الحبيب سالم المشهور – شؤون وطنية
القرب من الأبناء ليس ترفًا تربويًا، بل هو خط الدفاع الأول قبل أن تتسلل إليهم أي هاوية. فحين يغيب الحوار، ويضعف الحضور العاطفي، يصبح الابن أكثر عرضة للفراغ الذي قد تملؤه طرق خطرة لا تُرى في بدايتها.
أخطر هاوية يمكن أن يسقط فيها ولدك هي المخدرات… مأساة لا توصف، تبدأ بأوّل قرص أو جرعة يظنّها “تجربة عابرة” أو لحظة مغامرة، لكنها سرعان ما تتحول إلى باب مفتوح، يدخل منه الابن وتدخل معه الأسرة كلها إلى نفق طويل ومظلم.
ومن الأخطاء التي قد تُستهان في بعض البيئات، التساهل مع “القات” باعتباره أمرًا مباحا أو التشكيك في كونه من المخدرات، بينما هو في كثير من الحالات بوابة للتعوّد والاعتماد النفسي، وإضعاف التركيز والإنتاجية، وتهيئة النفس تدريجيًا لما هو أخطر. وتتضاعف خطورته حين يُبرَّر عبر استيراد تجارب وثقافات من بيئات أخرى لا تشبه واقعنا في عُمان، أو قياس أوضاع مختلفة ثم إسقاطها على واقعنا، أو البحث عن فتاوى شاذة لتسويغ إباحته، بدل النظر إلى أثره الصحي والتربوي الحقيقي وما يفتحه من أبواب الضرر.
ستخسر ابنك الذي تعرف، ولن تسترجعه كما كان – إلا أن يشاء الله – وستجد نفسك مضطرًا للتكيّف مع واقع جديد لا يرضاه أحد لنفسه؛ شخص غريب يعيش في بيتك يحمل ملامح ابنك، لكن سلوكه وقراراته واندفاعه ليست منه ولا لك.
تبدأ دائرة المعاناة بالتوسع داخل الأسرة: خوف يومي، قلق دائم، توتر لا ينقطع. يصبح الكذب مألوفًا، والغضب حاضرًا، وارتفاع الصوت لغة البيت. والأسوأ من ذلك أن يتسلل الشعور بالعار والانكسار أمام العائلة والمعارف.
شيئًا فشيئًا قد ترى الابن يرفع صوته على أمه، أو يعتدي على أبيه، أو يؤذي أخته، أو يسرق مال أخيه ومتاعه، أو يبيع ما في البيت ليحصل على لحظات “نشوته” الزائفة. تتحول الحياة إلى جحيم يشمل الجميع، ولو تحت سقف واحد وباسم واحد.
وقد تجد نفسك مضطرًا للتعامل مع مدمن أو سلوك أقرب إلى الجريمة، رغم أنه ابنك. ومن أقسى ما يمرّ به الإنسان أن يضطر إلى تجنب الناس، أو تغيير طريقه، أو إخفاء انكساره، هربًا من الأسئلة أو نظرات الشفقة أو اللوم. حتى يصبح الماضي الثقيل ظلًا يلاحقه أينما ذهب.
وتزداد المأساة حين تتصالح بعض الأسر مع الواقع بدل مواجهته؛ فيبدأ الأب في التبرير والدفاع والبحث عن الأعذار، وتلجأ الأم إلى الإخفاء والتستر، وربما تُستنزف أموال الأسرة في محاولة شراء “هدوء مؤقت” خوفًا من انفجار أخطر أو تحول الأمر إلى جريمة. وهكذا تنشأ عائلة جديدة بقيم مقلوبة، تتعلم ما كانت ترفضه يومًا، وتعتاد ما كانت تستقبحه، وتتابع أخبار من كانت تستعيذ بهم.
وقد يصل الحال إلى الاعتياد على أبواب مراكز الشرطة، وقاعات المحاكم، وأسرّة المستشفيات، وطوابير السجون، وكأنها جزء من الحياة اليومية التي لم تكن يومًا في الحسبان.
إن الوقاية تبدأ من الجذور: من القرب الحقيقي من الأبناء، من الحوار، من الملاحظة المبكرة، من عدم التساهل مع البدايات الصغيرة التي قد تبدو “بسيطة” لكنها تحمل ما بعدها. وفي هذا السياق تبقى البيوت العامرة بالإيمان، والبيئات التربوية السليمة، والأنشطة الهادفة – كالمدارس القرآنية والرياضة – حصونًا واقية بإذن الله.
لا تبخلوا بوقتكم على أولادكم، فالفراغ في الإجازة قد يكون بابًا للانحراف، واستثمار وقتهم بالمتابعة والأنشطة الهادفة حماية لهم من الضياع.
ويبقى الدعاء، واليقظة، والاحتواء الصادق للأبناء، من أعظم ما يمكن أن يُحفظ به البيت من السقوط قبل أن يبدأ.
وأختم كلامي بالتذكير بقول النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: «خيرُكم خيرُكم لأهله»، وهو ميزانٌ جامعٌ لمعنى الخير الحقيقي، الذي يبدأ من البيت قبل أن يمتد إلى الناس.
