقافة. وهذا ما يجعل الزيارة منسجمة مع مرتكزات رؤية عُمان 2040، التي تسعى إلى اقتصاد متنوع، ومجتمع معرفي، وموقع تنافسي أكثر حضورًا في الاقتصاد العالمي.
ومن الزاوية الاقتصادية، تؤكد زيارة باريس أن السياسة الخارجية العُمانية تتحول بصورة متزايدة إلى أداة من أدوات الأمن الاقتصادي، فالدولة التي تنجح في بناء علاقات متوازنة مع القوى المؤثرة لا تحمي مصالحها السياسية فحسب، بل تفتح لاقتصادها منافذ جديدة، وتجذب الاستثمار، وتوسع قاعدة الشراكات، وتمنح قطاعها الخاص فرصًا للاندماج في أسواق وخبرات أكثر تقدمًا. وقد عبّر منتدى الأعمال العُماني الفرنسي عن هذا التوجه بوضوح، من خلال الجمع بين القيادتين السياسيتين وممثلي القطاع الخاص في البلدين، بما يعكس انتقال العلاقات من لغة المجاملات الدبلوماسية إلى لغة المشاريع والفرص.
غير أن الأهمية الأعمق للزيارة لا تكمن فقط فيما تم توقيعه، بل فيما يمكن أن تؤسس له. فسلطنة عُمان، وهي تعيد ترتيب أولوياتها التنموية، تحتاج إلى شراكات نوعية لا تكتفي بالاستثمار المالي، بل تسهم في بناء القدرات الوطنية، ونقل المعرفة، وتطوير رأس المال البشري، وتوطين التقنيات، وتعزيز القطاعات المستقبلية. وهنا تبدو فرنسا شريكا محتملافي مجالات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والصناعات المتقدمة، والتعليم العالي، والبحث العلمي، والصحة، والنقل، والفضاء.
كما أن الزيارة تحمل دلالة سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية؛ فهي تؤكد أن عُمان لا تتحرك في العالم بوصفها دولة تبحث عن دور، بل بوصفها دولة تعرف دورها جيدا، فهي لا ترفع صوتها في الأزمات، لكنها تحضر حين تغيب الحكمة، ولا تبني نفوذها على الاستعراض، بل على الثقة، ولا تستثمر في التوتر، بل في القدرة على فتح القنوات حين تغلقها الخصومات. وهذه السمة تحديدا هي التي تجعل الدبلوماسية العُمانية قيمة استراتيجية في زمن يضيق فيه هامش الحوار وتتسع فيه شهية التصعيد.
من هنا، يمكن القول إن زيارة جلالة السلطان إلى فرنسا تمثل جزءا من هندسة أوسع لموقع عُمان في العالم الجديدن عالم لم تعد فيه التحالفات ثابتة كما كانت، ولم تعد فيه الجغرافيا وحدها كافية، ولم يعد فيه الاقتصاد منفصلا عن الأمن، ولا المعرفة منفصلة عن السيادة، ولا الدبلوماسية منفصلة عن التنمية. وفي مثل هذا العالم، تبدو عمان وهي تتحرك بثقة وهدوء نحو بناء شبكة شراكات متوازنة، قادرة على خدمة مصالحها الوطنية، وتعزيز حضورها الإقليمي، وترسيخ صورتها كدولة سلام وتنمية واستشراف.
إن ما وراء باريس أكبر من زيارة، وأعمق من اتفاقيات، وأبعد من لقاءات رسمية، إنه إعلان غير مباشر عن عُمان التي تريد أن تكون: دولة راسخة في مبادئها، مرنة في خياراتها، منفتحة في شراكاتها، وواعية بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع بالثقة، والمعرفة، والاقتصاد، والدبلوماسية الهادئة.
التوقيع : وفي عالم يتغير بسرعة، تبدو سلطنة عُمان كمن يعيد رسم موقعه لا بالصخب، بل بالحكمة؛ ولا بردود الفعل، بل ببناء الشراكات، ولا بالانحياز إلى خرائط الآخرين، بل بصياغة خريطته الخاصة لمستقبل أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا.
