سعد عماد – شؤون وطنية
“حرك قواقعك لين تواجه قواقع خصمك” هذه آلية لعبة حواليس، وهكذا تنقلت الأحداث؛ ثنائية لأن في كل حفرة لدى لاعب الحواليس قوقعتان، ولدى المؤلف شخصيتان في كل خلاف، القومندان مقابل الشيخ، وسالم في مقابل سلوى ومثل ذلك كثير أحداث تغلب عليها الثنائيات، خصلات في جديلة السرد، الرواية المكتوبة والرواية التي ستكتب وبينهما خطوط تتوازى تتعارض ثم تلتحم، تتداخل لتكون ذلك الشكل الأنيق لحكايات التاريخ، بأزمنة متداخلة، منذ ١٨٩٥م إلى مطلع الألفية الجديدة.
في بداية تبدو شيقة من تكوّن واضح للشخصيات كقالب، صف غانم سالم قوقعاته، شيخ وأبنائه الثلاثة، قومندان ومساعده، وخلفياتهم بالمعارف والأسباب التي جاءت بهم في روايته، في مقابل محمد اليحيائي الذي اختار غانم شخصية يريد أن يلعب معها بقواقع الحكاية، معه سلوى وفي أحداث أخرى شخصيات تحكي من أين امتد سلوى ومن هو غانم وفي كل حدث شخصيتين (في كل حفرة قوقعتين). غانم يتحرك واليحيائي يكمل، حتى يتداخل ما أتى به محمد وما توقف عنده غانم فتتصاعد الأحداث بهذا التشابك الذي طرأ على غانم في وسط اللعبة.
وجد غانم ظالته، استطاع أن يُثبت أقدامه في مسار الرواية، لأنه اختار من سيكون من ولماذا، لكن الحيرة تعصف به لأن النهايات لا تبدو كما يريد، بل تقوده لحيرة أكثر تعقيدًا، فيستمر بدوره إلى أن يضع له اليحيائي شباك الحب، فيقع فيها. لم يحذر غانم القادمون من الخلف، خاصة وأنه الزمن الذي لطالما هرب منه، وقف أمامه بتجلياته ماضي وندم، حاضر وحيرة، مستقبل وشك، تورطا الإثنان ببعض، وبقت النهاية معلقة…هل يعودان؟ هل يستمران؟ من الذي انتصر؟ أو بالأحرى من الذي قتل؟
رواية تضع التاريخ العماني الحديث والقديم، أمام القارئ بشكل أنيق عن كاتب يبعثر في أوراق الزمن بحثًا عن رواية، يحدد شخصيات وتتشابك أحداثها، ولكن بين ذلك التشابك هناك سطور، أتت بما بدأت به الرواية “ممارسة الحرية”، في محاولة صريحة، لسرد التاريخ واشكالياته وإجابة تساؤلات عن الدولة وقيامها، بين دعم الاستعمار وثورة الدين والتمرد على الاستبداد إلا أن الأمر لم يكن نخبويًا بل أتى من الشارع بما فيه من تنوع وتباين، نظرة عامة ولكنها متفحصة للتفاصيل التي تركت علامتها في التاريخ، ولكنها اختفت بشكل مفاجئ، تحت شعارات الوحدة، فهل اتحدت؟ أم ما حدث قلب متعمد لموازين القوى حيث لا تبقى ذاكرة للاختلاف والتباين؟
ملحوظة أخيرة ورأي شخصي، هذه الرواية الثانية لمحمد اليحيائي عن تاريخ عمان بعد رواية الحرب، أرى أن الشخصيات المحورية التي يضعها تمكن الدخول لبوابة التاريخ بشكل جميل، في الحرب كانت التجربة مع سعيد قيصر صانع الأفلام والمخرج الذي تقوده صنعته لأحداث تاريخية فارقة وفي حواليس كان غانم سالم روائي يشبه المثقفين الذين نعرفهم ولج إلى التاريخ بمحاولة لصناعة عمل أدبي آخر.
